اللاجئون الفلسطينيون بين الحقوق المدنية وحق العودة

اللاجئون الفلسطينيون بين الحقوق المدنية وحق العودة

بقلم: مجموعة عائدون في سوريا

توطئــة 

لم تنفصل قضية العودة عن هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني في الفكر السياسي الفلسطيني إلا في منتصف السبعينات حين تبنى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشر ( 1-8 حزيران 1974) ما عرف بالبرنامج السياسي المرحلي أو برنامج النقاط العشر أو برنامج السلطة الوطنية. فإلى ذلك الحين كانت العودة محصلة طبيعية لفعل التحرير الكامل غير المنقوص حين يتم إنجازه. 

وقد ورد مصطلح حق العودة في مقدمة برنامج النقاط العشر لأول مرة خارج السياق المعهود في مقررات المجالس الوطنية السابقة، حيث أكدت المقدمة على استحالة إقامة سلام دائم وعادل في المنطقة دون استعادة الشعب الفلسطيني "لكامل حقوقه الوطنية وفي مقدمها حقه في العودة وتقرير المصير على كامل ترابه الوطني"،  وذلك من دون الإشارة إلى القرار 194.

  

وفي سياق التطورات اللاحقة للقضية الفلسطينية والتحولات التي طرأت على الفكر السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية تبنى المجلس الوطني في دورته التاسعة عشر (15 تشرين الثاني 1988) وثيقتين أساسيتين هما: البيان السياسي وإعلان الاستقلال. وقد أكدت هاتان الوثيقتان على حق العودة وحل مشكلة اللاجئين في إطار قرارات الأمم المتحدة. وجاء هذا التأكيد أكثر وضوحاً في وثيقة الاستقلال.

 

وبهذا قد بدأ تبدّل الخطاب السياسي لـمنظمة التحرير الفلسطينية ومن ضمنه مفهوم العودة تبدّلاً جوهرياً على امتداد نحو ربع قرن من النضال الفلسطيني (1964-1988) وتحولت منظمة التحرير من حركة تحرير وطني تسعى لتحرير كامل التراب الفلسطيني الى حركة استقلال وطني تسعى لإقامة كيان فلسطيني بجانب دولة إسرائيل وتقبل بقرارات الأمم المتحدة أساساً لحق العودة وإطاراً لحل مشكلة اللاجئين. 

وهذا التبدل في الفكر وفي الممارسة السياسية هو ما أهل المنظمة للانخراط في مفاوضات السلام التي انطلقت في مدريد ومن ثم في أوسلو، حيث أجّل إعلان المبادئ الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بموجب الفقرة الثالثة من المادة الخامسة 3/5 حل مشكلة اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي دون أن تربط المشكلة بأي مرجعية قانونية. 

حق العودة والحقوق الإنسانية الأساسية 

في سياق التحولات السابقة يمكننا تمييز مقاربتين مختلفتين لمفهوم حق العودة في علاقته بالحقوق الإنسانية الأساسية للاجئين الفلسطينيين: 

المقاربة الاولى؛ ظلت تغلّب الطابع السياسي لمشكلة اللاجئين على طابعها الإنساني وإن بقيت تتمسك بالدور الإنساني لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين-الأونروا باعتبار أن مجرد وجودها واستمرار عملها هو تعبير عن التزام المجتمع الدولي السياسي  والأخلاقي بتحمل المسؤولية عن خلق مشكلة اللاجئين وبالتالي التزامه بحلها.

وفي هذا السياق وحتى قبل إنشاء وكالة الغوث-الأونروا كان قد تم رفض نتائج تقرير بعثة الأمم المتحدة للمسح الاقتصادي (6 تشرين الثاني 1949) الذي قدم للجنة  التوفيق الدولية حول فلسطين (UNCCP) هذه النتائج التي دعت إلى ضرورة تأمين عمل للاجئين الفلسطينيين بدلاً من الغوث على أساس الربط بين برنامج الأشغال العمومية والغوث الضروري وتحقيق شعار "استخدام أكثر وغوث أقل".

وفي السياق ذاته اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي انعقد في القدس عام 1964 قرارا باستخدام كلمة "عائدون" بدلاً من "لاجئون" في وصفه للفلسطينيين المقتلعين خارج وطنهم. وفيما بعد استحدثت دائرة في منظمة التحرير الفلسطينية سميت "دائرة شؤون العائدين". لكن اسم الدائرة ما لبث ان تغير مرة أخرى إلى"دائرة شؤون اللاجئين" كما تعرف اليوم. وهذا التغيير ذو مغزى ودلالة سياسية وقانونية. وقد ارتبطت هذه المقاربة بثقافة سياسية سادت لفترة طويلة من الزمن تقول بأن المعاناة والبؤس وشظف العيش في المخيمات هو المحرك الأساسي للثورة باعتبار هذا كله جزء لا يتجزأ من ضريبة التحرير و العودة. 

