ســـاعة فـــي صبـــرا وشاتيــــلا

 ســـاعة فـــي صبـــرا وشاتيــــلا

بقلم: د. بيـــان نويــهض- الحـــوت

في الذكرى الثالثة والعشرين لمجزرة صبرا وشاتيلا ما زال المجرمون الذين قاموا بارتكاب المجزرة، والذين ساندوهم، وسلحوهم، وقاموا بحمايتهم، وأدخلوهم الى المنطقة، ثم تمكنوا من الادعاء أمام العالم من أنهم "لم يروا ولم يسمعوا ولم يشاهدوا"، ما زالوا من غير محاكمة. وإن كان هناك من يكتفي بالتقرير الإسرائيلي الرسمي، ففي هذا التقرير نفسه ورد أن التقارير التي كتبها ضباط إسرائيليون إلى رؤسائهم لم تصل الى أيدي الكبار أمثال بيغن وشارون! إذا، فالسؤال الرئيسي "من المسؤول؟" ضاع مع ضياع محاكمة "عادلة".

 

وبعد أن تمكنت ـ بعون الله ـ من إصدار كتابي بالعربية عن صبرا وشاتيلا سنة 2003، ثم بالإنكليزية في السنة التي تلتها، سئلت مرات عديدة:  "كيف عشت أكثر من عشرين عاماً مع تفاصيل كل ما حدث"؟ أما السؤال في ثنايا السؤال فكان: "ألم تصابي بانهيار"؟ وجوابي كان أن معايشة التفاصيل هي حقاً تجربة عذاب متواصل، لكن الحقائق التي تتكشف من خلال العذاب والتأمل والمقارنة تستحق المعاناة؛ والواقع أنني ما عشت كل تلك السنوات مع التفاصيل، فجمع الشهادات والوثائق والأسماء وإجراء الدراسة الميدانية، كل ذلك استغرق السنوات الثلاث التي أعقبت المجزرة، قمت بعدها بإخفاء ما لدي من ملفات، وعدت الى حياتي الطبيعية من القيام بالتدريس الجامعي، وكتابة الأبحاث والمحاضرات.. وأما صبرا وشاتيلا، فما غابت عن البال، كانت معي في كل أيامي ورحلاتي، كنت أجمع كل ما أتوصل اليه من كتب ومقالات وحوارات ومعلومات؛ وشاءت الظروف أن أتفرغ للكتابة عن صبرا وشاتيلا، ما بين القرنين العشرين والواحد والعشرين. أما السؤال عن مجمل السنوات الطويلة التي عشتها مع صبرا وشاتيلا، فأجيب عليه بسؤال آخر: من قال إنني قد انتهيت حقاً؟ كلنا مسؤولون، ما دامت العدالة لم تأخذ مجراها، بعد. 

أما السؤال الثاني الذي كان يطرح علي باستمرار، فهو: "ما أهم ما توصلت إليه في بحثك، برأيك؟" فجوابي عليه هو أنني ما زلت أبحث، ولعل الأهم هو ما لم أتوصل إليه بعد؛ وأما المهم، فهو إرساء قواعد للكتابة عن تاريخنا ومآسينا وصمودنا من أجل غد أفضل، ومن أجل كل المضطهدين على هذه الأرض، من أجل الإنسان، وليس من أجل شعبنا وحده، كتابة موثقة، بحيث تسمح لكل باحث في المستقبل أن يضيف إليها. فهذا ما أرجو أن أكون قد توصلت إليه. 

صدر التقرير الإسرائيلي الرسمي في مجزرة صبرا وشاتيلا في 7 شباط 1983، وهو الشهير بتقرير كاهان، وليس موضوعنا كم لاقى هذا التقرير من ترحيب عالمي يهلل للديمقراطية في إسرائيل ـ سواء من قبل القلة التي قرأت التقرير او الأكثرية التي قرأت عنه ـ وليس موضوعنا أيضاً النقاط المتعددة التي وردت في التقرير مخالفة للواقع وللحقيقة، كالمسؤولية مثلاً، أو أعداد الضحايا، أو الاستنتاجات التي قال عنها إيلان هاليفي بأنها تخالف ما ورد في التقرير نفسه من معلومات.. الخ، فموضوعنا ينصب على نقطة واحدة فقط وردت في التقرير مخالفة بشكل سافر للحقيقة، ألا وهي موعد مغادرة المهاجمين القتلة من المليشيات اللبنانية أرض المجزرة.

