حق وعودة وإنكار

بقلم: مروان دلال

يمكن اعتبار حق العودة للاجئين الفلسطينيين كأول وأهم حق تمت المطالبة به من قبل حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي أنشئت ستة عشر عاماً بعد الاعتراف الدولي للاجئين الفلسطينيين بهذا الحق. وشكل حق العودة مركز دائرة العمل لحركة التحرر نضالياً وتثقيفياً. وشكلت مخيمات اللجوء المورد البشري الأساسي للنشاط الفلسطيني الميداني والتعبوي. ومن سمات أهمية هذا الحق ليست عدالته فحسب، وانما صعوبة الإعلان عن التنازل عنه من قبل من يضمرون ذلك في نفوسهم.

قبل حق تقرير المصير والمطالبة باقامة دولة ذات تواصل جغرافي وقابلة للحياة، كان حق العودة. وازدهرت حركة التحرر الوطني الفلسطيني وشاعت شعبيتها لدى شعوب العالم الثالث في مرحلة مناهضة الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين. ووصلت الشعبية الدوليه لهذه الحركة بأن تكون لها ممثليات في دول العالم أكثر من سفارات إسرائيل هناك. وباتت حركة التحرر الوطني الفلسطيني نموذجا يحتذى به من قبل كل من ناهض الاستعمار فعلياً، وليس من قبل من تضامن مع هذا النضال فحسب، إلا أن هذه الحركة تميزت عن كل حركات التحرر الوطني بأنها كانت خارج أرضها، كماً وتنظيماً، مما كان من أهم نقاط ضعفها.

اشتبكت مسألة فلسطين بالمسألة اليهودية الاوروبية المنشأ والتشكل. وتجاهلت الأولى الثانية، رغم إسقاطات الأخيرة عليها أوروبياً، واستثمارها سياسياً من قبل إسرائيل. وعندما استدركت حركة التحرر الفلسطيني أهمية الحدث الأوروبي، كانت أقرب إلى ركامها منها إلى التحرر. فأصبحت تردد ما يطلب منها، دونما اقتناع، ودون إحراز المكاسب السياسية الموعودة والمرجوة.

ولم تتردد اسرائيل في استغلال مأساة يهود أوروبا انتهازياً، عطفاً على نظرتها إلى ضحايا المحرقة باستعلاء وصل الى درجة الازدراء. كما أن وصول ناجين يهود من المحرقة إلى فلسطين - أو حتى إلى جنوب أفريقيا - لم يمنعهم من تبني أيديولوجية عنصريه أرهقت ابن البلد بتزويرها للتاريخ وخرق حقوقه يوماً بعد آخر، وفقاً لقانون أو قرار أو نمط تعامل إداري للسلطات. مما يؤكد أن تجربة البشر، بحد ذاتها، ليست المصدر الوحيد ولا الرئيس لانتهاج ممارسات أخلاقيه، ولا هي بوصلته لتبني مواقف على هذا الأساس على الأقل.    

رفعت إسرائيل بوجه العرب رفضهم قرار التقسيم المجحف بحقهم، ولم تحترم هي أي قرار صادر عن الأمم المتحدة - مجلس الأمن كان مصدره أو الجمعية العامة أو محكمة العدل الدولية. وتابعت إسرائيل بعد قيامها سياسة فرض الحقائق على الأرض - التي مارستها قبل العام 1948، بفارق امتلاكها وزارة خارجية يرأسها ناطق طلق بالانجليزية وظيفته ابتكار الصيغ الدبلوماسية لتغطية الواقع والأرض وما بينهما من علاقة وثيقة. وأصبحت هناك مدرسة إسرائيلية في "التبرير" وليس في الدبلوماسية، وهي مدرسة الكذب على الصديق والعدو.

قامت اسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني، وتم نهب وطن هذا الشعب من قبل الإسرائيليين -خلال وبعد حرب عام 1948. وأشار موفد الأمم المتحدة إلى فلسطين "برنادوت" إلى أعمال النهب الصهيونية في تقاريره ، إلى أن اغتيل من قبل إحدى العصابات - التي يحكم أبنائها إسرائيل منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. وتكلل النهب بمسيرة دؤوبة لسن قوانين هدفها بسط سيطرة إسرائيل على ممتلكات المغيبين. وأورثت الدولة العبرية ذاتها كل الأملاك التي سيطر عليها المستعمر البريطاني، دون أن تسأل أحدا وبغير أن تتسائل حول شرعية سيطرة المستعمر السابق على هذه الممتلكات. لم تقتصر هذه الأملاك على الأراضي والمباني فحسب، بل شملت أيضا حسابات في البنوك وتوفيرات وغيرها مما يحفظ في هذه المؤسسة الحديثة. وتعاملت إسرائيل مع ما ليس لها وكأنها سائل لزج يملأ الفراغ الناشئ حسب قانون فيزيائي لا يمكن تفنيده في ظروف البلد ولا حتى في شروط المختبر.   

