أيام المخاض: نجح الإضراب وسقط جدار الخوف

أيام المخاض: نجح الإضراب وسقط جدار الخوف

بقلم:محمد علي طه 

في تلك الأيام، من عام 1975، عقدت اجتماعات على أعلى المستويات الحكومية لتنفيذ "مشروع تهويد الجليل"، ذلك المشروع الذي قررت الحكومة، منعاً للمس بمشاعر المواطنين العرب، أن تدعوه مشروع "إعادة توزيع السكان" ثم أطلقوا عليه اسم "برنامج التطوير الشامل"، للتعمية والتضليل. وكما جاء في البيان العام للمؤتمر القطري للدفاع عن الأراضي العربية في إسرائيل، المنعقد في 18 تشرين الأول في مدينة الناصرة "سواء سمي المشروع تهويداً أو توزيعاً أو تطويراً فالمضمون واحد، وهو مصادرة المزيد من أراضي الفلاحين العرب والقضاء على البقية الباقية من أراضيهم".

 

يعترف المبادرون لإقامة المؤتمر المذكور "أنه لمن المستغرب حقاً أن نعقد هذا المؤتمر بعد سبعةٍ وعشرين عاماً على قيام الدولة، للاحتجاج على مصادرة أراضٍ جديدة واستنكار مخططات حكومية للاستيلاء على مساحات من أراضي الفلاحين العرب". فعمليات مصادرة الأراضي العربية كانت مستمرة منذ العام 1948 لتحقيق الهدف الصهيوني الذي حدده بن غوريون "الاستيطان نفسه هو الذي يقرر إذا كان علينا أن ندافع عن الجليل أم لا. هذا يتعلق بالناس الذين يشعرون بالواجب ويريدون الدفاع عنه". 

لقد احتلت إسرائيل الجليل في العام 1948 بما فيه الأقسام المخصصة للدولة الفلسطينية وضمتها إليها، وكانت هذه المناطق ذات أغلبية سكانية عربية، وبقيت كذلك. ولتغيير هذا الوضع طرح حكام إسرائيل مشروع "تهويد الجليل" أو "تطوير الجليل" أو "توزيع السكان". كان الشعور السائد تلك الأيام أن حكومة إسرائيل قررت أن تستولي على جميع الأراضي العربية بشتى الوسائل و الطرق. وهذا سيؤدي إلى خنق المدن والقرى العربية وتحويل الأقلية العربية الفلسطينية إلى أقلية بلا وطن وبلا أرض، بحجة التطوير والتصنيع والإسكان. 

كانت مخططات المصادرة تدور حول (المنطقة 9 ) أي أراضي المل التي يملكها أهال سخنين وعرابة و دير حنا،  كذلك أراضي التوفانية وأراضي يركا والمكر وجديدة ومعليا وكفر ياسيف في الجليل الغربي، وأراضي الرينة وكفر كنا وعين ماهل والمشهد ويافة الناصرة ومدينة الناصرة في الجليل الجنوبي والأوسط، وأراضي باقة الغربية وأم الفحم والطيبة في المثلث بالإضافة إلى تجريد أهل النقب من أراضيهم ومراعيهم. 

كان قد سبق المؤتمر الشعبي اجتماع تشاوري في حيفا في 29 تموز من العام 1975، ضم عدداً من رؤساء السلطات المحلية وأعضاء مجالس ومحامين وأطباء ومثقفين وملاكين، تلاه اجتماع موسع في فندق غراند نيو في الناصرة في 15 آب من العام 1975 حيث تألفت لجنة الدفاع عن الأراضي التي ضمت 121 شخصية اجتماعية ووطنية. ضربت حكومة إسرائيل عرض الحائط قرارات المؤتمر الشعبي ومطالب المواطنين العرب واستمرت في تنفيذ مشروع تهويد الجليل ومصادرة الأراضي العربية. 

