في مقاومة نظام الفصل العنصري الجديد

بقلم: آدم هنية وحازم جمجوم ورفيف زيادة 

 

أفكار حول التضامن الفلسطيني 

حققت حركة التضامن الفلسطيني مكتسبات هامة منذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول 2000، فعبر الخمس سنوات الماضية انتشر في الشوارع وساحات الجامعات والمدارس في أرجاء أمريكا الشمالية، جيل جديد من نشاطات التضامن الفلسطيني. ففي أوساط اليسار والحركات التقدمية هنالك قبول واسع للرأي القائل أن السياسة الخارجية الأمريكية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تقوم على مساندة إسرائيل باعتبارها استعمارية استيطانية أولا ودولة ثانيا وذلك لتجسيد شعار مكسيم روبينسون وأعمال راسكو الكلاسيكية. شاهدت كل  حملة  تعبئة رئيسية ضد الحرب في العراق النضال الفلسطيني موضوعا في الواجهة الأمامية لمعارضة آلة الحرب الأمريكية فكافة النشاطات الجديدة على الحركة تقدم للنضال الفلسطيني وللتاريخ من وجهة نظر مضادة للصهيونية.

هذا إنجاز غير مسبوق فخلال النصف الثاني من القرن العشرين رفضت الحركات الراديكالية التقدمية في الدول الرأسمالية المتطورة بشكل عام تبني موقفا حاسما يقضي بإسناد عملية التحرر الوطني الفلسطيني. كانت المنظمات الصهيونية نشيطة جدا في أوساط الحركات المعادية للحرب الفيتنامية ونظام جنوب إفريقيا العنصري وقضايا تقدمية أخرى. فقد كان التضامن الفلسطيني هامشيا بالنسبة للنضال الجماهيري الضخم الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين.  بينما أيد اليسار بشكل عام ما افترض أن يكون موقفا تقدميا صهيونيا. فبينما تبقى الحركة الصهيونية ممولة بشكل جيد ومهيمنة على التيار الأساسي للصحافة هناك طرأ تغيرا هاما في هذا المجال. لقد أظهرت الصهيونية نفسها على أنها تيار سياسي منحاز بشكل كامل مع سياسات الإدارة الأمريكية المؤيدة للإمبريالية وبأسلوب عنصري معلن ومعادي للتحرر. هذا وتتضمن سياسات الحكومة الإسرائيلية مؤشرات عدة على هذا الاتجاه. ففي كافة أرجاء أمريكا الشمالية تقوم مجوعات طلابية صهيونية وبشكل معلن بدعوة ممثلي المخابرات المركزية الأمريكية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية وكذلك أجهزة الأمن والاستخبارات الكندية للحديث في اجتماعات يرعونها. تدار عمليات الملاحقة السرية للأكاديميين التقدميين والنشطاء السياسيين من قبل تحالف من الصحفيين المحافظين الجدد والأكاديميين ومراكز الأبحاث مع مجموعات صهيونية مثل مشروع ديفيد ودانيال، بايبس وريسكو، وكامبس ووتش. يدافع بايبس بشكل مفضوح عن فكرة أن يعمل أكاديميي الولايات المتحدة لخدمة مصالح السياسة الخارجية الأمريكية وفي طليعتها الدفاع عن إسرائيل. 

إن طبيعة الحركة الصهيونية المؤيدة للإمبريالية قد أثرت على قدرتها على تعبئة الطلاب في ساحات الجامعات. فبينما ينشط منظميها مدفوعي الأجر يبقون غير قادرين على كسب انتباه عدد ذي بال من الطلاب وغير قادرين على التأثير الفعال على الأرض. فكل يوم جديد يأتي ببعض الأخبار الجديدة عن مبادرات في كافة أرجاء العالم تهدف إلى عزل الدولة الإسرائيلية عن طريق المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها. إن الدعاية الصهيونية السياسية تستجيب وبشكل متزايد لحملات حركة التضامن الفلسطيني فقراءة سريعة للصحافة الصهيونية تشير الى انتشار الخوف من كونهم يخسرون المعركة الأيديولوجية بشكل غير مسبوق. 

