طباعة

لمــاذا لا تــزال النكبــة مستمــرة؟

السؤال الذي من المفترض أن نتوقف عنده لنطرحه على أنفسنا، ونحن نعيش الذكرى الـثامنة والخمسين لنكبة شعبنا الفلسطيني،  وربما يطرحه علينا آخرون أيضا، لماذا لا تزال النكبة مستمرة إلى الآن؟ وبالتالي ماهي أسباب استمرار حالة اللجوء الفلسطيني، حيث إنه عنوانها الأهم 

بعد الحرب العالمية الثانية، وما تسببته في لجوء أو ترحيل أو نزوح الملايين من الناس قسرا في أوروبا، ازداد الوعي بمسؤولية المجتمع الدولي بضرورة تقديم الحماية لهم ومساعدتهم لحل مشاكلهم. وانعكس ذلك الوعي في تشكيل "منظمة الأمم المتحدة لشؤون الإغاثة والتأهيل" والمشار إليها اختصارا بـ (UNRRA). وكان الدور الهام الذي قامت به هو تنظيمها عودة الملايين من اللاجئين والنازحين إلى أوطانهم. 

وتوضح ذلك الوعي أكثر في عام 1946 عندما أدرجت مشكلة اللاجئين ضمن جدول أعمال أول جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة كموضوع يحظى بالأولوية، التي تم التأكيد فيها على أن قضية اللاجئين عالمية بطابعها ونطاقها، والمجتمع الدولي ككل معني بمعالجتها وحلها على قاعدة تقديم الدعم لهم من أجل عودتهم الطوعية بأي وسيلة متاحة إلى بلدانهم.

 

وتتوج هذا الاهتمام الأممي بمشكلة اللاجئين بإنشاء "المفوضية السامية لشؤون اللاجئين- (UNHCR)، من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 319(4) تاريخ 3 كانون أول 1949. فوفق نظامها الأساسي واتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، ومن ثم بروتوكول 1967 الخاص بوضع اللاجئين، تحددت مهمتها بمعالجة مشاكل اللاجئين بصورة شاملة، والقيام بتأمين الحماية لهم لحين حل مشكلتهم وفق خيارهم الحر، وتسهيل عملية إعادتهم الطوعية إلى ديارهم. لهذا فإنه أصبح الإسهام في حركة العودة الطوعية على نطاق واسع من السمات التي تتميز بها المفوضية، وتتضمنها الأنشطة التي تقوم بها. 

تجسد هذا الوعي والاهتمام الأممي بمشكلة اللاجئين على صعيد مشكلتنا (اللاجئين الفلسطينيين) على المستويين السياسي والإنساني. فعلى المستوى السياسي  بحثت الجمعية العامة للأمم المتحدة الوضع في فلسطين من جديد بعد قيام دولة إسرائيل على 78 % من أرض فلسطين، وتشريد حوالي ثلثي سكانها، وأصدرت القرار رقم 194 تاريخ 11 كانون أول 1948، وينص على "وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم..."، وعلى تشكيل لجنة لمتابعة تنفيذه (لجنة الأمم المتحدة للتوفيق حول فلسطين، UNCCP). وعلى المستوى الإنساني أنشأت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (وتسمى أيضا، وكالة الغوث الدولية، "الأونروا")، استنادا إلى قرارها رقم 302 تاريخ 8 كانون أول 1949. وبموجبه تتعاون هذه الوكالة مع الحكومات المحلية من أجل القيام بالإغاثة المباشرة وتقديم المساعدات للاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى بلدان تلك الحكومات إلى حين تأمين عودتهم. 

بذلت لجنة التوفيق (UNCCP) في سنواتها الثلاث الأولى جهودا كبيرة من اجل تمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، استنادا إلى الفقرة 11 من القرار 194، إلا أن جهودها هذه فشلت، وكان آخرها مؤتمر باريس الذي عقد سنة 1951، وحضره ممثلون عن الدول العربية التي لجأ إليها الفلسطينيون بالإضافة إلى إسرائيل، حيث كان آخر المحاولات التي بذلتها لإعادة اللاجئين إلى ديارهم، فقد تقدمت فيه باقتراح يطلب من إسرائيل الموافقة على عودة عدد معين من اللاجئين إلى ديارهم، ومن الفئات التي يمكن دمجها في الاقتصاد الإسرائيلي، ومع ذلك رفض الوفد الإسرائيلي هذا الاقتراح رفضا قاطعا. واعتبر عودة اللاجئين الفلسطينيين أمرا مستحيلا لاعتبارات سياسية وأمنية تتعلق بدولة إسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ توقفت جهودها على هذا الصعيد. ومع أن هذا يعني فشلها في تنفيذ المهمة التي  أنشأت من أجلها إلا أنها  لم تحل رسميا إلى الآن، فهي تقدم تقريرا سنويا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تشير فيه إلى أن تطبيق القرار الذي كلفت بتنفيذه يحتاج إلى قرارات سياسية من الأطراف المعنية. 