لقد دعت لجنة الدفاع عن الأراضي إلى اجتماع موسع في الناصرة في 6 آذار من العام 1976 دعت إليه اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية – وحضر الاجتماع عشرون رئيساً. هذا الاجتماع اتخذ القرار التاريخي بالإضراب العام في 30 آذار 1976 استنكاراً لسياسة مصادرة الأراضي. 

إضراب عام ...

هذا الأمر يحدث لأول مرة.

إضراب عام ضد سياسة الحكومة ..

بعد سنوات طويلة قاسية من الحكم العسكري.

وبعد سنوات طويلة مرة من الاضطهاد القومي.

وبعد سنوات من محاولات الاقتلاع و التهجير.

وبعد 27 عاماً من الخوف والرعب من الحكم الظالم.

وبعد 27 عام من النكبة

و بعد .. و بعد .. و بعد.. 

وباشرت حكومة إسرائيل حملة التخويف لإفشال القرار وإلغائه. اللجنة التوجيهية في حزب العمل – التي تضم رئيس الحكومة إسحاق رابين وبعض الوزراء ويوسف ألموغي، رئيس الوكالة اليهودية وغولدا مئير وسكرتير حزب العمل – عقدت اجتماعاً دام أربع ساعات يوم الجمعة 19 آذار وقررت اتخاذ أشد الإجراءات ضد الإضراب والمظاهرات المتوقعة . وزعم هؤلاء – وفق ما جاء في الصحف – أن الذين قرروا الإضراب هم من مدينة الناصرة " المعادية للدولة ". من المضحك أن رئيس الحكومة دعا اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية للاجتماع معه في 10 نيسان القادم لبحث الإضراب. 

وكان حاكم لواء الشمال يسرائيل كينغ قد استدعى على دفعات رؤساء السلطات المحلية في منطقة نفوذه للضغط عليهم و تهديدهم حتى يعارضوا الإضراب. ويزور مدير شرطة لواء الشمال مجلس أم الفحم المحلي و يحذر رئيس المجلس المحلي والأعضاء من الإضراب ويهددهم. وتهدد قيادة الهستدروت العمال العرب أنها لن تدافع عنهم إذا ما أضربوا في 30 آذار وتم فصلهم من قبل أصحاب العمل. وتناشد العمال العرب ألا يضربوا. كما يهدد المدير العام لوزارة المعارف رؤساء السلطات المحلية ومديري المدارس والمعلمين ويدعوهم إلى عدم الانجرار وراء الإضراب وعمل كل ما في استطاعتهم ليضمنوا سير التعليم كالمعتاد. والمدير العام لوزارة الداخلية يهدد السلطات المحلية إذا ما أضربت.  ويناشد وزير الصحة العرب في إسرائيل بعدم الانجرار وراء حملة التحريض التي تشن حاليا للانضمام إلى الإضراب العام، و يؤكد أن هناك عناصر معنية بزعزعة "ولاء العرب الإسرائيليين لدولتهم". 

استمرت حملة التحريض والتخويف من جميع الوزارات ومن شتى الدوائر والمسؤولين الحكوميين ونشرت جريدة " هارتس " في 2 آذار الخبر التالي: "ستعمل جماعات من نشيطي حركة "راكح" (القائمة الشيوعية الجديدة) باشتراك مع قوميين في القرى على إقناع السكان بعدم الخروج إلى العمل وستهدد بإرسال قوائم بأسماء الذين لا يشاركون في الإضراب إلى العاملين في منظمة التحرير الفلسطينية لتسجيلهم في القائمة السوداء، قائمة المتعاونين في إسرائيل". ودعا شموئيل طوليدانو، مستشار رئيس الحكومة، رؤساء السلطات المحلية والبلدية إلى اجتماع في شفاعمرو في 25 آذار لبحث الإضراب، بعد إرهاب سلطوي عنيف. 

