نكبـــة فلسطيـــن وأزمــة الخطــاب العربــي المعاصــر

نكبـــة فلسطيـــن وأزمــة الخطــاب العربــي المعاصــر

يبدو للمتتبع لحركية الخطاب العربي المعاصر، في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى بداية الألفية الجديدة، تأثره الواضح بأطروحة المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في التحدي والاستجابة، والتي ما تزال تفعل فعلها في خطاب عربي يمزج بين الميثولوجيا الدينية وبين السياسة، ولكن بصورة أكثر مأساوية وتراجيدية. فعلى طول المسافة التاريخية الممتدة ما بين نكبة 1948 التي انتهت باحتلال فلسطين الى النكبة / الكارثة ممثلة  بالحرب العدوانية التي شنها التحالف على العراق والتي انتهت باحتلال بغداد، والخطاب العربي المعاصر لم يمل من دفع مرافعاته النكبوية إلى الواجهة باستمرار، التي تنشد النكبة والكارثة، وما يزال يدعو القدر التاريخي لأن ينزل بنا مزيداً من النكبات والكوارث والصدمات علَّنا نستفيق من هول الكارثة ونرد على التحدي. أليس التحدي الخارجي هو المهماز الذي أيقظ وعينا القومي بعد أن تكلست بيضته ؟ ويتساءل المتتبع لمسيرة هذا الخطاب عن سر هذه الانفعالية التي تلازم خطابنا المعاصر بكافة صنوفه (القومي والديمقراطي والنهضوي عموماً) والتي  تكاد أن تكون علامته الفارقة؟ عن السر الذي يدفع بهذا الخطاب إلى مزيد من الهروب إلى الأمام كما يرى محمد عابد الجابري في تشخيصه لنقاط قوة وضعف هذا الخطاب؟ إلى تخوم الانفعال السياسي في الوقت الذي يزعم فيه أنه يؤسس لخطاب عقلاني في النهضة والسياسة؟ وإلى تخوم الفكر الميثولوجي الذي لا يرى إمكاناً للقيامة والبعث إلا عبر المرور بدرب الآلام؟ وأخيراً عن البؤس النظري الملازم لهذا الخطاب والذي لم يفارقه أبدا؟

 

أسئلة عديدة، وما أكثرها، تفرض نفسها في سياق البؤس النظري والسياسي لهذا الخطاب وهو ينشد النكبة الكارثة، وليس هذا فحسب، بل، وهو يتمنى المزيد من الكوارث، لاعتقاده، بأن النكبة هي شرط للنهضة المرتقبة، فلا نهضة بدون نكبة، ولا بعث بدون درب الآلام والذي يستعير معظم بواعث التعبير عن نفسه – كما أسلفت – من ميثولوجيا العهد الجديد التي ظلت محايثة للخطاب القوموي العربي، دافعة إياه إلى الظلال الوقائية لنزعة مازوخية بقيت تمارس مزيداً من تعنيف الذات العربية وجلدها، ظناً منها أن ذلك طريق الخلاص. لا بل أن بعض المثقفين العرب وفي سياق الحرب الإمبريالية على العراق، راح يتمنى الهزيمة فمن شأن الهزيمة/الصدمة أن توقظ العرب.

كان من الممكن أن نسهو عن هذا الخطاب، وعن الزخم الإيديولوجي الذي رافقه ممثلاً بـ " الإيديولوجيا الإنقلابية"، إلا أن عودته بصورة لا لبس فيها وهو يرتدي معطف الحداثة محيطاً نفسه بكل تقنيات الأسئلة الحداثوية، هو الذي دفعنا إلى قراءة هذا الخطاب الانفعالي الذي تنفع معه كل عدة التحليل النفسي بحق، وذلك بهدف فضح عيوبه وإظهار تناقضاته وذلك على الرغم من تحفظنا المستمر على هواة التحليل النفسي.

تعود جذور هذا الخطاب الى هزيمة 1948 واحتلال فلسطين، ففي بحثه عن " الفعالية الثورية في النكبة" وصف المفكر القومي نديم البيطار  نكبة 1948 بأنها "نعمة"، لأن نزول النكبة، بنا، يفتح في الواقع كما يرى البيطار دورة تاريخية جديدة أمامنا، لأنه يعلن موت الوجود العربي التقليدي، لذلك كانت النكبة من وجهة نظره ذات طبيعة انقلابية كبرى.

