طباعة

طـريقــي إلى صبــرا وشاتيـــلا

طـريقــي إلى صبــرا وشاتيـــلا

بقلم: نضــال حمــد

بيروت، برج البراجنة، السادس عشر من أيلول 1982: كنت في السادسة عشر من عمري عندما سمعت للمرة الأولى عن مجزرة صبرا وشاتيلا. كان صباحاًً مشمساً دافئاً ورطباً، وكان كأي يوم اعتيادي- في زمن غير اعتيادي – من أيام أيلول، في بيروت. كنت خارجاً من صيدلية عثمان وقد اشتريت المهدئات لوالدتي التي كانت على حافة الانهيار العصبي، بعد ثلاثة أشهر من القصف الإسرائيلي لبيروت الغربية. 

وفي الوقت الذي كانت تظن أن الأسوأ قد أصبح من ورائنا، اجتاح الإسرائيليون المدينة وضواحيها الجنوبية، ضاربين عرض الحائط بوعودهم للأمريكان بعدم القيام بذلك إذا ما انسحب مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية. ووفق بيان صادر عن تل أبيب، فإنه "لا يوجد أي خيار آخر أمام الجيش الإسرائيلي إلا الدخول من اجل حماية السكان من الكتائب اللبنانية الثائرة بسبب اغتيال زعيمها بشير الجميَل قبل يوم".

 

لكن الاحتلال الإسرائيلي لبيروت الغربية لم يدم طويلاً. فإسرائيل لم تكن مستعدة لمواجهة إصرار أهالي بيروت على مقاومة قوات الاحتلال، وبعد تصفية العديد من الجنود والضباط الصهاينة على أيدي المقاومة الفلسطينية والوطنية اللبنانية، قرر الجيش الإسرائيلي الانسحاب من المدينة بأسرع وقتٍ ممكن.  فتل أبيب لم تكن تريد التورط في حرب عصابات في مدينة تعداد سكانها يزيد على المليون نسمة. 

على أي حال، فإن إسرائيل التي ما فتئت تفخر بأكذوبة "طهارة السلاح"، وقبيل انسحابها، تورطت في ذبح 3000 فلسطيني، لبناني، سوري ومصري في مخيمي صبرا وشاتيلا.  إسرائيل أنكرت على الدوام مسؤوليتها عن القتل الرهيب للرجال، النساء والأطفال في المخيمين. ربما لم يشارك جنودها بشكل مباشر في القتل، ولكن كل من يعرف المخيمين ومحيطهما يعرف بأنهم كانوا يستطيعون مشاهدة وسماع صراخ الأطفال والنساء والرجال الذين يعدمون. هذا الحفل الدموي الذي نفذه سفاحو الجناح المتطرف للكتائب، استمر ليومين، وقد كان الإسرائيليون قد اتخذوا مواقعهم على أسطح المباني المشرفة على المخيمين. 

أثناء حصار بيروت، الذي دام 60 يوماً، أنا والعديدون مثلي الذين قررنا عدم مغادرة المدينة، طورنا نوعاّ من عدم الخوف. كان نوعاً من عدم الاكتراث بالموت، والذي عملت جاهداً على تنميته. والذي كان متجذراً في تربة من الشعور بالأمان، القدرية والإيمان الديني. وبعد مرور أسبوعين على بداية الاجتياح، في الرابع من حزيران، عزمت قراري على عدم السماح للقنابل الإسرائيلية بإخافتي. للمرة الأولى في حياتي، كان  بإمكاني ان أشعر بحضور الله. ومن انعكاس الوضع علي، توصلت لقناعة: بأنه من غير الممكن أن أخسر، فإذا مت سأصبح بجوار ربي، وإن لم أمت اكون قد نجوت من اسوأ ما تستطيع أن تقدمه دولة اليهود. الخطوة الثانية كانت التدرب على كيفية التخلص من خوفي، وقمت بهذا عن طريق "التسكع" بدون هدف في شوارع برج البراجنة، في الوقت الذي كانت فيه بيروت وضواحيها تتعرض لقصف عنيف. أحياناً ورغم احتجاج جدتي وعماتي- فقد كنت أظهر فجأة على مدخل بيوتهن حاملاً الخبز والحلويات، دون حاجتهم له، ولكني كنت بحاجة لعذر ومبرر لوجودي في الشوارع بينما الجميع مختبؤون في الملاجئ (والتي ظهر عدم منفعتها في مواجهة فنون الصواريخ والقنابل الأمريكية). 