المقاربة الثانية: خلافاً للمقاربة السابقة غلّبت هذه المقاربة الجانب الإنساني لمشكلة اللاجئين على الجانب السياسي، وقد برزت بشكل جلي في أعقاب اتفاقيات اوسلو أساساً وتدعو هذه المقاربة إلى تحسين شروط حياة اللاجئين في المخيمات ومنحهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المضيفة وفقاً لمعايير القانون الدولي، لكنها في واقع الحال تنطوي على دعوة ضمنية لدمج اللاجئين الفلسطينيين في المجتمعات المضيفة وتوطينهم حيث هم. و تنتقص هذه المقاربة ضمنياً من حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم وممتلكاتهم التي طردوا منها عام 1948 وفقاً للقرار 194 . وفي أحسن الأحوال تقر بعودتهم إلى  أراضي "الدولة الفلسطينية" عند قيامها. وقد تجند لدعم هذه المقاربة العديد من مراكز البحث والدراسات. وطرحت في سياقها العديد من المشاريع. 

ومن جهة أخرى برزت في أوساط اللاجئين في فلسطين والشتات العديد من المبادرات الشعبية التي تدعو إلى التمسك بحق العودة وإلى توفير الحماية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين إلى أن تتم عودتهم. وقد ساهمت بعض المراكز مثل مركز بديل في دعم مثل هذا التوجه حيث وفر ثقافة قانونية رصينة ربطت ما بين مفهوم الحماية المؤقتة ومفهوم الحلول الدائمة المبنية على الحقوق، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. 

نحو مقاربة شاملة لحقوق اللاجئين الفلسطينيين 

منذ انطلاقتها في أواخر عام 1999 ربطت مجموعة عائدون ربطاً وثيقاً بين حق العودة والحقوق المدنية انطلاقاً من وضع اللاجئين الفلسطينيين وتجربتهم في لبنان مقارنة بالبلدان العربية المضيفة الأخرى وخاصة سوريا. وقد أكد بيان عائدون التأسيسي على أهمية النضال من أجل منح اللاجئين الفلسطينيين هذه الحقوق بما "يخفف من معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وبما لا يخدم مخططات التوطين ولا يحول دون استمرار النضال من أجل حق العودة." وقد تم التأكيد على مسألة الترابط هذه مراراً وتكراراً في أدبيات عائدون وأدبيات الائتلاف الفلسطيني لحق العودة.

وما نطمح إليه هو ضرورة بلورة رؤية شاملة لمسألة حقوق اللاجئين الفلسطينيين لا تجتزء حق العودة من إطار الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، من جهة، ولا تقيم أي تعارض بين تمتع اللاجئين الفلسطينيين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبين نضالهم من أجل حق العودة من جهة أخرى. ويمكننا إيجاز هذه المقاربة بالخطوط الرئيسية التالية: 

1-   حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها عام 1948 والتعويض عن الخسائر المادية والمعاناة النفسية جراء النكبة حق فردي وجماعي يستند الى مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان قبل استناده إلى القرار 194 وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. ويتضمن القرار 194 حسب فهمنا ثلاثة حقوق متكاملة هي: (العودة واستعادة الممتلكات والتعويض). إن طرح التعويض بديلاً عن حق العودة يشكل تشويهاً لمضمون القرار 194 ويهدف الى تمرير مشاريع التوطين والتهجير والدمج الرامية إلى إغلاق ملف اللاجئين وطي صفحة العودة.

2-   حق العودة كحق إنساني يجب أن يوضع في إطار أوسع وهو إطار الحقوق الممنوحة للاجئين بشكل عام في نظام الحماية الدولية للاجئين مع ضرورة التأكيد على خصوصية وضع اللاجئين الفلسطينيين وخاصة لجهة عدم انطباق خيارات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون الفلسطينيين بشأن الحلول الدائمة على الحالة الفلسطينية. بل ان المطلوب هو توفير الحماية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين التي تكفل لهم الحقوق الإنسانية من دون المس بوضعهم القانوني كلاجئين إلى أن تتم عودتهم.

3-   وأخيراً ينبغي وضع حقوق اللاجئين وفي المقدمة منها حق العودة في الإطار الاشمل للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وخاصة حق تقرير المصير وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وفي مقدمتها القرار 3236 لعام 1974 الذي يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون تدخل خارجي والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين والحق في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي اقتلعوا منها وشردوا منها. 