من المتفق عليه أن المجزرة ابتدأت نحو الساعة السادسة مع غروب يوم الخميس الواقع في 16 أيلول 1982، وأنها استمرت طوال الجمعة وحتى يوم السبت. ولكن السؤال متى انتهت تحديداً في يوم السبت؟ إن تاريخ المجازر يعد بالساعات والدقائق، لا بالأيام او الأسابيع؛ والواقع أن المجزرة استمرت ثلاثاً وأربعين ساعة. 

وبينما كانت المجزرة في أوجها، عقد الجنرال رفائيل ايتان اجتماعاً مع مسؤولين في القوات اللبنانية الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين من بعد ظهر يوم الجمعة، وقد وافق إيتان على بقاء عناصر المليشيات اللبنانية حتى فجر السبت، وأما في تقرير كاهان، فقد ورد أنهم غادروا "المخيمات" نهائياً في الساعة الثامنة تقريباً من صباح يوم السبت! 

في الفصل الختامي من كتابي، الذي حمل عنوان "من المسؤول؟"، عالجت في البند الخامس منه بإسهاب الموعد الدقيق لانتهاء المجزرة في "شاتيلا الكبرى" (أما تفاصيل ما جرى في ذاك اليوم الثالث والأخير، ساعة فساعة، ورواية بعد رواية، فهي في فصل مستقل، كما اليومان الأول والثاني). يتضح لنا أنه على النقيض مما ورد في تقرير كاهان، فالقتلة لم يغادروا صباحاً، فهم كانوا قد ابتدأوا منذ الفجر بالصراخ على السكان وجرهم من بيوتهم نحو ساحة صبرا، وفي السابعة صباحاً كانوا يقودون الأطباء والممرضات الأجانب المتطوعين في مستشفى غزة من أجل استجوابهم، وعلى طول الطريق الممتد من ساحة صبرا، مرورا بشارع شاتيلا الرئيسي، كان السكان المتجمعون كالأغنام، يشاهدون فريق الأطباء، ويترقبون مصير الأطباء ومصيرهم بوجل. 

أما "المارش الكبير" للأهالي المعذبين، فقد انطلق في نحو الثامنة من ساحة صبرا، أي في الساعة التي أعلن التقرير أن المسلحين قد انسحبوا فيها، إذ أجبر السكان من نساء وأطفال ورجال على السير مع الإهانات المتواصلة، كان يطلب منهم الوقوف تارة، والجلوس تارة اخرى، ثم كانوا يؤمرون بالتجمع في الساحات، وعلى التلال الرملية قرب السفارة الكويتية، او التلال المقابلة لها بالقرب من حي عرسال؛ وبينما كانت الجرافات يسمع هديرها وهي تهدم البيوت أو تقلب جثث الضحايا مع التراب، وبينما كانت الجموع تسير، كان هناك من ينادي هذا الشاب او ذاك، لاقتياده نحو المجهول، كما كانت المحكمة الميدانية تقذف بهذا او ذاك وفقاً لأهوائها، إما في حفر الموت أو نحو المجهول (لم يعرف مصير المخطوفين والمفقودين حتى يومنا هذا). وأما من تمكنوا من الاستمرار في مواكبة "المارش الكبير" نحو المدينة الرياضية، فالكثيرون منهم قضوا في حقول الألغام التي خلفها وراءه الاجتياح الإسرائيلي. 

هناك العديد من الشهادات التي تناولت يوم السبت، فتحدث أصحابها عن استمرار المجزرة الى ما بعد الساعة الثانية عشرة في أماكن عدة، وإلى الواحدة بعد الظهر في مستديرة السفارة الكويتية. فالبحث أساساً قائم على التاريخ الشفهي؛ هناك مائة وأربعون مقابلة، اخترنا من شهادات أصحابها 46 شهادة، احتوت كل منها على مأساة عائلة او فرد، وقد ميزناها بتسميتها 46 رواية، ووزعناها عبر الفصول بتسلسل تاريخي، والرواية التاسعة والثلاثون تثبت لنا أن المجزرة كانت ما زالت في عزها قبيل الظهر،  والراوي هو الوحيد الذي نزل فعلا الى حفرة الموت وخرج منها، ولولا ذلك لما تمكن من الإدلاء بشهادته.

(الرواية أدناه مأخوذة عن الشهادة رقم 16، وقد قمت بالمقابلة مع الشاهد بتاريخ 16 شباط 1983. وهو الحاج محمود، عامل فني، من سكان صبرا، في نحو الخمسين من عمره. وقد حذفت للإيجاز عدداً من المقاطع والجمل، من الشهادة المنشورة، ووضعت مكانها أربع نقاط، وأما ما كان محذوفاً أساساً من شهادته الأصلية، فبقي على حاله). 