بعد عدة أيام من تعريض نفسي للخطر نجحت بشكل كبير في تقليص خوفي (لم أستطع القضاء عليه بالمرة). لقد كان شعوراً مبهجاً ومحرراً. ولكن ما فاجئني على وجه الخصوص كان، أنه وأثناء تجربتي ، فقدت الغضب الكامن فيّ، خاصةً اتجاه الدول والشعوب العربية، التي كانت مشغولة بمتابعة مباريات كأس العالم لسنة 1982 الجارية في إسبانيا. وعلي أن أعترف، أن سكان بيروت أيضاً - والذين بغالبيتهم من مشجعي البرازيل أو ألمانيا – كانوا يتابعون المباريات عندما يكون هنالك استراحات من القتال. ولا زلت أذكر كيف أن المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين تجمعوا قرب المدرسة الثانوية للبنين في منطقة المعمورة في برج البراجنة وقاموا بوصل تلفزيون (أبيض وأسود) 9 بوصة ببطارية سيارة - كان الإسرائيليون قد قاموا بقطع التيار الكهربائي-، من أجل مشاهدة مباراة البرازيل – الأرجنتين، وعندما فازت البرازيل بنتيجة 3-1 ابتهجنا جميعاً كأننا حررنا فلسطين وتعالى إطلاق النار في الهواء تعبيراً عن البهجة، ولم يخف مشجعو المنتخب الألماني قلقهم من مواجهة فريقهم للعبقري سقراط - كابتن الفريق البرازيلي– وفريقه. وبعد أقل من ساعتين أعادنا القصف الإسرائيلي إلى الواقع، وبعنف. 

مع أن انتصاري الساحق على الخوف تخطى حصار بيروت، إلا أن انتصاري على الغضب لم يستطع ذلك، فقد عاد غضبي ليطفو على السطح وبحضورٍ أقوى هذه المرة بعد أن سمعت عن مجزرة صبرا وشاتيلا في 16 و 17 ايلول. والذي أخبرني عن المجزرة في ذلك الصباح المصيري كان مقاتلاًً فلسطينياً، أخبرني عن المجزرة في طريق عودتي من الصيدلية ومعي المهدئات لوالدتي. ما زلت أذكر وجهه، كان أشقراً وذو لحية قصيرة وعينان زرقاوان متعبتان. اسمه كان طارق. لقد أخبرني وبعض المارة بان الإسرائيليين وبعض اللبنانيين يقتلون الناس بالسكاكين والبلطات وبأنهم يقتلون الأطفال ويغتصبون النساء. في البداية لم أصدقه أو على الأصح لم أرد تصديقه. لذا عدت إلى البيت وقمت بتشغيل الراديو وأخذت في الانتقال من محطة لأخرى – البي بي سي، راديو مونتكارلو، صوت أميركا، صوت لبنان، صوت لبنان الحر، صوت لبنان العربي.. 