وفي مطلع عام 2006 بدا واضحا أن حركة التضامن الفلسطينية تواجه أيضا تحديات هائلة في الفترة القادمة. ففي بعض مدن أمريكا الشمالية خسر نشطاء التضامن الفلسطيني بعض تأثيرهم بسبب التغيرات السياسية في الواقع. فتحول الإنتفاضة الى مظهر مألوف وصلابة إسرائيل وتشييدها لجدار الفصل العنصري أدى إلى قدر معين من انخفاض المعنويات والتشتت. فقد اختلط الأمر على النشطاء السياسيين من حيث كيفية الاستجابة للوضع الجديد الناشئ عن فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.  هدف هذا المقال هو البدء بمكاشفة صريحة مع حركة التضامن في أمريكا الشمالية ثم الشروع في البحث للإجابة على أي سؤال في أي اتجاه نذهب. 

الوضع السياسي الراهن 

لقد حدث تغير هائل بفوز حماس الكبير في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني والتي تمت في الخامس والعشرين من كانون ثاني 2006، لقد كان الانتخاب الواسع لحماس بشكل أساسي رفضا لعملية التفاوض الكارثية التي أعقبت توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1998، لقد وجهت العديد من الأصوات النقد لاتفاق أوسلو باعتبارها ورقة التين التي تتستّر على فضيحة مواصلة الاستيطان الاستعماري في الضفة الغربية وقطاع غزة. بعيدة عن الهدف المعلن وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة بشكل حقيقي. تحت غطاء السلام والمفاوضات تواصل إسرائيل محاصرة وعزل البلدات والقرى الفلسطينية باستخدام شبكة من المستوطنات والطرق الإلتفافية ونقاط التفتيش. 

 لقد أحكم الجيش الإسرائيلي السيطرة على حركة الفلسطينيين عن طريق نظام معقد من تصاريح العبور والقيود على الحركة. لقد منحت هذه التجمعات السكانية المعزولة غطاء تمويهيا من الحكم الذاتي ولكن السيطرة الفعالة مازالت بيد دولة إسرائيل. لقد هدفت تفاهمات أوسلو (وما تبعها من اتفاقات) الى أن يفرض الفلسطينيون على نفسهم رقابة ذاتية بينما تتاح الفرصة لإسرائيل لتعميق نظام الفصل العنصري، والحديث عن السلام في حين تنفذ خطة الفصل العنصري. يعتبر فوز حماس  الباهر اتهاما لما يدعى عملية السلام والتي روجت لها الحكومات الغربية ووسائل الإعلام الخاصة بأسلوب مخادع ومقصود. أما خرافة المفاوضات فقد اشتركت بها قيادة السلطة الفلسطينية. وبالتأكيد فقبل انتخابات المجلس التشريعي مباشرة أشار قائد حماس خالد مشعل إلى أن تجربة الخمسين عاما قد علمتنا أن هذه الطريق عديمة الفائدة وأن حماس لن تساهم في مواصلة خداع الشعب الفلسطيني باستخدام هذا الضرب من الخيال السياسي. 

وإذا ما التزمت حماس بوعودها القاضية بعدم المحافظة على تلك الأبنية الاحتلالية فإن ذلك سيمثل نكسة للمصالح الإسرائيلية الأمريكية في المنطقة. الوضع أبعد ما يكون عن البساطة وذلك نظرا للشبكة المعقدة من الأطياف والمصالح السياسية التي يحتويها نظام السلطة الوطنية الفلسطينية. يعتبر المجلس التشريعي مؤسسة ضعيفة بينما يبقى قدرا هاما من السلطة الرسمية بيد أبو مازن ومكتبه الرئاسي. وتبقى قوى الأمن الفلسطينية وبشكل خاص الأمن الوقائي مقادا من قبل هيئة فتحاوية تستند بشكل إسمي الى سلطة أبي مازن. أما حماس نفسها وبشكل خاص في قطاع غزة فهي تمتلك شبكة قوية من الكوادر العسكرية. 