طالب عدد من الرؤساء أن يجري تصويت سري حول قرار الإضراب، كما علمهم المستشار. وقد عارض عدد من الرؤساء ذلك، لأن قرار الإضراب ليس قرار الرؤساء بل هو قرار لجنة الدفاع عن الأراضي. على الرغم من ذلك جرت عملية تصويت أشبة بمسرحية أعدها و أخرجها مستشار رئيس الحكومة وقررت الأغلبية الساحقة من رؤساء المجالس المحلية العربية إلغاء الإضراب. 

وقد أيد الإضراب مجموعة قليلة من الرؤساء ما زلت اذكر منهم: توفيق زياد رئيس بلدية الناصرة، جمال طربية رئيس مجلس محلي سخنين، محمود سعيد نعنامنة رئيس مجلس محلي عرابة، يونس نصار رئيس مجلس محلي طرعان، محمد مصطفى محاميد رئيس مجلس محلي أم الفحم، أحمد مصالحة رئيس مجلس محلي دبورية، محمد زيدان رئيس مجلس محلي كفر مندا، حنا مويس رئيس مجلس محلي الرامة، علي صنع الله رئيس مجلس محلي دير الأسد، مسعد قسيس رئيس مجلس محلي معليا، أسعد يوسف رئيس مجلس محلي يافة الناصرة. وأعلنت إذاعة إسرائيل وصحفها المحلية عن إلغاء الإضراب. في المقابل أعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي العربية الإصرار على الإضراب، وأستطيع القول أن قرار الإضراب تقرر تنفيذه  في 25 آذار.

حينما علمت الجماهير المحتشدة حول بناية بلدية شفاعمرو بقرار الرؤساء الانهزامي وخضوعهم للتهديد والابتزاز، هاجمت هذه الجماهير الغاضبة الرؤساء ورجمتهم بالحجارة والشتائم. تدخلت الشرطة بالعصي وقنابل الغاز واعتقلت عدداً من الشبان، وصمدت الجماهير، خاصة الجماهير الشابة، في وجه هراوات الشرطة والغاز. 

وانتشر الخبر سريعا في الجليل والمثلث.. وتحرك الناشطون في كل بلدة وكل حي .. بلدية الناصرة الجبهوية برئاسة الشاعر توفيق زياد تقرر الإضراب و تدعو المواطنين إلى المشاركة التامة به. الهيئات الشعبية و لجان الدفاع عن الأراضي في كل بلدة وبلدة تتجند لإنجاح الإضراب. 

وجاء يوم الثلاثاء، الثلاثون من آذار. قوات الجيش تدخل قرى دير حنا وعرابة وسخنين وتفرض منع التجول بعد استشهاد وجرح عدد من المواطنين؟

- استشهاد شاب من كفر كنا وشاب من نور شمس.

- إضراب شامل في الناصرة.

- الشرطة تداهم منزل النائب توفيق زياد، رئيس البلدية وتعتدي على عائلته.

- الإضراب يشمل المدن والقرى في الجليل والمثلث.

- مظاهرات غاضبة في المدن والقرى العربية.

و نجح الإضراب

و سقط جدار الخوف

و تنفس الناس الصعداء.

خلع الكثيرون رداء الخوف و خرجوا إلى الشمس والهواء الطلق.

تلك أيام لا تنسى ...

أيام حبلى بالتاريخ

عشناها..

و كنا قلقين متوترين ...وكان المخاض صعباً.

و لكن شعبنا أثبت أنه على قدر المسؤولية

وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

و صنعت جماهيرنا يوماً مجيداً من أيام تاريخها..

صنعت يوم الأرض..

يوم له ما بعده..

وما بعده..

وما بعده.. 

_______________

محمد علي طه هو كاتب قصة قصيرة من مواليد قرية ميعار المهجرة في الجليل. له إصدارات عدة منها "لكي تشرق الشمس"، "سلاما وتحية"، "جسر على النهر الحزين"، عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر"، يكون في الزمن الآتي"، و "النخلة المائلة".