وفقط في الساعات المتأخرة من الليل أدركت أن شيئاً فظيعاً يحدث. ومشاهدة "القنابل المضيئة" تضيئ عتم مخيمي صبرا وشاتيلا عززت مخاوفي. - فقط بعد زمن سيعلم العالم أن مصدر هذه القنابل هو المحتل الإسرائيلي الذي أطلقها ليضيئ المخيمين ليتمكن وحوش الكتائب – والذين كان قسم منهم تحت تاثير المخدرات–  من رؤية طريقهم. لقد أمضيت بقية الليل على سطح المنزل قرب راديو الترانزيستور. وفقط في ساعات الصباح المبكرة بدأ راديو لبنان العربي بإذاعة استجواب لشهود عيان للمجزرة، وأن هنالك مصادر مختلفة أبلغت بحدوث مجزرة في صبرا وشاتيلا. وتم تأكيد الخبر لاحقاً في إذاعاتٍ أخرى. وفي الصباح أعلنت إذاعة لبنان الرسمية بأن الإسرائيليين وحلفائهم اللبنانيين قد انسحبوا من محيط المخيمين وأن الجيش اللبناني "العاجز" وقوى الأمن الداخلي قد أخذت بزمام الأمور هناك. وتدفق الصحافيون ومراسلو التلفزة اللبنانيون والأجانب إلى المخيمين.

وعند الظهر قررت أن أذهب وأشاهد بنفسي ما جرى. المخيمان كانا عل بعد ميلين من برج البراجنة لذا عزمت الرأي على أن أذهب سيراً. ما زلت أذكر المسار الذي سلكته: شارع الإمام علي (حيث كنت أسكن)، شارع عثمان، منطقة المنشية، شارع بعجور، حارة حريك، حي الغبايرة، دويرة المطار، نزلة السفارة الكويتية. لقد دخلت عبر المدخل الجنوبي لمخيم صبرا. ولقد كانت المنطقة تزدحم بالجنود اللبنانيين ورجال الصليب ألأحمر والهلال الأحمر والصحافيين، وانوفهم كانت مغطاة. وكما أذكر فقد رأيت جيفة حمار رمادي وقد اخترق الرصاص جسده وقد غطاه الذباب. وعلى بعد امتار عدة أسفل الطريق كانت ملقاة جثة رجل عجوز. وقد كان يلبس كما لو كنا في كانون الثاني: معطفاً من الصوف فوق جارزة . وهو أيضاً كان مغطً بالذباب باستثناء جزء واحد من جسده – رجله الخشبية. لقد شعرت بالغثيان ومع هذا قررت المتابعة.

اليوم وبعد تفكير، اتمنى لو أنني لم أكمل لأن ما رأيته سيستمر بملاحقتي حتى يومي الأخير. لقد رأيت امرأةً في منتصف عمرها ترقص بشكلٍ هستيري فوق كومةٍ من جثث الأطفال وتشد شعرها وتلطم وجهها وتغني بشكلٍ مبهم. ولقد حاولت الربط بين بعض الكلمات مما كانت تقول، ولكن الشيء الوحيد الذي استطعت فهمه هو "يا مشحّرة يا صبحية" والباقي كان مجرد أصواتٍ مبهمةٍ. وكان هنالك رجل ينشج من البكاء – اتوقع أنه زوجها او أخاها – كان يحاول إسكاتها لكن دونما نجاح. ما زلت أذكر وجهها الممتقع المجعد والدامي، شعرها الرمادي والحناء على ذقنها. وجوار كومة الجثث كانت تجثم امراةً أصغر في السن من السابقة، وكان وجهها مغطً بالتراب. فجأةً رفعت جسدها وبدأت بشق ثوبها إلى أن منعتها امرأة من الحضور. 

"الله ياخدك يا إسرائيل"، صرخت، "الله يحرقكوا ياعرب"، واجاب صوت آخر من بين الحضور    " انبسطت يا أبو عمّار، صدّقت اليهود والأمريكان؟!" . 

في تلك اللحظة قررت مغادرة المخيم، فلم أكن أستطيع ولا أريد أن أرى المزيد. غادرت وأنا اقاوم الدموع، وعند وصولي الى البيت، تسللت إلى غرفة والدتي، وقصدت علبة الدواء المهدئ.