لقد أبدى عدد من المعلقين مخاوفهم من أن نتائج الانتخابات قد تمثل تكرارا للتجربة الجزائرية في عام1991، حيث تم إجهاض فوز الحزب الإسلامي في الانتخابات من قبل انقلاب عسكري تدعمه فرنسا الأمر الذي أدى الى حرب أهلية طويلة الأمد. إن أي تكرار للتجربة الفرنسية في ظل الظرف الفلسطيني سيشهد دون أدنى شك تدخل جيش إسرائيل وأجهزتها الأمنية بكلا الاتجاهين افتعالاً للنزاعات المسلحة وإطالةً لأمدها. وبتقديرنا أن حماس تعي مثل هذا التهديد وقد صرحت تكرارا أنها تؤيد حكومة وحدة وطنية وترفض الانجرار الى صدامات مسلحة مع منظمات فلسطينية أخرى ومع ذلك فإن الدعم الإسرائيلي المستتر لمثل تلك الأحداث المتوقعة أمر واقعي وممكن. 

يبقى السؤال الأساسي كيف ستتعامل حماس مع التناقض بين التزاماتها تجاه النضال الوطني والحفاظ على مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. إن اعتماد السلطة الوطنية الفلسطينية الاقتصادي سوف لن يختفي بفوز حماس رغما عن الطبيعة السياسية لتلك العلاقة قد أوضحت بشكل مذهل بواسطة تهديدات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإيقاف الدعم المالي للسلطة الوطنية. تبقى الحقيقة الواضحة أنه سواء وجدت حماس مصادر بديلة للدعم أو حاولت تطبيق إحدى صيغ إعادة توزيع الثروة أو اتباع استراتيجية ائتلاف جماهيري أو ابتدأت بإعادة رسم سياساتها لكي تصبح مقبولة بشكل أفضل لدى الغرب. فبينما يبدوا الاحتمال  الأخير غير وارد في هذه المرحلة فإنه يبقى الأمر المؤكد أنه من غير الممكن للوضع الراهن أن يبقى على حاله. 

ليس هذا التناقض نتيجة لفعل حماس، وإنما هو بالضبط نتيجة للقيود التنظيمية التي فرضتها أوسلو/عملية الفصل العنصري. إن الطريقة الوحيدة للخلاص من هذا الارتباط هو الانفراد بمفهوم يقضي بأن النضال الوطني الفلسطيني يدور حول ما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة. من أحد الأهداف المقصودة لعملية أوسلو، هو تقليص النضال الفلسطيني الى خلاف حول نسب من الأراضي في الضفة الغربية وكذلك لخدمة أي صلة بين الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة وأولئك الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين التاريخية بعد عام 1948، وأصبحوا مواطنين إسرائيليين وكذلك أولئك المنفيين خارج وطنهم. ومن أجل ذلك كان لا بد من هدم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر وطني واستبدالها بالسلطة الوطنية الفلسطينية والتي تعتبر مشروع بناء دولة. 

يعتبر تأسيس منظمة التحرير في الستينات من القرن الماضي خطوة أساسية إلى الأمام على طريق النضال الوطني الفلسطيني لأنها وحدت الشعب الفلسطيني في الشتات عبر عدة أجيال وأقطار. إن المطلب الذي يشكل أساساً صلباً وجوهرياً لهذا النضال هو حق العودة. والإصرار على ضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم وأراضيهم التي طردوا منها. مقابل الرفض الذي اعترى كافة المفاوضات منذ أوسلو بمحاولاتها لتجاهل هذا المطلب مقلصة إياه الى عودة رمزية لبضعة آلاف من الفلسطينيين الى الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع ذلك وبالرغم من الاستعداد الصريح لأفراد من القيادة الرسمية إلى التماشي مع مثل هذه المحاولات يبقى الفلسطينيين المنفيين في أرجاء العالم موحدين خلف مطلب عودتهم إلى فلسطين التاريخية. يبقى السؤال المركزي  في الحراك السياسي المستقبلي هو ما الذي سيحدث لتلك المؤسسات الوطنية الفلسطينية العريضة وما هي إمكانيات تقوية حركة حق العودة.

تحليل نظام الفصل العنصري 

إن نهاية عملية أوسلو التي باتت في حكم المتأخر ومحاولاتها لتقليص المسألة الفلسطينية الى مشروع بناء دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة يتيح المجال لفرص هائلة في المستقبل القريب وبشكل خاص أن المجال قد أتيح لإعادة تحليل إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية استيطانية قائمة على أساس نظام فصل عنصري مشابه لنظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي.