يفهم الاسرائيليون اليوم مسألة حق العودة بمصطلحات كارثية، لا تمت بصلة إلى التاريخ أو إلى ما اتبع تسميته بالشرعية الدولية. ولا تشكل الأخيرة تهديداً يذكر أو عاملاً جدياً يؤثر على السياسة الإسرائيلية، عكس السوط الذي توجهه هذه الشرعية باتجاه سائر دول وشعوب المنطقه. أما الإسرائيلي النموذجي، فهو يعرف العالم من خلال الفندق الذي يزوره مسافراً. وتعمم الصحافة الإسرائيلية المركزية لقرائها أنه بالإمكان اختزال العالم إلى بيت ابيض - بيت يقطنه من لا تفوق معرفته بالعالم معرفة زائر الفندق الإسرائيلي.  

المصطلحات الكارثية التي تمنع الإسرائيليين من استيعاب مسألة حق العوده، تمنع حتى تطبيق حق عودة "إسرائيلي المصدر". المحكمة العليا الإسرائيلية العليا أبطلت في بداية خمسينيات القرن الماضي الأمر العسكري الذي أرغم أهالي قرية إقرث على مغادرة منازلهم. وتم إبطال الأمر العسكري لسبب تقني وهو عدم نشر الأمر كما يجب. وشكل قرار المحكمة مصدر استنتاج لأهالي القرية - التي دمرت في هذه الأثناء من قبل القوات الإسرائيلية - بأن حقهم بالعودة مفروغ منه ومقر إسرائيلياً أيضاً. وناضلوا من أجله، ليس كحركة تحرر وطني بالطبع، وإنما كحق لمواطنين في الدولة اليهودية. في العام 2003 ردت المحكمة العليا الاسرائيلية آخر التماس لهم في هذا الصدد. واعتمدت المحكمة الإفادة المشفوعة بالقسم لرئيس الحكومه الاسرائيلية شارون، الذي ادعى أن: إرجاع أهالي إقرث إلى بلدهم سيشكل سابقة خطيرة، من شأنها أن تؤثر على مسألة حق العودة الذي يدعيه الفلسطينيين. كالسجناء السياسيين من داخل مناطق ال- 48، اكتشف أهل القرية المهدمة بأن مواطنتهم لا تشكل رافعة حقوقية، وتعتبر هويتهم الوطنية عقبة سياسية ترفع في وجه رغبة التحرر ومن أجل استمرار السيطرة.  

لقد شكلت مسألة حق العودة لدى النخب الإسرائيلية هاجساً مقلقاً. وتم تحويل المعضله الوجودية التي يثيرها هذا الحق لديهم إلى تهديد وجودي، الأمر الذي يسهل إنكار ظروف تشكل هذا الحق التاريخية. ومنعت المحكمة العليا الإسرائيلية مجموعة حقوقية عروبية، حركة الأرض، من المشاركة في الانتخابات البرلمانية سنة 1965، لأن أحد مطالبها كان تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وشبّه رأي الأغلبية في المحكمة - في تلك القضية - حركة الأرض بالنازيين الذين سعوا لسحق الشعب اليهودي لا لشئ إلا لدينهم، وتجاهل حقيقة الحكم العسكري المفروض على العرب في إسرائيل حينها.

وساهم العرب في الداخل، عن دون قصد أو رغبة، ببناء وتشكل الأمة اليهودية الإسرائيلية، ليس عبر اختزالهم بالاخر العدو فحسب، وإنما أيضاً عبر كونهم موضوعاً لقرارات محاكم عديدة، لا سيما قرارات المحاكم المتعلقه بالقضايا الجنائية. والسلطة القضائية في إسرائيل، كمثيلاتها في أي بلد آخر، تلعب دوراً مهماً وأساسيا في بلورة الرواية التاريخية لشعبها وتشكيلها. وكانت محاكمة النازي آيخمان في نهاية خمسينيات القرن الماضي، التي انتقدتها "حانه ارندت" بشدة، إحدى أهم المحطات التي تم من خلالها إدراج المحرقة في الحيز العام الاسرائيلي بعد أن تم تجاهلها من هذا الحيز إثر تحديها للب المشروع الصهيوني وهو إنتاج شخصية يهودية جديدة - نقيض شخصية اليهودي في المنفى. شخصية قوية البنية لا تتركز بالروحاني بل بالملموس. لا تدير ظهرها للمخاطر بل تواجهها بأعتى قوة وجدت لديها. شخصية الأرض بدلاً عن شخصية الكتاب.    

