جنــوب أفريقيــا وفلسطيـن/إسرائيــل في سيــاق حمــلات المقاطعــة

جنــوب أفريقيــا وفلسطيـن/إسرائيــل في سيــاق حمــلات المقاطعــة

بقلم:بنغـاني ناغاليــزا وأندريــه نيوهـــوف

يعتقد الكثير بوجود مشابهةً بين نظام الفصل العنصري الجنوب إفريقي والوضع في فلسطين/ إسرائيل. إن من أهم الدروس الأساسية في النضال الجنوب أفريقي كان أن العزل الدولي يعتمد على التعبئة الداخلية الناجعة وحملات المقاومة الشعبية القادرة على الاستمرار.

جنــوب أفريقيـــا

بدأ  استعمار جنوب أفريقيا في العام 1652 عندما وضع جان فان ريبيك الهولندي الأصل –  والذي مثل شركة التجارة الشرق الهندية –  قدمه على الأراضي التي سميت فيما بعد معسكر الأمل الجميل (Cape  of Good Hope). كتب في حينه إلى رؤسائه أنه قد وجد "ما يشبه" الأرض الفارغة. وكانت تلك كذبة بشعة طبعا. فقبل الميلاد بآلاف السنين عاش على تلك الأرض شعوب الخوي-سان. وفي سنة 1658، أعطى فان ريبيك إذنا للعمال البيض من مستخدمي الشركة، بالبقاء في جنوب أفريقيا بعد أن انتهت عقود عملهم. وبعد نحو أربعين عاما انضم البريطانيون إلى الهولنديين واستوطنوا أيضا في جنوب أفريقيا. وفي عام 1948، تسلم الحزب القومي السلطة بقيادة دي إف مالان، الذي رفع شعارات عنصرية أثناء حملته الانتخابية.

تحدث مالان بشكل متواصل عن "الأبارتهيد"، وهي كلمة هولندية تعني "الفصل العنصري". ثم أتبع ذلك بتقديم مصطلح "أبارتهيد" في القانون، فحسب حكومة الفصل العنصري،  كان على الأشخاص السود أن ينفصلوا عن البيض وقد استمر ذلك لعدة عقود قام أثناءها نظام الفصل العنصري بنفي الإفريقيين عن الأراضي التي نسبها الأشخاص البيض إلى أنفسهم وأبعدوهم إلى "بانتوستانات" أي مراكز تجمع السكان السود. وقد صار ينظر إلى السود على أنهم عبيداً ولا يصلحون لأكثر من العمل لدى البيض، فكل ما يحتاجونه هو القليل من التدريب على أداء الأعمال التي لا تتطلب المهارة.

فلسطيــن/إسرائيـــل

كانت فترة الحرب العالمية الثانية فترة مظلمة في التاريخ الأوروبي، حيث اضطهد اليهود واللوطيين والسحاقيات والشيوعيين وكل من قاوم النازية. وقد ضربت المجزرة النازية المأساوية (الهولوكوست) اليهود بشكل حاد. لقد عاش في هولندا قبل الحرب العالمية الأولى 140 ألف يهودي، ومن المقدر أن 110 آلاف يهودي أي ما نسبته 80 % قد قتل خلال الهولوكست، وبالمقارنة مع بلجيكا وفرنسا وألمانيا كانت تلك النسبة مرتفعة بشكل كبير، حيث لم تتجاوز النسبة الأربعين بالمائة في تلك البلدان. ولا بد من الإشارة إلى أن فشل حكومة هولندا في حماية مواطنيها من اليهود، قد خلّف للهولنديين شعورا بالذنب ورابطةً مماثلة في القوة مع إسرائيل.

مماثلــة بيــن جنـوب أفريقيــا وفلسطيــن/ إسرائيــل

من وجهة نظرنا، فإن المماثلة بين الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وإسرائيل يتمثل في مخالفات فظيعة لحقوق الإنسان، وقوانين أخرى دولية وإنسانية. ويمكن العثور على جذور تلك المخالفات في اعتبارهما للسود والفلسطينيين مجموعات أدنى من وجهة نظرهم. وقد تحدث  السيد كاسرلز وزير مخابرات دولة جنوب أفريقيا، والقائد السابق للجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي إلى الجمعية الوطنية أثناء نقاشها لتقرير إحدى البعثات البرلمانية لاستكشاف الحقائق في الشرق الأوسط، قال أن إحدى الأسس التي اعتمدوا عليها في مراقبتهم، هو التوازي الذي يمكن أن يعقد بين الاضطهاد الواقع على الفلسطينيين على يد إسرائيل، والاضطهاد  الذي وقع في جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري. في حالة هولندا، يمكننا إيجاد مشابهة من حيث روابطها القوية التي تعود الى عدة أسباب حيث كانت وما زالت حساسة لما يجري في جنوب أفريقيا وإسرائيل.