إن إسرائيل دولة فصل عنصري ليس فقط بسبب سياساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة. فدولة إسرائيل تعرف نفسها على أنها دولة يهودية وبهذا لا يمكنها أن تكون دولة لكافة مواطنيها. فأكثر من 90% من فلسطين المحتلة عام 1948، هي أراض لا يمكن لغير اليهود تطويرها أو إدارتها. إن الطبيعة العنصرية قد بدت واضحة منذ قيام دولة إسرائيل. تبدوا هذه الطبيعة واضحة من واقع أن اللاجئين الفلسطينيين ممنوعين من العودة الى بيوتهم ومنازلهم التي طردوا منها. وفي المقابل فإنه يمكن لأي شخص ينحدر من سلالة يهودية من أي مكان في العالم أن يصبح مواطنا إسرائيليا على ضوء ما يسمى قانون العودة. يوفر تحليل النظام العنصري استراتيجية متناهية القوة لحركتنا.إنها تربط بين كافة أجزاء الشعب الفلسطيني : من هم مواطني دولة إسرائيل وأولئك الذين يعيشون في ا لضفة الغربية وقطاع غزة وأولئك الذين في المنافي.إنها استراتيجية مرتبطة تماما بحق عودة للاجئين الفلسطينيين الى منازلهم وأراضيهم. وأنها أيضا تساوي بين الجميع في إطار دولة ديمقراطية وبغض النظر عن الدين أو العرق. 

يساعد الربط التحليلي بنظام التفرقة العنصرية الجنوب إفريقية على توضيح حقيقة الطبيعة الصهيونية باعتبارها مشروعا استعماريا رجعيا وعنصريا. من شأن المطلب الاستراتيجي بالمقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات الاقتصادية الذي تقدمنا به أن يوضح الصلات القوية بين رأس المال الأمريكي الشمالي والأوروبي والدولة الصهيونية. وبإمكاننا أيضا أن نبني على تجربتنا والعبر المستقاة من الحركة المقاومة للفصل العنصري في الماضي. 

هنالك تراكمات من الزخم القوي حول العالم يرمي إلى إطلاق حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات الاقتصادية. ففي التاسع من تموز سنة 2005، دعت 170 منظمة فلسطينية إلى إطلاق حملة عالمية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل. وكذلك فإن الكنائس في أمريكا الشمالية قد بدأت بالبحث في إمكانيات سحب الاستثمارات من إسرائيل. وفي النرويج فقد اتخذ المجلس الإقليمي الطليعي في مقاطعة جنوب إفريقيا العنصرية مؤخرا خطوة مشابهة تجاه إسرائيل. صادقت عشرين منظمة من ولاية كويبيك (الجانب الفرنسي من كندا) بما في ذلك اتحاد النساء الكوبيكيات والاتحاد الإقليمي للمعلمين على حملة جديدة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية ومقاطعة الحملات التي تؤيد إسرائيل العنصرية.

تعي الحركة الصهيونية بشكل كامل مدلولات هذه الحركة. ففي جامعة تورنتو عقد تجمع الطلاب ا لعرب مؤخرا أسبوعهم السنوي الثاني حول التفرقة العنصرية الإسرائيلية وقد حظي هذا النشاط بتغطية واسعة، أما المنظمات المؤيدة للصهيونية مثل هيليل، ابني بريث، ومركز أصدقاء سيمون ويزينثال فقد مارسوا ضغطا لشطب كلمة عنصري من أدبيات النشاط. وبكلمات آفي بنلولو وهو المدير الكندي لمركز أصدقاء سيمون ويزينثال "إن رؤية عنوان النشاط سيطبع في أذهان الطلبة أن إسرائيل هي دولة تمييز عنصري وهذه قضيةهامة. وفي عام 2006 عقد أسبوع إسرائيل العنصرية أيضا في جامعة أوكسفورد ومونتريال وكيتشنر – واترلو. 

