فلسطيــن: الذاكــرة التــي تحــرس الحلـــم

فلسطيــن: الذاكــرة التــي تحــرس الحلـــم

ثمانية وخمسون عاماً كافية لاختبار الذاكرة...وهي لا تميل الى الماضي بقدر ما ترصد حركة الحاضر وتحرس الهوية وتصوغ الحلم وتضمن المستقبل...الذاكرة الفلسطينية هي الفضاء الذي يلتقي فيه الأشتات، وتلتئم  الأشلاء وتجتمع الأجيال، ويعود فيه الشهداء لعناق أحبابهم. 

لم يكن رهان الغاصب على قوة الدبابة في المقام الأول، فهذه رهينة النظر في المتغير. وإنما كان الرهان الإستراتيجي على قمع الذاكرة وإطفاء الحلم وتذويب الهوية وتقويض الروح...فهذه هي الأصول التي، ما دامت حية ضاربة في الأرض، فلا بد أن تطرح ثمرها في آخر المطاف، وإن تأخر الموسم.

 

بعد ثمانية وخمسين عاماً، ما تزال الذاكرة الفلسطينية عامرة بالسنديان العتيق والسلاسل الحجرية والأغاني الرعوية المنبثقة من عمق الزمان وأغوار الروح، وأجنحة السنونو وأغصان الزيتون ومواسم البرتقال والمحاريث القديمة، وجباه الصخر، ودخان القرى، ورائحة التراب عقب المطر الأول، والقمر الذي يدرج كل ليلة على بيادر الحصاد ويسترق النظر من النوافذ، وضحكات النصراويات اللواتي ينزلن الى مرج ابن عامر ليقطفن الثمر والقلوب والنجوم. 

بل أذهب الى القول: إن الفلسطيني لم يتشبث بذاكرته تشبثه بروحه حسب، بل ارتفع بأشياء الى مستوى الرموز، وأضفى عليها لوناً من القداسة الحائمة بين الأرض والسماء، حتى خشيتا أن يتاخم حدود النرجسية الوطنية وتضخم الأنا الجمعية! وهو الذي افترض الآخرون ان النكبة والتشريد والجوع والشقاء واللجوء تلزمه الخضوع والتصاغر، والمشي بماحذاة الحائط والاكتفاء بطلب الستر...وربما بعض العطف والإشفاق! وإنها لتبدو فارقة لأول وهلة: أن يتعاظم المنكوب بنكبته، ويتيه المشرد بهويته، ويستعلي بحائط كرامته، على ما أصابه من المحن والمآسي والنكبات...حتى حارت مشاعر الناس فيه...فثمة من تستفزه الصورة ويراها ضرب من "التمرد" على نقيض ما يُتوقع من تخاجل المنفي الطريد الشريد...و ثمة من يتطلع إليها تطلّعه الى أُنموذج السبق والتفوق والحيوية والصمود في وجه المحن، و...نعم ،ثمة أخيرا من يوشك أن يحسد الفلسطيني على دمه النازف وجنازات شهدائه، بقدر ما تفضح هذه نقائضها في زمن الخنوع والتخاذل! 

مفارقات...نعم! ولكنها ما تلبث أن تنقشع حين يستبطنها الوعي. لم تنخذل روح الفلسطيني المخلوع من بطنه، لأنه حمله في وعيه ووجدانه وذاكرته وحلمه، ولم يسأم يوماً أنه الفردوس المفقود الى الأبد. لاجئ في المنافي ولكن "الأرض لاجئة في جراحه" كما قال محمود درويش ذات شهادة:

في ضواحي الطفولة البعيدة، حين تفتّح وعينا الأول بعيد النكبة، كان أول ما نخطه بالطبشور على السبورة والحائط والإسفلت: فلسطين. 

وحين يطلب منا في درس الإنشاء أن نكتب في موضوع حرّ نختاره، فالخيار فلسطين وحلم التحرير والعودة. فقد استقر في وجداننا أن قضيتنا هي شرط وجودنا. وفي غمرة ذلك كلّه، كدنا ننسى أن الضفة الغربية التي نعيش بها جزء من فلسطين. حتى كان اسم فلسطين مختص بالشطر السليب منها ذلك الحين. فكيف يمكن للوعي أن يقلب عاداته، حتى يطلب منه تحت وطأة الاحتلال الثاني وتداعياته أن يختص الشطر المحتل عام 1967 باسم فلسطين، وينسب اليه وحده صفة "المحتل" دون سائر الوطن! هنا يكمن التحدي الجديد... 