"حفرة الموت" 

المكان: قبالة السفارة الكويتية.

الزمان: الساعة الحادية عشرة ظهراً من قبل ظهر يوم السبت، في الثامن عشر من أيلول 1982. 

المشهد العام أشبه بيوم الحشر.

جموع بالمئات تنتظر دورها للتحقيق. أو للرمي بها في حفر الموت من دون تحقيق، أو لاستكمال سيرها في "المارش الأخير" نحو المدينة الرياضية.... 

وكان هناك ليس بعيداً عن التحقيق، وغير بعيد عن نظر الإسرائيليين بالعين المجردة، أكثر من حفرة أطلق عليها الشهود حفر الموت....  

من أعماق تلك الحفرة الكبرى، تكتسب رواية الحاج محمود أهميتها، فهو الوحيد ـ بحسب ما نعلم ـ الذي نزل إلى "حفرة الموت" وخرج منها، ولذلك تكلم.... 

سمع الحاج القاتل او المحقق يقول:

"تعال.. انت تعال.. ولاه يا حاج. شو بتشتغل ولاه حاج؟ ...."

لا يتذكر الحاج سوى انه قال بعفوية:

"خادم بيوت الله...."  

لم يتكلم المحقق. وإنما قام بحركة معيبة في يده، وكان الطابور قد أصبح قريباً من الحفرة الكبرى كما يردد الحاج، ثم "تكرم" ودفع بنفسه الحاج الى تلك الحفرة.

يروي الحاج:

"كان في 17 واحد قبلي بالجورة، وأنا كنت 18.... كانت الجورة بشكل دائري بشكل صحن. كيف شكل جاط الشوربة الغميق على السفرة؟ كانوا طامينها رمل، والرمل ما مبين رمل، كان صاير متل العجين الجامد قد ما مقتلين بالجورة ناس. والوحل بأرض الجورة يا ريته ناشف، كان طري من كتر الدم. وكان قريب من الجورة أربع ملالات عسكرية.... 

"شوب يومتها، نار حريق جهنم يومتها، والعرق يكدنا كد. كنا من الصبح عم نمشي، وهلق كانت الساعة صارت تقريباً 11.... وصار يدعس على راسي ويقولّي: ’يا ويلك يا اخو هيك وهيك اذا بترفع راسك سنتمتر واحد، لحتى خلّيك متل المنخل.‘ معو كلاشن ومخزنين. شو بدي إحكي. أنا خلص تشهدت....

"أصعب شي شفته، بقصد أصعب شي مر عليّ إني كنت رح اختنق من الريحة، من ريحة التراب المجبول بالدم. ريحة بني آدم زنخة بشكل لا يوصف.... وما قادر اتحرك هيك وهيك، كان فوق راسي، كانت رجله بالبوط عم تكسرلي راسي.... الدشداشة بعدها كلها دم من الأرض، بعدني تاركها.

"وكان يرجع يصيح فيي: ’خلّي بيت الله ييجي يفيدك يا اخو هيك وهيك." .... ويرجع يسألني: طيب ولاه شو اسمك؟‘ وراحت مني عفوية، قلتلّو: ’اسمي محمود حسن‘. ما قلتلّو اسمي الحقيقي. وما بعرف ليش ما قلت اسمي وانا على حفة الموت. 

"آه.. في شي كتير مهم لازم خبره. أنا وعم انزل بالجورة ضربت عيني بواحد أنا بعرفو وهو ولد صغير. اسمه الياس. وكنت انا شاغل مع أبوه، وهني في الزمانات جايين على بيتي، وانا رايح عندهم على بيتهم، وآكل وشارب، وأبوه بعزني كتير. لكن مع ذلك كان أبوه مع الكتايب، فلما تغيرت الدنيا ما عدت شفته. ومرت سنين. وكبر الياس. وهلّق كان واقف مع شباب كتار من القوات....

"وما سمعت غير صوت الياس عم يقلّو: ’دخلك يا روبير، ببوس رجليك.... هالخدمة يا روبير‘، قّلو: ’شو بدك؟‘ قلّو: ’هيدا الحاج، آخر واحد، دخيل عرضك هيدا مربيني، رايحين على بيتهم انا وبيي وامي وآكلين خبز وملح. ما بنسالك ياه هالجميل. دخيل عرضك يا روبير‘.

"يا روبير! هيدا الاسم ما بنساه طول حياتي. الله لا يوفقه. راح قلي: قوم يا اخو الهيك وهيك....‘. نكشني وخلعني من كتفي، رحت ارتميت بالأرض.قلّي الياس قوم خلصني اركض ما في حدا هلق. ومشينا.... 