حركة التضامن والحركة الوطنية 

من المهم أن نوضح الفروقات بين حركة التضامن والحركة الوطنية الفلسطينية. وبينما يقوي كلا من هذين الجناحين الآخر، فإن أي خطوة إلى الأمام تؤخذ في أحد الجانبين ستدفع  الى الأمام بالجانب  الآخر.  تبقى بناء الحركة الوطنية الفلسطينية مهمة الفلسطينيين في المنفى وليست مهمة حركة التضامن. ولهذا السبب فإن إعادة تجميع منظمات الفلسطينيين في المنفى تتبوأ أهمية خاصة في هذه المرحلة. كثيرا ما تكون هذه نقطة عدم الوضوح. كثيرا ما يطلق نشطاء التضامن تعليقا يقضي بأن الحياة تكون أسهل بكثير إذا ما وجد إطارا فلسطينيا شبيها بالمؤتمر الوطني الإفريقي وذلك لكي يبلور بشكل واضح أهداف واستراتيجيات حركتنا ومع ذلك فإننا بحاجة للتعامل مع الواقع الموجود. أما نشطاء التضامن من غير الفلسطينيين فلا يمكنهم أن يطرحوا أنفسهم كبديل للقيادة الفلسطينية الغائبة. ولكن بناء حركة تضامن فعالة تحاول باستمرار الارتباط بالمبادرات الفلسطينية أن تدفع إلى الأمام وتلهم المنظمات الخاصة بالحركة الوطنية الفلسطينية العريضة. 

إن توقيع منظمة التحرير على مشروع أوسلو للفصل العنصري قد أضعف مؤسسات الحركة الوطنية (منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني الذي يعتبر البرلمان الفلسطيني في المنفى) وجعلت منها هياكل جوفاء. وقد حولت القيادة الوطنية نفسها إلى سلطة وطنية فلسطينية وقد أصبح حارس المعسكر الفلسطيني لا يمثل أكثر من الأقلية الفلسطينية القاطنة في المناطق المحتلة من عام 1967. لا بد للنشطاء السياسيين والقادة الفلسطينيين من رؤية مركزية لإعادة بناء مؤسسات الحركة الوطنية. 

 وفي معرض هذا الحديث لا بد من القول أن الحركة الوطنية الفلسطينية هي جزء من النضال العريض المعادي للامبريالية ولا يمكنها أن تبني نفسها بمعزل عن الحركات الكائنة في أمريكا الشمالية. إن الصفة العنصرية لإسرائيل تتوطد من خلال دورها كحامي للنفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا السبب فإن تهجير الشعب الفلسطيني يرتبط في النهاية بمصير الامبريالية الأمريكية. هذا هو التفسير الجذري للتلاحم المتزايد بين الأمبريالية الأمريكية والحركة الصهيونية في شمال أمريكا وكذلك انعكاسها المقابل في الحركة المناهضة للحرب. وفي أقطار متباعدة مثل العراق وفنزويلا نشاهد إعادة انبعاث لحركات شعبية في مختلف أرجاء ا لعالم. تبدوا تلك النضالات وكأنها تزيح إلى الوراء الامبريالية الأمريكية بينما لا بد لنشاطات التضامن الفلسطينية أن تواصل إقامة  صلات فاعلة وحقيقية مع هذه النضالات. وسوف تكون هذه النضالات مركزية ودافعة النضال من أجل تحرير الإنسان الفلسطيني إلى الأمام كما توفر أساساً للتفاؤل في المستقبل. 

إن دور المؤسسات المجتمعية الفلسطينية ونشطائها الذين يناضلون على صعيدي التضامن والنضال الوطني لهو دور حيوي لنجاح هذا المشروع، وكباقي الأقليات والقيادات المفترضة للتجمعات الفلسطينية في شمال أمريكا فإنها كثيراً ما تهيمن على أحزاب سياسية ومصالح في أمريكا الشمالية أو على انقسامات فلسطينية طائفية. وينعكس هذا على الاستراتيجيات التي توجه المجتمع إلى تأييد أحزاب انتخابية رأسمالية أو تقوي من تكتيكات مجموعات الضغط التي تشير إلى المصالح الأمريكية في المنطقة. يعتبر إقامة علاقات تضامن حقيقية مع حركات معادية للرأسمالية في مدننا جزءا من مقاومة القيادة المحافظة. فعندما ننشط في نضالاتنا النسوية والعمالية ونضال الأقليات العرقية ومجموعات المهاجرين والسجناء وبشكل خاص الشعوب الأصلية فإننا نقوي الصفة المعادية للإمبريالية الخاصة بالحركة الفلسطينية. أن تكون مشاركا نشيطا في هذه النضالات يعني أنك تنتقل إلى ما هو أبعد من مجرد الخدمات الشفوية أو الشعاراتية. من الواضح أن الحركة الفلسطينية تبدوا بعافية أفضل في مدن أمريكا الشمالية التي يتوفر فيها هذا الأسلوب بطريقة صادقة وغير طائفية. 