وباعتبار أن اللاجئين الفلسطينيين استثنوا من صلاحيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وبعد أن عجزت لجنة التوفيق (UNCCP)  عن متابعة عملها، فقد اقتصر دور الأمم المتحدة على القيام بأعمال الإغاثة وتقديم الخدمات من خلال الأونروا، التي باشرت عملها هذا في أيار 1950، ولا تزال مستمرة في هذه المهمة منذ ذلك التاريخ وإلى الآن، رغم النقص المستمر في التمويل الذي يهدد وجودها.

وما من شك في أن انسحاب الأمم المتحدة من مهمتها على صعيد حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، لا يعود إلى إشكالية قانونية، فهناك من القرارات الدولية ذات الصلة ما يمكنها من تجديد دورها. لكن الإشكالية هي أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحتاج لتنفيذها إلى موافقة مجلس الأمن الذي يضم في عضويته الدائمة قوى دولية تأخذ بالموقف الإسرائيلي الرافض لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية. ومع ذلك فإن إسرائيل تحرص على إبقاء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين خارج نطاق عمل الأمم المتحدة.

إن فشل لجنة التوفيق (UNCCP)، ومن ثم عدم بذل أي جهد آخر من قبل الأمم المتحدة من أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والاكتفاء بتقديم المساعدات الإنسانية من خلال وكالة الغوث الدولية- الأونروا، ترك مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لطرفيها الأساسين والمعنيين بها بشكل مباشر: الإسرائيليون والفلسطينيون.

حالة الصراع القائمة ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ النكبة، التي أخذت أشكالا متعددة، من تبني خيار المقاومة المسلحة كخيار وحيد حتى مرحلة المفاوضات التي بدأت مع اتفاق أوسلو 1993، وما أظهرته من تباينات في مواقف  الطرفين حول مشكلة اللاجئين، وما سيتمخض عنها من نتائج سياسية هي التي سوف تحدد مسار حل مشكلة اللاجئين. 

استمرار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، سوف يؤدي منطقيا  في النهاية إلى إحدى  الإمكانيتين لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين؛ الأولى إما أن يتمكن الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني من الاتفاق على حل ما يلتزمان بتنفيذه، والثانية أن يتمكن أحدهما من فرض حله لهذه المشكلة على الآخر، ولكل من هاتين الإمكانيتين متطلباتها واحتياجاتها سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

الإمكانيــة الأولــى: الوصــول إلـى اتفــاق مشتــرك 

ما تجمع عليه القوى الحزبية صاحبة القرار السياسي والاستراتيجي في إسرائيل أو التي تشارك في صنعه، منذ قيامها العام 1948 وإلى الآن، هو رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وعدم الاعتراف بأي نوع من المسؤولية نحوهم. وهذا الموقف المشترك لهذه القوى الذي تتوحد حوله، هو الذي حال دون قيام لجنة التوفيق (UNCCP ) بمهمتها بتنفيذ القرار 194، وما يحول دون أي تقدم بهذا الاتجاه حتى حينه. 

تتعامل القوى الحزبية الإسرائيلية مع مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أنها مشكلة الدول العربية، فبنظرها هذه الدول هي التي خلقتها وتتحمل مسؤوليتها، وهي المعنية بحلها، لكن يمكن أن تساهم إسرائيل في حل بعض الجوانب الإنسانية، مثل دفع تعويضات والموافقة على لم شمل بعض العائلات. هذا الموقف ينسجم مع ما أنشأت على أساسه إسرائيل كمشروع استيطاني لليهود في فلسطين، فهي تعرف نفسها على أنها دولة لليهود، بالتالي المواطنة فيها تحدد على هذا الأساس، ولا مكان لغيرهم عندها.

فخلال المفاوضات التي جرت بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إطار اتفاق أوسلو، لم يقدم الطرف الإسرائيلي خلاف الموقف المشار إليه أعلاه، رغم أنه حقق إنجازا تاريخيا في هذا الاتفاق عندما أعترف الطرف الفلسطيني المفاوض بدولة إسرائيل على حوالي  78% من أرض فلسطين التاريخية. وحتى المبادرات السياسية المشتركة ما بين شخصيات فلسطينية وإسرائيلية، التي تدعو إلى إحلال السلام وإنهاء حالة العداء والكراهية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقيام دولة لكل منهما على أرض فلسطين، تلك المبادرات لم تشكل خروجا مهما عن هذا الموقف.