كان مرجعنا شرعة الحق والعدل وشرعية الثورة والمقاومة حتى التحرير الشامل. ثم غلبت عليهما شرعة الامبراطورية الغاشمة التي تتقنع باسم الشرعية الدولية. وليدر الجدال بعد ذلك بين "واقعية" أكثر ما يعيبها أنها صناعة القوة المتغلبة، وأن الذي يملك القدرة على تعريفها هو الإمبراطورية التي احتكرت لنفسها تقدير الأقدار وتمصير الأمصار. ومع ذلك فهي تتركها بلا تعريف واضح نحتكم اليه...فليدر الجدال بين هذه " الواقعية" وشرعية الحق الذي يمتلك أصحابه المعاني والدماء المستعدة للاشتعال، ودون الدبابة والمدفع... وليدر الجدال بين الظرفي المرحلي المحكوم بعلاقات الفترة السائدة، والاستراتيجي التاريخي المحكوم بتغير الشروط والظروف في مستقبل مفتوح لا نرى الآن ضفافه. وليدر الجدال بين من يرى السياسة فن الممكن، ومنهم من يراها، فضلا عن ذلك فن العمل لخلق شروط الإمكان! 

ليدر الجدال بين طهورية الحق وأرحال الواقع...بين اكتمال الوطن ونقصان الدولة...فليدر كل هذا الجدل، فإنه إذا انتظم في فضاء الإخلاص، وانضبط في حيّز الجماعة الوطنية، واحتكم الى الشعب، يمكن أن يكون تدافعاً وطنياً فذاً بين طرفين متشاطرين لا متفاصلين...ولكن دعونا نجتمع على كلمة سواء...وهي أن الدولة التي يمكن أن تولد بين فرث ودم ليست اسماً مرادفاً لمعنى الوطن، ولا هي حدود مقاسه. فالوطن الفلسطيني لا يقبل القسمة، والواقع المتعيّن الذي تنتجه معادلات القوة ليس مرادفاً لمعنى الحق...الوطن هو الحق، والدولة المحتملة في هذا الظرف، هي الواقع. وهو لا يغني عن الحق. والحق يُعَرّف نقيضه: الباطل، مثلما تعرف الضحية جلادها. فإذا حالت القوة الطاغية، على فتر ه من الزمان، دون تطابق الحق مع الواقع، فإن الأول يبقى ماثلاً في الضمير والوجدان والذاكرة والحلم واللغة، وينتصب جداراً منيعاً ضد اقتحام الروح التي لن تكف عن حلم الانبعاث من جديد في جسمها القديم! 

ولذا، فإن التفاوت القسري بين منجز الواقع الظرفي، ومطلب الحق التاريخي، لا يلزمنا أن ننسى، ولا أن نسامح ! كما لا يلزمنا أن نفتح فضاء الروح والوجدان والضمير لجلادنا أبدا...ولا أن نعيد تعريفة أو تبريء ذمته الأخلاقية بأثر رجعي أو نسميه بغير أسمائه المنكرة. فهذا هو خط الدفاع الأخير، ومجال المقاومة المستمرة إذا سكتت البنادق.! 

إنه صراع المعاني والرموز والروايات المتعارضة...وهو ما نملك القدرة على الفوز فيه...فالوطن الذي يملؤه عدونا، لا يملأ غيرنا! وكتاب الوطن الذي يستعصِ على الترجمة، لا يستطيع قراءته وفهم مفرداته غير الذين كتبوه بقدر ما كتبهم.. 