كيف نقوي حركتنا 

يمكن لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل القائمة على تحليل نظام الفصل العنصري أن توفر إطارا شاملا لكافة نشاطاتنا الفلسطينية الأخرى. ولكن ليس بمقدورها أن تسد مسد التواصل أو التثقيف أو النشاطات التي تدور حول عدد هائل من القضايا المرتبطة بفلسطين كاللاجئين وجدار الفصل العنصري والمعتقلين ويمكن لحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أن تجيب على السؤال وماذا بعد. إنها توفر تركيزا استراتيجيا ملموسا من شأنه أن يرفع مقدار الوعي بفلسطين وذلك حسب كيفية تنفيذها. ان تمرير اقتراح بسحب الاستثمارات عبر اتحاد ما يتطلب عملا دائما ومتواصلا لإقناع الأعضاء بالطبيعة العنصرية لإسرائيل. هذا فقد أثبتت النجاحات الأخيرة أنه من الممكن انجاز هذه المطالب وأن بامكانها إحراز مكاسب ملموسة.

لقد أبرزت تجارب الكثير من حملات سحب الاستثمارات التي أطلقت لغاية الآن الصعوبات التي تعترض النشاط المحلي في ساحات الجامعات. ويعتبر تبدل الطلبة بمعدلات عالية اضافا الى كون غالبية الطلاب في حالة حراك وبدون جذور تذكر في المجتمع المحلي تفسيرا لتلاشي الكثير من المبادرات الخاصة بساحات الجامعات حال تخرج المنظم المركزي لها. ان نجاح حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والحصار الاقتصادي يعتمد على كونها تستند إلى مجتمع محلي يضم سكانا مقيمين فيه لفترات طويلة. وإذا أردنا للجهود المبذولة في ساحات الجامعات أن تدوم فلا بد لها أن تكون جزءا من جهد يسند إلى المجتمع المحلي المحيط وليس العكس. كما يجب أن ينظر إلى النشاط في ساحات الجامعات باعتباره فرصة لاستقطاب الطلبة وجهودهم وإمكانياتهم إلى جانب النضال النشط الدائر خارج ساحات الجامعات. 

تواجه حركتنا تحديات كثيرة في الفترة القادمة. تحديا تفوق كونها متمركزة في ساحات الجامعات. إحدى التحديات الصعبة تتمثل في النزعة الجهوية المنتشرة بشكل واسع في العديد من المدن. هنالك عدد هائل من المجموعات الصغيرة في العادة ذات الفروقات الضئيلة في ما بينها وتتنافس هذه المجموعات بشدة من أجل اكتساب أعضاء ومؤيدين سياسيين جدد. وتكمن جذور الجهوية في التركيز على فروقات  برنامجية ضئيلة وإعطاء الصيغ التنظيمية أولوية على حساب مصالح مجموع الحركة. عادة ما تستحضر الجهوية لأوساط الحركة عن طريق حركات يسارية تتنافس في ما بينها أو عن طريق فروع أخرى للحركة ( كتلك المنضوية في إطار الحركة المناهضة للحرب). نحن بحاجة إلى تغيير أسلوب التفاعل فيما بيننا وأن ندرك أن بناء وحدة الفعل هي أهم وأقوى أسلحتنا المستقبلية. نحن بحاجة الى الاقتناع بأن أفضل الخطوط السياسية هو الذي يتطور من خلال العمل السياسي المشترك وليس الذي ترثه الحركة من النصوص التاريخية المقدسة والتي لا علاقة لها بالنضال. هذا يعني أن نتنازل عن ذاتيتنا وندرك أن من يدرج اسمه على البيان أولا, وأن صاحب الحق في الحديث,وأن حامل أكبر يافطات المظاهرة ليسوا بأهم من ما يمكن أن نحققه لو سرنا معا. 