إن الموضوع الأساسي الذي يدور من حوله البيطار، هو مأساة الوجود العربي التقليدي، الذي أصبح بمثابة حجر عثرة في طريق النهضة، إن لم نقل صخرة كبيرة كما حاول أن يقنعنا البيطار وعبد الله العروي (العرب والفكر التاريخي، 1973) وياسين الحافظ (الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، 1978) وإحسان مراش (مدخل الى تطبيق الماركسية في الواقع العربي، 1975) وكثيرون، فالتقليد هو داء الأمة، الجاثم على صدرها والذي ينيخ بكلكله عليها ولا مزحزح له إلا الكارثة /النكبة، من هنا كان للنكبة طابعاً ثورياً كما يرى البيطار.

لم تكن ردة الفعل العربي على النكبة، ردة ثورية فعالة ومتكاملة كما يشتهي البيطار. ولم يتم اكتشاف القوانين الثورية للنكبة، كذلك لم ينتج عن سحر الخطاب المحكوم بمفاهيم الثورية والانقلابية أية نتيجة، وجاءت النكبة الجديدة، نكبة حزيران / يونيو 1967 ولم تكن نعمة، لا بل أنها فاقت جميع النعم التي يمكن استخلاصها منها على حد تعبير المفكر المغربي عبد الله العروي الذي راح يسخر من تهافت الخطاب الثوروي العروبوي الذي ينشد الكارثة. وتوالت الكوارث والنكبات وبقي جرحنا النرجسي فاغر الفم، وازدادت حيرة الخطاب الإنشائي الثوروي الذي حوّل الهزيمة إلى انسحاب والنكبة إلى درس يمكن استخلاص نتائجه، كذلك الخطاب اللاحق الذي استعان على عجل بالتحليل النفسي، والذي حوّل هزيمة حزيران / يونيو إلى رضة، والرضة تقع بين الصدمة والكارثة كما يقول هذا الخطاب ولا تدفع إلى إيقاظ الوعي. بهذا أنقذ الخطاب العربي نفسه من المأزق في تفسيره لعدم استفادتنا من درس النكبة، وراح يتطلع بدوره إلى كارثة جديدة تفوق بحجمها مجموع ما حصل وتكون بمثابة صدمة تساهم في إيقاظ الأمة النائمة.

بعد هزيمة حزيران / يونيو 1982 ودخول القوات الإسرائيلية إلى قلب بيروت، راح لفيف من المثقفين العرب الراديكاليين (الطيب تيزيني وصادق جلال العظم على سبيل المثال) يتحدثون عن مرحلة ما بعد بيروت 1982، كحدٍ فاصل بين الثورة والخيانة، بين النكبة والنهضة، فقد آن الآوان وطفح الكيل بما فيه، لكن شيئاً من هذا لم يحدث. فقد تاه الأول – أي الطيب التيزيني – في تحليلاته الأرثوذكسية للتراث، وبقي الثاني – أي العظم – أسير انطباعاته الدينية (انظر كتابه في " نقد الفكر الديني"، 1969) وأسير حالة الحصار التي دفعته باتجاه الدفاع عن الماركسية باعتبارها سقفاً للتاريخ. وجاءت حرب الخليج الثانية 1991 ولكنها –ويا للمفارقة – لم تكن بمستوى الكارثة التي يتمناها ويدعو لها الخطاب العربي المعاصر. 

في بحث مطول وتحت عنوان " نحو تحرير الروح العربي الإسلامية من عقالها" كتبه هاشم صالح ونشرته المجلة العمانية " نزوى " في عددها الثامن تشرين اول/ أكتوبر 1996 – جمادى الأول 1417 هجرية، عبّر هاشم صالح، عن أمنيته في حدوث كارثة ولكن كارثة من شأنها أن تدفع إلى انهيار، وهو يشدد على ذلك بقوله "ينبغي أن يحصل انهيار وأن يتفجر في وجهنا الزلزال"، فمن شأن الانهيار وكما اعتقد البيطار أن يولد مزيداً من الأسئلة، بصورة أدق، أن يدفع بالأسئلة المحجوبة في أعماق الواقع والمكبوتة في تلافيفه إلى الواجهة. إن هاشم صالح يدفع إلى الواجهة بنظرية التحدي والاستجابة ولكن بصورة أكثر فجائعية بحيث يمكن القول إنها التعبير الأكثر حدة عن أيديولوجيا الإحباط التي تستبطن مسيرة الخطاب العربي المعاصر والتي تدفعه إلى النكوص على عقبيه والدعاء على مجتمعه بالويل والثبور، فهو لايتمنى للكارثة أن تكون على مستوى الأمة فحسب، بل يدعو لها أن تطال المفكرين و المثقفين العرب، وهو هنا يقيس على التاريخ الأوربي وعلى تاريخ المفكرين الأوربيين. فلو لم يكن نيتشه مصاباً بعاهة العمى والمرض لما فجَّر المكبوت من الأسئلة (مساكين هم المثقفون العرب الذين يدعو عليهم هاشم صالح بالعمى والعاهات). 