"وما مشينا أول خطوة والتانية والتالتة حتى سمعنا صوت القواص  ’تو تو تو تو تو ..‘. درت وجهي على الجورة، ورحت وأنا واقف ومتجمد. كانوا عم يقوصوهم كلهم. جمدت خلاص.... ". 

* * * * *

لم تنته شهادة الحاج محمود مع نجاته من الموت المحقق، فهو الشاهد أيضاً على استمرار المارش الكبير، والتحقيقات الإسرائيلية، وانفجار الألغام، واستمرار عمليات القتل حتى الواحدة ما بعد الظهر.

* * * * *

المنهج الإحصائي بدوره يؤكد ما أثبته منهج التأريخ الشفهي. بلغ عدد ضحايا المجزرة بالأسماء الموثقة 906 ضحية، وبلغ عدد المخطوفين والمفقودين 484 مخطوفاً ومفقوداً (أما مصادر الأسماء المنشورة في ملحق لوائح الأسماء فهي سبعة عشر مصدراً)، وما كان ممكناً التوصل إلى جميع الأسماء، في ظل التعتيم الكلي على المجزرة، وخاصة في الثمانينات، ولذلك، فالأعداد التقديرية كما أثبتناها من خلال مقاربات وبراهين متعددة، بلغ حدها الأدنى 3500 ضحية. 

الدراسة الميدانية التي أجريناها في ربيع 1984، شملت 430 ضحية و100 مخطوف، وقد تمكنا من معرفة المكان والزمان بالنسبة الى كل ضحية او مخطوف، ما ساهم في معرفة النسب في كل من الأيام الثلاثة. اتضح ان نسبة الضحايا كانت الأعلى في اليوم الأول، على الرغم من ساعات الليل الأولى المعدودة، فبلغت النسبة 56،51 %، ثم تدنت هذه النسبة في اليوم التالي الى 29،77%، إلى 13،72% في اليوم الثالث. 

أما نسب المخطوفين والمفقودين فتنسجم مع منطق الأحداث ومع التاريخ الشفهي، إذ أنها على العكس من نسب القتل، ابتدأت قليلة وارتفعت حتى بلغت يوم السبت ذروتها؛ في اليوم الأول بلغت عمليات الخطف 8 % فقط، وارتفعت في اليوم الثاني الى 33 % لتصل الى 59 % في اليوم الثالث، يوم السبت. 

أما مجموع عمليات القتل والخطف معاً، فكانت نسبتها في اليوم الأول 47،36 %، وفي اليوم الثاني 30،38 %، وفي اليوم الثالث 22،26 %. 

وأما بلغة الأرقام فنسبة اليوم الثالث تبلغ 118 ضحية من مجموع العينة التي خضعت للدراسة الميدانية؛ وتبلغ 309 ضحايا من مجموع لوائح الأسماء الموثقة من سبعة عشر مصدرا. ونكتفي بالأسماء والأعداد الموثقة دون التطرق الى الأعداد التقديرية، لاحتمال الاختلاف من حولها بين محلل وآخر.

فهل يـُعقل أن يقتل ويخطف ثلاثمائة وتسع أشخاص خلال ساعة او ساعتين من الزمن، وبينما المهاجمون القتلة على أهبة الرحيل؟

وعودة إلى تقرير كاهان، لو سأل القاضي يتسحاق كاهان عدداً كافياً من الجنود والضباط الإسرائيليين الذين حاصروا صبرا وشاتيلا في منتصف أيلول 1982: متى غادر القتلة أرض المجزرة؟ لعرف الجواب الأقرب الى الصحيح، مهما تتناقض الأقوال. 

يكفي عذاباً للضحية أنها قتلت ظلماً، أما أن يتم تجاهلها، فذاك هو القتل الثاني الأكثر همجية، وذاك هو قتل الحق والحقيقة، والروح الإنسانية.  

_________________

د. بيان نويهض-الحوت من مواليد القدس عام 1937. عملت كأستاذة جامعية في كلية الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة اللبنانية (1979 – 2001) وتفرغت بعدها للبحث.  لنويهض-الحوت العديد من الإصدارات منها " فلسطين (القضية ـ الشعب ـ الحضارة) التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى 1917" (بيروت، 1917)؛ "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948" (بيروت، 1981)؛ "الشيخ المجاهد عز الدين القسام في تاريخ فلسطين" (بيروت، 1987)؛ "صبرا وشاتيلا: أيلول 1982" (بيروت، 2003) وصدرت النسخة الانكليزية منه في لندن 2004..