نحو نظام حماية عربي للاجئين الفلسطينيين 

إن بعض الخطاب الرسمي العربي وخطاب النخب العربية بشأن التمسك بحق العودة ورفض التوطين يظل فاقداً للمصداقية وخالياً من المضمون ما لم يرتبط بمنح الفلسطينيين في الدول المضيفة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يتمتع بها مواطنو هذه الدول مع الاحتفاظ بجنسيتهم الفلسطينية وبحقهم في العودة. إن غياب مثل هذه الحقوق من شأنه أن يضعف نضالهم من أجل العودة. 

ويتطلب هذا الأمر التزام الدول العربية بتطبيق بروتوكول الدار البيضاء الذي اقره مؤتمر وزراء خارجية الدول الاعضاء في الجامعة العربية عام 1965.  بل يتطلب ضرورة تطويره باتجاه منح المزيد من الحقوق المدنية للفلسطينيين المقيمين مؤقتاً في هذه الدول: 

يعد هذا البروتوكول محاولة أساسية ومبكرة لتنظيم وضع اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية التي لجأوا إليها عام1948. لقد منحهم هذا البروتوكول نوعاً من الحماية المؤقتة في انتظار عودتهم. وتدعو مواد البروتوكول الخمس إلى معاملة الفلسطينيين في الدول الأعضاء للجامعة معاملة المواطنين فيما يتعلق بالتوظيف، حق المغادرة والعودة من وإلى الدول المعنية، حرية الحركة بين الدول العربية، إصدار وثائق السفر وتجديدها. هذا فضلاً عن حق الإقامة وحق العمل.

ومن الجدير ذكره أن عشر دول فقط من أصل 21 دولة وقّعت هذا البروتوكول،  فالمملكة العربية السعودية والمغرب وتونس لم توقعه في حين أن دولاً أخرى وقعته مع بعض التحفظات مثل الكويت وليبيا ولبنان. لكن بعض الدول المضيفة التي تستضيف غالبية من اللاجئين استوعبت أو لنقل دمجت بعض معايير البروتوكول ضمن قوانينها الوطنية مثل سوريا و الأردن مع الفارق بين الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في كل من البلدين.

على الرغم من إنفاق الدول العربية المضيفة بعض من مواردها لتأمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية للاجئين الفلسطينيين. إلا أن تطبيق التعهدات والالتزامات التي يفرضها البروتوكول المذكور كان يختلف من وقت لأخر، بل كان يخضع للتطورات السياسية والإقليمية والدولية التي تمر بها القضية الفلسطينية. وقد أقر مؤتمر المشرفين على شؤون اللاجئين الفلسطينيين في احدى دوراته بان تطبيق المعايير المعنية مازال دون المستوى المطلوب. وإن القوانين الوطنية نافذة المفعول التي تحكم بتطبيق هذا البروتوكول تضعف من مستويات الحماية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين.

إن نطاق الحماية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة بموجب بروتوكول الدار البيضاء لعام 1965 هو أضيق بكثير من نطاق الحماية الذي يتمتع به اللاجئون عامة، وفق المعاهدات والاتفاقات المعمول بها في هذا الخصوص دوليا. ولذا  فإن المطلوب هو التزام أكبر من جانب العديد من الدول العربية بتطبيق معايير البروتوكول وإزالة العقبات التي تحول دون تطبيقها على المستوي الوطني، ومن ثم موائمة الحماية المطبقة على اللاجئين الفلسطينيين في هذه الدول مع معايير الحماية الدولية. 

الخلاصـــة 

لا يوفر المجتمع الدولي حالياً أي هيئة دولية تتمتع بتفويض واضح يكفل حماية دولية منتظمة وشاملة لحقوق اللاجئين الفلسطينيين اليومية جميعهم. وهذا يعني عملياً أن ثلث لاجئي العالم لا يتمتعون بحماية دولية مناسبة وكافية ويكادون أن يكونوا من دون حماية فعلية. 

وقد أدى غياب الحماية المناسبة للاجئين الفلسطينيين من قبل معظم سلطات الدول العربية المضيفة والحماية المحدودة التي تقدمها الأنروا والتدخل المحدود للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الى وجود ثغرات جدية في الحماية الواجب تقديمها للاجئين الفلسطينيين.  والاهم من ذلك فان غياب الحماية المناسبة للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية يرتب أثارا سلبية على نضالهم من اجل حق العودة، إذ يضعف قدرتهم على التمسك بهذا الحق من جهة كما يعبد من جهة أخرى الطريق أمام مشاريع التوطين والتهجير المرفوضة من الشعب الفلسطيني.  

______________________

قدمت مجموعة عائدون هذه الورقة الى ندوة نظمتها عائدون بالتعاون مع الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سورية تحت عنوان: " الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين في البلدان المضيفة (الواقع والمسؤولية)" بين 12-14 كانون أول 2005.