مقابل هذا الإجماع على مستوى القوى الحزبية الإسرائيلية، لا بد من القول أن هناك مواقف جريئة وشجاعة لعدد من الأكاديميين والمثقفين الإسرائيليين، أولئك الذين ينشطون من أجل الاعتراف بنكبة الشعب الفلسطيني عام 1948،  وأنها كانت عملية تطهير عرقي، وبذلك فإن حق اللاجئين في العودة هو الطريقة الوحيدة المنطقية لتعويضهم عما تعرضوا له، ومن أبز هؤلاء الأستاذ الجامعي د. إيلان بابيه. كما توجد جمعيات غير حكومية تسعى إلى فتح حوار حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين في إسرائيل، انطلاقا من إيمانها بهذا الحق، مثل جمعية زوخروت (تذكرون). فهي  تعمل على رفع مستوى الوعي حول النكبة الفلسطينية بين أوساط اليهود الإسرائيليين، على أمل أن يؤدي ذلك إلى الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن تلك النكبة، ومن ثم القبول بعودة اللاجئين 

إن الوصول إلى اتفاق مشترك لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على قاعدة حقهم في العودة، يعتمد على حدوث تحول بين صفوف الإسرائيليين لصالح دعم هذا الحق، وهذا يبدو صعبا ونحن نرى أن الشارع الإسرائيلي يتجه نحو التطرف، سواء بالانحياز إلى القوى التي لا ترفض عودة اللاجئين فقط، بل لتلك التي تدعو إلى ترحيل من بقي من الفلسطينيين على أرضه إلى البلدان العربية المجاورة، أو تلك القوى التي تقبل بوجود دولة فلسطينية لكنها ترفض عودة اللاجئين إلى ديارهم الأصلية في أراضي الـ 48، مثل  حيروت، تسومت، المفدال وغيرها. 

الإمكانيــة الثانيــة: الحــل من طــرف واحــد 

القيادة الإسرائيلية بتلاوينها السياسية المختلفة، التي تجمع على رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، تستطيع أن تستمر في موقفها هذا، لكن هذا الموقف لا يحل المشكلة. فالحلول البديلة للعودة مثل التوطين في البلدان العربية أو في بلدان أخرى، يحتاج إلى موافقة تلك البلدان، وهي تعلن تمسكها بالحل الذي أقرته الأمم المتحدة بقرار جمعيتها العامة رقم 194، فضلا عن عدم قبول اللاجئين أنفسهم بحلول بديلة لحق العودة. 

فاللاجئون الفلسطينيون عندما تنبهوا أن حقهم في العودة بات مهددا بالضياع أو معرضا للمساومة بعد اتفاق أوسلو، بادروا إلى أخذ زمام المبادرة للرد على ذلك، فشكلوا هيئات للدفاع عن هذا الحق في مختلف مناطق تواجدهم، بدءا من الجليل في فلسطين الـ48 إلى أمريكا الشمالية، مرورا بالبلدان العربية المضيفة وأوروبا. وخلال سنوات قليلة على نشوء تلك الهيئات، نجحت في أن تكون قوة سياسية، لها حضورها الشعبي الذي لا يستهان به.

قد تنجح إسرائيل  في فرض الحل من طرف واحد على صعيد حدود الدولة الفلسطينية أو القدس أو المستوطنات أو ما يتعلق بسيادة هذه الدولة، على غرار انسحابها من غزة، أو لنقل كل ما يتعلق بقضايا الحل النهائي، لكن الوضع مختلف على صعيد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. فهذه المشكلة لها أبعادها الخاصة التي تجعل حلها ليس رهناً بإسرائيل فقط، لكنها تستطيع أن تستمر في رفضها لعودتهم، طالما أنها تمتلك القوة التي تمكنها من ذلك في مواجهة عجز عربي وفلسطيني. لكن هذا لن يؤدي إلى إنهاء هذه المشكلة، طالما بقي خيار أصحابها هو عودتهم إلى ديارهم الأصلية. 

ما سبق يوضح لحد ما لماذا لا تزال النكبة مستمرة إلى الآن رغم مضي 58 عاما عليها، أو لماذا لا يزال اللجوء الفلسطيني دون حل. إن إنهاء النكبة وحالة اللجوء مرهون بدور اللاجئين أنفسهم أولاً وأخيراً، وهذا يتطلب منهم العمل في إطار جهد جماعي لتنفيذ حقهم في العودة، ولأجل ذلك لا بد من  بلورة خطاب سياسي مبني على مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية  يشرع ممارسة أي شكل من العمل المدعوم من المجتمع الدولي ليكون هذا الحق هو الأساس في حل مشكلتهم في أي اتفاق أو تسوية يمكن التوصل إليها. في الذكرى الأليمة للنكبة لا يزال حلم العودة حاضراً لدى اللاجئين الفلسطينيين، وسيبقى قائماً طالما تمسك به أصحابه. 

___________________

رجا ديب هو منسق مجموعة عائدون في سورية، عضو الائتلاف الفلسطيني لحق العودة. ديب من مواليد العام 1950، يحمل الماجستير في الفلسفة. وله أبحاث ومقالات عديدة حول القضية الفلسطينية عموما وقضية اللاجئين الفلسطينيين خصوصا.