فلسطينيو لبنان.. الوليمة التالية

بقلم: سعد محيو

ما لم تحدث معجزة ما، سيكون فلسطينيو لبنان هم "الوليمة الجديدة" إلى مائدة اللعبة الكبرى الشرق أوسطية.  الدلائل؟ هاكم بعضها: بروز “تقاطع مصالح” بين سوريا وبين أمريكا وفرنسا، على تحريك الورقة الفلسطينية في لبنان، كل لها مبرراتها الخاصة وأهدافها المحددة، فدمشق تريد ان تقف المخيمات الفلسطينية في بلاد الأرز معها لتخفيف الحصار الخانق على بلاد الشام، وواشنطن وباريس تسعيان الى جر الفلسطينيين إلى معركة، تنفيذاً للبند الثاني من قرار مجلس الأمن الرقم ،1559 من جهة، ولتسهيل مسألة التوطين لاحقاً، من جهة أخرى.

 

بروز “تضارب مصالح” بين الفلسطينيين، فحركة “فتح” بقيادة محمود عباس وجدت في الملف الفلسطيني الذي يعاد فتحه في لبنان، فرصة لتعزيز مواقعها الدولية وخاصة لدى واشنطن، ولذا أبلغ عباس تيري رود لارسون، المبعوث الدولي المكلف بتطبيق ، 1559 استعداده للمساهمة في نزع سلاح مخيمات لبنان في مقابل شروط سياسية واقتصادية محددة. هذا في حين تشعر منظمات المعارضة الفلسطينية بإغراء شديد الآن لمقاومة ما تعتبره استسلاماً فتحاوياً في فلسطين، عبر دور جديد تقوم به هي في لبنان. 

ثم أخيراً هناك ما يتردد عن “صفقة كبرى” تشارك فيها بعض الأطراف اللبنانية، قوامها مقايضة توطين بعض الفلسطينيين بمنح الجنسية اللبنانية لنحو 250 ألف مسيحي هجّروا من العراق خلال السنتين الماضيتين ويعيشون الآن كلاجئين في سوريا. الهدف: تعديل الموازين الديموغرافية المختلة لغير صالح المسيحيين اللبنانيين، وقبض مليارات الدولارات كثمن لتوطين الفلسطينيين. 

وبالطبع، مثل هذه الصفقة لا يمكن أن تحدث إلا إذا تم تجريد المخيمات الفلسطينية من السلاح، وإذا ما طرحت مسألة الوجود الفلسطيني في لبنان على بساط البحث، الأمر الذي سيثير فوراً قضية التوازن الديموغرافي اللبناني. المعطيات، إذاً، لا تفتأ تتراكم وتتقاطع حول اقتراب موعد العبث بمصير فلسطينيي لبنان. وهذا، على أي حال، كان واضحاً من خلال الطوق العسكري الواسع الذي فرضته وحدات الجيش اللبناني على الفلسطينيين من سواحل الشوف والجنوب وصولاً إلى الجبال المحاذية للحدود السورية. كما هو واضح أيضاً من عمليات التعبئة الاعلامية الكثيفة التي بدأت تشنها جهات عدة، والتي لن يكون آخرها تنظيم “حراس الأرز” العنصري الذي أحيا فجأة شعاره الشهير خلال حرب 1975-1989 حول إبادة الفلسطينيين. 

ماذا في وسع فلسطييني لبنان أن يفعلوا؟ ليس الكثير في الواقع، فاللعبة أكبر منهم بكثير، وهي تشمل دولاً عظمى وكبرى ووسطى غرباً وشرقاً، لكن بإمكانهم على الأقل الحد من الخسائر عبر توجهين اثنين: رفض التحّول إلى كرة ملتهبة تتقاذفها أرجل القوى الاقليمية والدولية المتصارعة، والتحّرك لبناء اوسع العلاقات مع قوى المجتمع المدني والسياسي اللبناني لإحباط الجهود الراهنة الهادفة الى خلق شرخ بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، شبيه بذلك الذي تم خلقه بين الشعبين السوري واللبناني. 

قد لا يحقق هذان التوجهان معجزة إنقاذ الفلسطينيين من التحول إلى وليمة على المائدة شرق الأوسطية، لكنهما على الأقل قادران على إقناع الآخرين بأنهم (الفلسطينيين) لن يكونوا لقمة سائغة أو “وجبة مجانية” على هذه المائدة. 

_____________________

سعد محيو هو كاتب يقيم في لبنان. ورد هذا المقال في جريدة الخليج في 4 تشرين أول 2004.