فقط انظروا الفرق بين مخيالنا ومخيالهم...مخيالنا يستمد مكوناته من رموز الوطن وتجليات الأرض وبدمها الخالد..أما المخيال الإسرائيلي فيستمد من مفارقات وجوده وفضائه الاجتماعي المدني المجلوب والمستعار والمستحدث...من مدينة بعيده قتلته فيها ثم أحيته عندنا لتقتلنا به. فهو يدينها بقدر ما يدين لها...لم يفارقها ساخطاً لاعناً إلا ليعيد انتباهها في أرضنا، والسوط الذي جلده به هو السوط الذي أعارته إياه ليجلدنا به، يحملها آثار جراحه، ثم يتباهى بأنه امتداد لها ولقيمها الحضارية في محيط مغاير. وكما يستمد من الدولة البعيدة التي خرج منها، يستمد من دولته الجديدة ونطاقها المدني وملابسات نظامها وحيرتها الأخلاقية وغربتها عن الأرض التي رفعت عليها...ولكنه أبدا لا يستمد من كتاب الأرض...وهو، وإن كان قادراً على صنع الدبابة، عاجز عن صنع موال بلدي واحد يختزل ذاكرة الأرض وأسرارها. 

وبين المدينة البعيدة التي هيأت له أسباب الخروج منها والدخول في لحمنا، والمدينة الجديدة التي حاصر نفسه فيها وراء جذر يشده، لا يجد ما يحدق به وجوده إلا كتاب الأساطير القديمة وهيهات! 

في مخيالنا تنتج الأرض أساطيرها...وفي مخيالهم تحاول الأسطورة عبثاً أن تنتج الأرض...فأي فرق! 

وأي شهادة أحسن من شهادة الجلاد في ضحيته ! ففي لحظة بوح نادرة، اعترف الجنرال الغارق في متاهة دمائنا، أنه يحسد الفلسطيني على حضور الأرض الطاغي في أدبه وشعره 

نعم...إننا ننتصر في معركة المعاني والرموز..في معركة الذاكرة والحلم. ولذلك لن ننسى...ولن نسامح...وليس في وسع أي تسوية سياسية منقوصة أن تلزمنا ذلك.

وهنا، عود إلى بدء.. 

فمعركة المعاني تحيل من جديد إلى الفضاء العربي الذي تنتظم فيه قضيتنا الفلسطينية...كان شعارنا بعد النكسة أن المقاومة الفلسطينية هي رأس الحربة العربية التي لا تكتمل ألا بعمقها العربي. وإذا كان المشروع الصهيوني ينتظم في المشروع الاستعماري للهيمنة على الأمة العربية وتقويض مشروع نهوضها، فإن ذلك يفرض بالضرورة شكل النقيض ومداه: أن يتشارط هدف التحرير الفلسطيني وهدف النهوض العربي. صحيح أننا إخفقنا في ترجمة هذه العلاقة الشرطية من الطرفين، وأن هذا الإخفاق قد أسهم فيما أقضينا عليه من المفارقة بين الحق والواقع. ولكن ذلك لا ينبغي له أن يسقط المبادئ ولا أن يصادر المستقبل. فالصراع من أجل النهوض العربي يبقى قائماً، ونحن جزء منه. وهو يضمر بقاء الحلم الفلسطيني غير المنقوص. والشرط في ذلك أن نبقي على صمودنا في معركة المعاني، فلا نطابق بين مفهوم الدولة ومعنى الوطن في الظرف القائم، ولا بين مفهوم الواقع ومفهوم الحق...وعليه، لا ننسى ولا نسامح، ولا نبتذل الأسماء والصفات ولا نغير رواية النكبة والظلم التاريخي الذي وقع علينا...أبداً! وإذا كانت الشروط الظرفية لم تؤدي بالأمة العربية الى عبور رأس الجسر الفلسطيني صوب البحر الفلسطيني، فإن شطراً من مقاومتنا القادمة هي أن نمنع عدونا من اتخاذنا رأس جسر له نحو العمق الشعبي العربي، في ظل أي تسوية سياسية محتملة. فنحن سدنة الذاكرة، ينسى الآخرون بنسياننا ويذكرون بذاكرتنا...ويعرفون العدو بتعريفاتنا. 