إن وعي المحرقة إسرائيلياً يسمح للبعض بالاعتراف بالسطو المسلح الذي قامت به إسرائيل على حساب الفلسطينيين. ويقول الكاتب يهوشواع، مثلاً، أن المحرقة شكلت الشرعية الأساسية لإسرائيل أن تنتزع قطعة أرض من الفلسطينيين من أجل النجاة، مثلها مثل حق الرجل - الذي يقفز من الطابق العلوي في بناية تحترق - أن يؤذي عابر سبيل من تحت البناية. أما المحاضر في قسم الفلسفة في جامعة تل ابيب، والذي يقدم المشورة الأخلاقية لممارسات جيش الاحتلال، فيدعي بأن حق العوده المقصور على اليهود فقط، شرعي إذ أنه تمييز مصحح بعد سنوات المعاناة الأوروبية التي واجهها اليهود.  

مثل هذه المحاولات، المكونة بأثر رجعي، لإيجاد مرجع أخلاقي لجريمة إسرائيل الكبرى في حق الفلسطينين تقنع أصحابها وأوروبيين يسعون لتقديم الراحة لضمائرهم، لا أكثر. إذ يفكك التاريخ، مثله مثل المنطق، رغم مكر الأول واستقامة الثاني، هذه الادعاءات بجدارة. وهم يعلمون ذلك، أي الإسرائيليون وأكثر منهم الأوروبيون، إلا أنهم، كما قال الشاعر الذي سأقتبسه بعد قليل، رغم سأمه من استحضاره في هذا السياق فقط، وربما بحق، يخبئون معرفتهم المنتفضة ضد ادعائهم في سعال سريع وخطاب ليبرالي مبتور لا يعرف الحضور إلا بعد اقتراف الجريمة. 

وهناك نخب اسرائيلية تسكن في أماكن تعود أصلا الى الفلسطينيين، وتطالبهم بالتنازل عن حق العودة، وإلا لا حل سياسي. هذه الحالة الصلفية، من صلف، يندر وجودها عالمياً، ويمكن استكشاف مصادرها الثقافية والأخلاقية في مصطلح "الحوتسبا" (وقاحة بالعبرية)، مفخرة اليهود الجدد بعد نجاح المشروع الصهيوني. إلا أنها لا تأبه بوقاحتها، خاصة وأن هناك الشخصية الفلسطينيه "المعتدله"، و"العقلانيه"، و"الدمثه"، وغير "المتهجمه"، و"الأكاديميه"، و"اللطيفة" على المستوى الشخصي، والتي تردد الانجليزية المرجوة بطلاقة، والتي تعبت وانهكت كما يبدو، إلا أن وضعيتها الأخيره لا تذكر إسرائيلياً وأوروبياً، والتي تقبل باملاءات المنتصر مسلمة بالأمر الواقع.  

إحدى هذه النخب الإسرائيلية هو مرشح حزب العمل للكنيست الجنرال عامي أيالون، رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلي العام (الشاباك) سابقا. ويفاخر الرجل أمام الإسرائيليين بإنجازين لا ثالث لهما: انتزاع تنازل شخصية فلسطينيه مهمة (أصبحت مهمة بعد التنازل بالطبع) عن حق العودة، وقتل العرب.

ونختم بما قاله الشاعر:

"في كوخنا يستريح العدو من البندقية،

يتركها فوق كرسي جدي. ويأكل من خبزنا

مثلما يفعل الضيف. يغفو قليلاً على

مقعد الخيزران. ويحنو على فرو

قطتنا. ويقول لنا دائماً:

لا تلوموا الضحية!

نسأله: من هي؟

فيقول: دم لا يجففه الليل..."

 

____________________

مروان دلال هو محام وخبير قانوني، يعمل في عدالة-المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، وله إهتمامات قانونية عدة منها في قضايا تعذيب الاسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وقضية النقب.