الدعائــم الأربعــة للنضــال التحــرري فـي جنــوب أفريقيــا

إن نضال الجنوب أفريقيين السود من أجل التحرر قد ابتدأ قبل العام 1948 حين أقر العمل بنظام الأبارتهايد رسميا من قبل الدولة. فبعد ما يقارب الثلاث عقود من المقاومة غير المنظمة والمتقطعة، تأسس في العام  1912 مؤتمر الأفارقة الأصليين في جنوب أفريقيا والذي أعيدت تسميته فيما بعد ليصبح المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC). كان ذلك نتيجة إدراك الشعب الإفريقي للحاجة إلى توحيد وتنظيم أساليب النضال.

أولا: الحــوار

بين أعوام 1912-1948 مال أسلوب المؤتمر الوطني  الإفريقي إلى تفضيل الحوار. وفي هذه الفترة آمنت قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي بإنسانية البيض الجنوب أفريقيين. حيث كانوا مقتنعين بإمكانية التوصل إلى تسوية عادلة من خلال الإقناع. أما النظام العنصري فقد خالف تلك  القناعات عن طريق تصميمه على مواصلة سياساته القاضية بتهجير السود عن أراضيهم. أما محاولات التوصل إلى حل  عن طريق الحوار، فلم يتخل عنها المؤتمر الوطني الإفريقي ولكنها دعّمت لاحقا باستراتيجيات أخرى موجهة نحو الضغط على النظام العنصري بهدف إجباره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وبهذا بقي الحوار بالنسبة للمؤتمر الوطني الأفريقي الدعامة الأولى للنضال من أجل التحرر.

ثانيــا: المقاومة المسلحة

بعد إعلان سياسة الفصل العنصري كسياسة رسمية للدولة في العام 1948 قامت رابطة الشباب التابعة للمؤتمر الوطني الأفريقي، بقيادة مجموعة من النشطاء من بينهم نيلسون مانديلا ووالتر سيزولو وأوليفر تامبو، بالتحرك في أوساط المؤتمر الوطني الأفريقي من أجل تغيير إستراتيجيته. حيث إرتأوا حاجة إلى استعراض الكفاح المسلح كإحدى الخيارات. وفي العام 1960 تأسس أمخنتو ويس زوي، وهو الجناح  العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي وكان هدفه الأساسي مهاجمة رموز الاضطهاد وليس الناس. من العام 1960 أي بعد نصف قرن على تأسيس المؤتمر الوطني الأفريقي، ولحين اندماج الجناح العسكري في صفوف قوات الدفاع الوطنية الجنوب أفريقية في العام 1994، كانت المقاومة المسلحة  الدعامة الثانية للمؤتمر الوطني الأفريقي في نضاله من أجل التحرر.

ثالثــا: الضغوطات الدولية

بحلول العام 1959، كان الزعيم البرت لوثولي رئيس المؤتمر الوطني الإفريقي في حينه قد طلب من الشعب البريطاني مقاطعة جنوب أفريقيا بقوله: "... أن جنوب أفريقيا غير البيضاء قد استجابت لهجمات وجهت ضدها، عن طريق إرسال الوفود وتسليم الشكاوى إلى السلطات... وعندما نجحت تلك المحاولات، تحولوا إلى المقاومة السلبية ومن ثم إلى المقاطعة". واعتبارا من تلك اللحظة، قام المؤتمر الوطني الأفريقي بإيفاد البعثات لمخاطبة المجتمع الدولي حول الحاجة إلى عزل نظام الفصل العنصري. أما الدعوة إلى الضغط الدولي عن طريق المقاطعة والحصار الاقتصادي وسحب الاستثمارات، فقد أصبح الدعامة الهامة الثالثة لنضال المؤتمر الوطني الأفريقي من أجل الديمقراطية. لقد اكتسب الضغط الدولي زخماً هائلاً حتى  وصل في العام 1969 إلى إلغاء الاعتمادات البنكية الدوارة لدى البنوك الأمريكية، والتي وصل مجموعها إلى 40 مليون دولار أمريكي في حين أن مجموع سحب المؤسسات والأفراد من البنوك المعنية قد وصل إلى 23 مليون دولار. وفي العام 1973 قام اتحاد البنوك الأوروبية الأمريكية بإلغاء قروض قيمتها 70 مليون دولار. لقد تواصلت مثل تلك الأحداث إلى أن أعلنت جنوب أفريقيا تجميد مديونياتها في العام 1985 بسبب تعويم رأسمالها. إن نجاح الدعوات لعزلها دولياً يرجع بشكل جزئي إلى الدور الهام الذي لعبه الأفارقة الجنوبيين في المهجر. لقد عملوا دون كللٍ أو ملل على رفع مستوى وعي المجتمع الدولي بالاعتداءات التي كان يتم ارتكابها على أيدي نظام الفصل العنصري.