من فلسطين إلى العراق الذي تحتل أراضيه من قبل القوات الأميركية – البريطانية الغازية، بقي الحال على نفسه، ويفي الخطاب العربي المعاصر على نفسه مستعيراً معظم دوافع التعبير عن حاله من أيديولوجيا الهزيمة والإحباط، التي تعشش في أروقته كفطر ذري سام، ففي سياق العدوان الأميركي – البريطاني على العراق، راح المفكر السعودي تركي الحمد يدعو القدر التاريخي أن ينزل بالأمة مزيداً من الصدمات، فما نحتاجه هو صدمات و صدمات، علَّها أن تدفع الجثة الهامدة إلى شيء من الحراك. 

يندفع الحمد وهو ينظر إلى العدوان الثلاثي الجديد على العراق إلى شيء من المقارنة بين الأمس البعيد واليوم، بصورة أدق، بين الحملة الفرنسية على مصر التي أيقظت الوعي عند العرب بضرورة الحداثة، وبين الحملة الأميركية الحالية على العراق التي يدرجها الحلفاء تحت راية " الحرية للعراق "  يكتب الحمد: "بذات المنطق- ويقصد منطق حملة نابليون على مصر – يمكن القول إن شعارات الحملة الأميركية في واشنطن، و قد تكون من ضمن الأهداف فعلاً، و لكن لأنها تخدم مصلحة معينة و ليس للقيمة الذاتية للمبدأ نفسه. و لكن في النهاية ستبقى المبادئ و مضامينها، و ليس من الضروري أن يستمر الوجود الأميركي. ففي أحيان كثيرة، يكون الوضع في هذا البلد أو ذاك، في هذا المجتمع أو ذاك من السكون و الجمود وثبات الحال إلى درجة فقدان الحيوية و الحياة، بحيث لابد من صدمة كهربائية قوية من خارجه، أي خارج المجتمع العربي، كي تعيد له الحياة و الفاعلية الذاتية. هذا ما حدث في بروسيا بعد الحملة النابليونية حين أدت إلى بعث الروح في الحياة الألمانية، فازدهر الفكر والأدب والفن، و توحدت الولايات الألمانية بعد ذلك في دولة واحدة استطاعت أن تجد لها موطئاً بين الأمم، و مكاناً تحت الشمس في كل المجالات. و هذا ما حدث في اليابان بعد أن كادت الحداثة اليابانية أن تضيع في مغامرات العسكر وبحثهم عن المجد في مغامرات عسكرية غير مجدية. وهذا ما حدث للصين حين أعاد الاستعمار البريطاني، من حيث لا يشعر ولا يريد بطيبعة الحال، الروح إلى مجتمع نخر فيه الفساد، و كان يهوي كما يتهاوى ضرس نخره السوس حتى الجذور. وهذا ما حدث لمصر والمشرق العربي حين غزاهما نابليون، فأعاد العرب إلى الوعي بالعصر الذي يعيشون فيه، ولكنهم نكصوا على أعقابهم بعد ذلك، فكان لابد من صدمات و صدمات، إذ لعل وعسى، فمكر التاريخ لا يعرف الاستسلام". وينهي الحمد حديثه بالقول: "الحملة الأميركية الحالية على العراق، بكل ما يمكن أن يكون لها من سلبيات قريبة أو بعيدة على المنطقة، إلا أنها قد تجبر العرب على الانخراط في العولمة، ومن ثم العصر، وبالتالي الحداثة، بكل أبعادها، و من ثم المشاركة في بناء عالم كانوا يشعرون أنهم لا ينتمون إليه ولا ينتمي إليهم، وهنا تكمن المعضلة الحضارية العربية". 

وفي رأيي أن هذه الانفعالية التي تطغى على الخطاب العربي المعاصر وتدفعه إلى تمني الكارثة / النكبة لمجتمعه وأهله، تعبر بحق عن سوداوية وصلت إلى أقصى درجات التطرف عند المثقف العربي، وتظل بمثابة التعبير الحي عن بؤس الثقافة والسياسة معاً، لدى المثقف النخبوي أو الذي ظن حاله كذلك.

___________________

د. تركــي علــي الربيعــو هو كاتب وباحث سوري من مواليد القامشلي في العام 1951. له العديد من البحوث والدراسات منها، "أزمة الخطاب التقدمي العربي في منعطف الالف الثالث-الخطاب الماركسي نموذجا"؛ "الاسلام والغرب الحاضر والمستقبل"؛ "الاسلام وملحمة الخلق والاسطورة"؛ "من الطين الى الحجر"؛ "العنف، والمقدس والجنس". للكاتب مساهمات في عدد من الصحف العربية أيضا.