بخلاف الهويات القطرية العربية الاخرى، لم تنشأ هويتنا الوطنية نقيضاُ للهوية العربية أو بديلاً عنها، وإنما نشأت وتعززت على خلفية الصراع مع النقيض الصهيوني. وهم يسعون الان الى تجريدها من هذه الخلفية ومن هذا السياق، في إطار مشروعهم الذي يرمي الى إعادة تعريف المنطقة، من وطن عربي يتعرف بهويته القومية الحضارية ولا يستطيع المشروع الصهيوني أن ينتظم فيه، الى شرق أوسطي جديد تتشارك فيه دول تنطق بالعربية وأخرى بغيرها، وتندمج فيه "إسرائيل" من موقع مركزي مهيمن لتؤدي وظائفها الاسترتيجية وكيلاً عن المركز الإمبراطوري. بل يذهب المشروع الى أبعد من ذلك، وهو إعادة تشكيل الدولة العربية القطرية نفسها، أو تفكيك بنيتها الاجتماعية السياسية، لتصير ائتلافا هشاً لمنظومة من العُصب العرقية والطائفية والقبلية. كأن التجزئة القطرية نفسها لم تكن كافية لتعويض المشروع القومي النهضوي. فالدولة القطرية القائمة، على ما فيها، ما زالت تنتسب إلى الهوية العربية، وما زالت تستخدم مفردات النظام العربي الإقليمي مهما تكن دلالاته العملية. أما إذا صارت -كما يراد لها الآن- منظومة من العصب العرقية والطائفية والقبلية، فإنة لا يصح لها أن تعرف نفسها بصبغة العروبة، حتى وهي تقدّم هويتها القطرية على الهوية القومية! 

ولو أتيح لهذا المشروع الإستعماري الجديد أن يتحقق، فإنه يعني خلق شروط بنيوية جديدة لدفن مشروع النهوض العربي وتأبيد حالة التبعية، وهذا الحلم بدوره يضمر والحلم الفلسطيني الممتد على مساحة الوطن، والمساواة بين مفهوم الحق ومفهوم الحل السياسي، وإعادة كتابة الرواية الفلسطينية ليسقط منها الماضي...والماضي في حالتنا الفريدة، هو حارس الحلم والمستقبل. 

ألم نقل: هي معركة المعاني والتعريفات التي تتنازع على تشكيل المشهد المتعين؟

وإذاً، فنحن أحوج من أي وقت مضى الى تأكيد العمق العربي لهديتنا ووطننا وقضيتنا، وإلى أعادة الاعتبار لجدلية النهوض العربي والنضال الفلسطيني، وأن أي إنجاز حقيقي في أحد المجالين المتشاطرين يضمر إنجازاً في الآخر. وهذا في الأصل هو قضاء الصراع الذي يرسم حدوده العدو نفسه.

ولو كنت "اسرائيلياً" وتقمصت روح الفلسطيني ساعة من الزمن، لملئت بعد ذلك رعباً، ولأثرت الرحيل من أرض لا ترتحل من ذاكرة أبنائها. 

أطفال في مخيمات المنفى لم يَروا فلسطين، ولم يشمّوا ريحها، تسألهم أن يدلوك على بيت أحد سكان المخيم، فيسألونك من أين هو؟ فتحتار لأول وهلة...كيف يسألونك عن مكانه وأنت السائل؟ لتدرك بعد لحظات أنهم يعنون بلد الأصل في فلسطين. فهم يعرفون الناس بأصول الوطن التي حملوها معهم. تستوي في ذلك الأجيال المختلفة، فاللاجئ الذي ولد في المنفى لأب ولد مثله فيه، لم يغير عنوان داره ودار أبائه الأولى، حتى وإن أزيلت من الوجود. وهو الآن أكثر امتلاءً بهويته من جده الذي أخرج منها. فمنذ خروجه حتى هذه اللحظة تنامت رمزيات الوطن، وانتقلت من خلفية الوعي الى مقدمته، ومن المسلم به الى سؤال الوجود. 