رابعــا: التعبئة الجماهيرية

لقد ساهمت الدعائم الثلاث المذكورة أعلاه في الإزالة النهائية لنظام التفريق العنصري ولكن الدعامة التي تتميز بالأهمية الكبرى وبشكلٍ لا يقبل المقارنة، هي التعبئة الجماهيرية في داخل القطر. وضعت الحملات المبكرة للمؤتمر الوطني الأفريقي، مثل حملة تحدي القوانين غير العادلة للعام 1950، على أساس تحليلاتٍ مفادها، أن جماهير المضطهدين أنفسهم هم الذي سيقررون مسار تحررهم. ولقد تمثلت قمة التعبئة الجماهيرية في تشكيل الحركة الجماهيرية الديمقراطية (MDM) في الثمانينات من القرن العشرين. شكّلت هذه الحركة لملء فراغ خلّفه حظر النشاط السياسي، والمنظمات السياسية من ضمنها المؤتمر الوطني الأفريقي. جمعت الحركة الجماهيرية الديمقراطية كافة المنظمات التي عارضت نظام التفرقة العنصرية بما في ذلك النقابات العمالية والمنظمات الطلابية والنسائية والمنظمات غير الحكومية والتجمعات المدنية والمنظمات الأكاديمية وكذلك الشركات المتعاطفة وغيرها. لقد اجتمعوا جميعاً تحت شعار الجبهة الديمقراطية المتحدة (UDF) وكذلك تم تنظيم بعض الحملات الأخرى من ضمنها حملة المليون توقيع، التي ترفض التفرقة العنصرية في عام 1984. وكما مورست نشاطات أخرى مثل مقاطعة دفع الإيجار في سويتو، والإضراب لمدة يومين للاحتجاج على استثناء السود من الانتخابات البرلمانية.

كانت تلك بعض الأمثلة على كيفية احتفاظ الحركة الديمقراطية الجماهيرية بحملة مقاطعة داخلية والتي لعبت دور المحفز الأساسي لاستجابةٍ دوليةٍ هائلة، تمثلت في فرض حصار اقتصادي شامل ضد جنوب أفريقيا.

دعــوة فلسطينيــة لعــزل إسرائيـــل

إن تأثير  الدعوات إلى المقاطعة والعقوبات الاقتصادية وسحب الاستثمارات ضد نظام عدواني يأخذ في العادة عشرات السنوات قبل أن تبدأ آثاره بالظهور. ولكن فور ما تبدأ النتائج بالظهور يشبه تأثيرها تأثير الانزلاق الثلجي حيث يطمر الأنظمة المضطهدة. وبطريقة ما كانت موقظة لحقيقة أن النظم الاضطهادية كثيراً ما تتجنب الاعتبارات الإنسانية. يفعلون ذلك فقط لأن تلك الاعتبارات تفضح تجردهم من الأخلاق وتهدد بشكل جذري الأساس الغير عادل التي تبنى عليه مثل تلك الأنظمة.