نحن أيضا بحاجة إلى إدراك حقيقة أنه كلما نما حجم حركتنا كلما احتوت على قدر أعلى من الفروقات في مجال القراءة السياسية وتحديد الاتجاه والتكتيكات. كثيرا ما يصيبنا الشلل جراء الخوض في مناظرات عقيمة تدور حول التركيز على المظاهرات الضخمة والنشاط المباشر والتجمع أو التواصل المعرفي. ان حملة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات على إسرائيل توفر لنا المركبة السياسية المثالية التي تمكن تلك الفروقات من البقاء بينما نسير معا في خطى موحدة. بإمكان الأفراد والمنظمات أن تؤيد وتبني حملات المقاطعة على ضوء وجهات نظرهم ومقوماتها وتكتيكاته ومع ذلك فان كل انتصار جديد يزيد عمل الآخرين قوة. ومما هو جلي أن هذة الحالة المثالية يمكن انجازها فقط عندما تتمكن المنظمات والأفراد ذوي العلاقة وضع الانقسامات الجهوية جانباً لصالح هدف التنسيق والتعاون.

 ومن المشكلات ذات الصلة ضعف قدرتنا على بناء قيادة جماعية بل ترتبط حركاتنا في عدد كبير من الحالات بأفراد من ذوي النجومية بدلا من قيادة حقيقية جماعية ومسؤولة فنحن لا نفكر بوعي في من الذي سيتحدث نيابة عنا وكيف يمكننا زيادة عدد الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية عن نشاطنا. يمكن لهذا أن يؤدي بسهولة إلى مشكلة أخرى وهي تعزيز تقسيم العمل على أساس الجنس حيث تلقى المهمات التنظيمية اليومية على عاتق النساء بينما يسند الى رجالات الحركة مهمات الحديث والكتابة والظهور الجماهيري. 

إن غياب هذا الأسلوب الواعي في بناء الحركة يعني أننا لا نولي أولئك الذين ينضمون الي نشاطات الحركة السياسية لأول مرة اهتماما كافيا، ومن الطبيعي أن يكون الأشخاص القادرين علي إلقاء كلمة أو كتابة مقالة أو إدارة اجتماع أو توزيع بيان قلة قليلة. إن الثقافة السياسية هي الكفيلة بالمحافظة على نشاط سياسي طويل الأمد ولذا يجب أدائها بشكل واع خاصة وأنها لا تتأتى عبر الخاصية الإسموزية. وإذا لم ننمي هذه المهارات والتربية السياسية بنشاطات جديدة عندها لن تعد حركاتنا قادرة على البقاء لفترات طويلة. 

تنعكس كل هذه المشكلات في غياب المشروعات والرؤى المشتركة بداخل حركة التضامن الفلسطيني عبر أرجاء أمريكا الشمالية. ويشير عدم التعادل في حجم النشاطات في مختلف المدن إلى حجم ما يجب أن نتعلمه من بعضنا البعض. إن اللجوء إلى الصبغة المحلية والتي تميز الكثير من الحركات المضادة للعولمة يعني أن هنالك تقديسا للتجزئة أكثر من البحث عن وسائل لبناء وتقوية المشترك من تجاربنا جميعا.

تشكل الخطوات الهامة التي اتخذت في الخمس سنوات الأخيرة نحو تقوية التضامن الجماهيري مع نضال الفلسطينيين يمهد الطريق نحو انتصارات مستقبلية وأن إمكانية بناء حملة ناجحة لعزل وإنهاء إسرائيل العنصرية هو أمر مستوعب اليوم أكثر من أي وقت مضى منذ قيام إسرائيل. 

وأخيرا على عاتقنا جميعا تقع مسؤولية الاحتفاظ بالقائم وتطويره من خلال تحسين الأداء المشترك، وإطلاق الطاقات. 

* آدم هنية وحازم جمجوم ورفيف زيادة، نشطاء في العمل الفلسطيني في أمريكا الشمالية، في العديد من منظمات التضامن الأمريكية والكندية، ومنها تحالف حق العودة تورينتو في كندا، ومنظمة صمود لنصرة الأسرى السياسيين الفلسطينيين، والتجمع الطلابي العربي بجامعة تورينتو، والتحالف ضد إسرائيل العنصرية.