كيف يحدث هذا ؟ كيف استطاع المخيم أن يحتفظ بإسمه، بعد أن حلّ الاسمنت محل الخيام القديمة، وعلى الرغم من الوصمة التي الحقت ظلماُ بالمخيم وأبنائه؟ انها مقاومة الوعي لتغيير الصفة . فما دام المخيم مخيماً فهو عابر مؤقت في زمن عابر. وحيز المخيم الضيق، كانت الأجيال تتوالى وتتكاثر دون أن يتوسع المكان. فكان لا بد أن تتزاحم الأجيال في الحيز المكاني المحدود نفسه. وهذا التزاحم الخانق على ما فيه من الشقاء، كان باطنه الرحمة، فقد شكل الظرف البنيوي الذي تسيّر عملية التراسل الحميمي المباشر واليومي بين ذاكرة الأجداد ووعي الاحفاد. وهذا ما فسر لي أمراً بدا محيراً لأول وهلة. "فالتغريبة الفلسطينية" صورت شطرا ًمن ذاكرة الماضي الذي لم يشهده أولئك الفتيان والفتيات في مخيمات المنافي. فلِم، كانت استجابتهم لها بقدر استجابة الجيل الذي اختبر تلك الظروف، أو أعظم؟ 

لا نخلد إذن ولا ندّعي ولا نكابر ولا نغرق في التعليلات حين نقول، لقد خسر العدو رهانه على تغيب الذاكرة، مع غياب الأجيال الأولى من اللاجئين. فمن يملك أن يسقط حقهم في العودة في أي تسوية سياسية محتملة، ومهما كان مدى المفارقة المفروضة بين قيمة السلام وقيمة العدل، بين معنى الواقع ومعنى الحق، بين حدود الدولة وحدود الوطن؟!

واذا كان العدو يصر على أن حق العودة يبطن رد النزاع من جديد الى شعار "معركة الوجود"، وأنه يضمر تقويض شرطه الوجودي الذي أعلن السلاح العربي عجزه عن تقويضه، وكنا نصر في الطرف المقابل على أنه حق لا يمكن إسقاطه، حتى مع القبول بخيار التسوية، والاحتكام الى الشرعية الدولية، دون شرعية الحق والعدل، فإن ذلك يكشف عمق هذه الأزمة، فإنه لا يجد لنفسه مفراً منها إلا اصطناع الظروف التي تسوغ له فرض حل منفرد يريحهُ من استحقاقات هذا السؤا 

ولكن هذا الحل المنفرد بدوره، لا يضر بنا أقل مما يضر بهم، إذ يلزمه الانكفاء وراء جدره المشيدة، فيحول بينه وبين إجتناء إستحقاقات السلام في العمق العربي. 

اللاجئ إذاً هو مسمار الحق التاريخي في حائط الواقع الظرفي، وطيف الوطن الفلسطيني التاريخي الذي يستعصي على الانحشار في ثوب أقل منه!

وبعد... 

سيقول المخلفون من الاعراب ودعاة الردة وسماسرة الإمبراطورية: أي نهوض وأي عرب وأي حق وأي حلم، وأي معانيٍ ورموز وذاكرة وهوية وتعريفات؟ وسوف يحيلون ذلك كله على معجم ماضٍ يصمونه بعناية الشعراء وأوهام الرومانسية الثورية. ويستدعون في المقابل مفردات العولمة والواقعية والعقلانية، ثم يضعون الجلاد والضحية على سوية أخلاقية واحدة، ويجمعون في صفهِ التطرف بين من يحلم بالحق كله، ومن يريد ان يصادر الحق كله! 

وسوف ينتظر آخرون حتى تتعولم مقاومة العولمة، لتكتسب روايتنا عن الحق الفلسطيني وكفاحنا من اجله شرعية جديدة تستند الى مرجع عالمي، وتسترد معها معجم التحرر والتحرير والاستقلال والنهضة! 

فليكن:

ولكننا لن ننسى، ولن نسامح: ولن نسقِط من يدنا وضميرنا جمرة الحلم الفلسطيني.. فلسطين في نهاية درب الآلام، أو هي القيامة! 

___________________

د. وليد سيف هو شاعر وكاتب درامة تلفازية وأستاذ جامعي ولد في مدينة طولكرم في الضفة الغربية من فلسطين 1948، حصل على درجة الدكتوراة من جامعة لندن في علوم "الصوتيات واللسانيات" عام 1976. ويعمل الان أستاذاً في الجامعة الأردنية. صدرت له ثلاث مجموعات شعرية "قصائد في زمن الفتح"، "وشم على ذراع خضرة"، و"تغريبة بني فلسطين"، ألّف عدداً من المسلسلات الدرامية التلفازية الضخمة، منها مسلسل "التغريبة الفلسطينية" وله إسهامات فكرية وبحثية كثيرة.