بعد سنةٍ واحدة من إعلان الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عن عدم قانونية الجدار يدعو المجتمع المدني الفلسطيني وبشكل موحد لإطلاق حملاتٍ دوليةٍ لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ومقاطعتها اقتصادياً. وكما تعلمنا أثناء النضال التحرري الجنوب أفريقي فإن الحملات الدولية ستكون أكثر نجاحاً عندما توحي بها وتؤيدها النشاطات الداخلية. ويمكن تعلم بعض الدروس إذا ما نظرنا إلى الحملات الناجحة في هولندا مثل الحملة من أجل الحصار النفطي وإلقاء المزيد من الضغوطات على شركة شل للانسحاب من جنوب أفريقيا وذلك بحض المستهلكين على عدم ملء خزانات وقودهم من محطات  شل وسولون غاز، فقد كانت شركة شل تستفيد اقتصادياً من سياسات الفصل العنصري.

مقومــات الحملــة الناجحـــة

تدور الحملة في المقام  الأول حول تحريك الناس وإثارة مشاعرهم ودعوتهم الى استغلال المناسبة وفعل شيءٍ ما. وفي حالة إسرائيل تكون القضية الأساسية هي الوقوف في وجه مخالفات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الأخرى. ومن الممكن أيضاً تنظيم حملات رفع مستوى الوعي بتلك المسائل ولكن الفعل يكون أكثر جدوى إذا ما فكرنا في ما الذي يمكن للجمهور أن يساهم به. ومن أجل تحقيق هذا لا بد من البدء بالبحث عن حلقات الوصل بين بلدك وإسرائيل بهدف تقدير ما الذي سيلحق ضرراً بالاقتصاد الإسرائيلي، وبصورة إسرائيل العامة، والمناطق التي يكون النجاح فيها ممكناً. وبعد اختيار الأهداف لا بد للحملة من البحث عن شركاء قادرين على توفير الإسناد، مثل  الكنائس والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية وكذلك الشخصيات السياسية وقادة الرأي العام. هنا لا بدً من تطوير رسالةٍ واضحة، ومجموعةٍ من المطالب الملموسة ثم التخطيط المحكم. يتضمن ذلك إعلام الجمهور من خلال وسائل الإعلام وتنظيم الفعاليات والسلاسل البشرية والمظاهرات. فالحملات لا تدور حول الانتصار السهل، ولكن حول العمل الجدي والمتواصل وكذلك فإنها تتطلب قدراً من الصبر والحكمة.

ستقابل حملات مقاطعة إسرائيل بمقاومةٍ شديدة في هولندا مثلا، بالضبط كما كان الحال بالنسبة لحملات عزل نظام التفرقة العنصرية الجنوب أفريقي. ويمكن للشخص أن يتنبأ أن إسرائيل وأنصارها سيتهمون الناس المشاركين في مثل هذه الحملات بالعداء للسامية. يجب أن لا تصبح مثل هذه الاتهامات مركزاً للنقاش. ولهذا يجب أن تكون ردة الفعل مركزة على مخالفات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل. ويتضمن ذلك: مخالفات ترتكبها قوات إسرائيل الاحتلالية في المناطق  الفلسطينية، وبنائهم للجدار والاستيطان على الأراضي الفلسطينية، وكذلك عدم المساواة بين مواطني إسرائيل اليهود والفلسطينيين. الأمر الأكثر أهمية هي إبراز الحاجة العميقة للسلام من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين. إن حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والحصار الاقتصادي يجب أن تسترشد جميعاً بالشجاعة في القول والفعل ضد الظلم. وكما كتب مانديلا في مذكراته (صفحة 49): "تعلمت أن الشجاعة ليست غياب الخوف ولكنها الانتصار عليه. لقد أحسست أنا نفسي بالخوف مرات عديدة تفوق قدرتي على تذكرها، ولكنني أخفيت خوفي خلف قناع الجرأة. الرجل الشجاع ليس ذلك الذي لا يشعر بالخوف، ولكنه الرجل الذي ينتصر عليه".

______________________

بنغاني ناغيليزا هو عضو المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أقريقيا. أدري نيوهوف  كانت عضواً في لجنة هولندا الخاصة بجنوب أفريقيا وقد عملت على إعداد مواد تعبوية، وإسناداً مالياً للمؤتمر الوطني الإفريقي و نظّمت حملات من أجل المقاطعة وسحب الاستثمارات والحصار الاقتصادي. نشر هذا المقال باللغة الانكليزية أصلا في مجلة "المجدل" الصادرة عن مركز بديل، عدد 26، صيف 2005. للاطلاع على المقال باللغة الانكليزية، أنظر الى موقع مركز بديل على شبكة الانترنت: www.badil.org.