طباعة

الســؤال يــدور حــول نــوع ثنائيــة القوميــة

بقلم: ميــرون بنفنســـتي 

في خضم التصريحات المنعشة التي تعالت في الايام الأخيرة، تكررت التحذيرات من كل الأطياف السياسية - من عامي أيلون وحتى اهود اولمرت، ومن المبادرين الى اتفاق جنيف حتى المثقفين اليهود في الولايات المتحدة - بأن اسرائيل تواجه خطرا ينطوي على امكانية انتهاء الدولة اليهودية، وهو خطر الدولة ثنائية القومية. خلال سنوات قليلة ستكون هناك اغلبية فلسطينية بين النهر والبحر والوضع يصبح حسب قول اولمرت بأن: "أعدادا متزايدة من الفلسطينيين قد عزفت عن حل الدولتين لشعبين" والنتيجة حسب رأيه هي: "كارثة: دولة واحدة للشعبين".

 

ويرفض الرأي العام الاسرائيلي هذا الخيار بأغلبيته الحاسمة، والقطاع الاكاديمي يندد بثنائية القومية بنفور واشمئزاز إذ يقول انها لم تحل أي نزاع وانها ليست ناجحة في أي مكان باستثناء سويسرا. المعارضة للفكرة حادة ومنفعلة لدرجة يصعب فيها معرفة نوع النظام المقصود وماذا يمكن ان يعني مصطلح "دولة واحدة لشعبين". فالتمعن في الأنظمة المختلفة التي تدخل ضمن هذا النموذج سيظهر انه قد يكون خيارا مرضيا ولائقا لمن يعتبرون ثنائية القومية مسألة كارثية. 

العلاقة بين فقدان الاغلبية الديمغرافية اليهودية وبين الخوف من مطالبة الفلسطينيين بحق التصويت المتساوي ("شخص واحد - صوت واحد") - سيؤدي الى إنهاء الدولة اليهودية - تشير الى ان نمط النظام المحسوب على ثنائية القومية وهو نظام ليبرالي كلاسيكي ذو حقوق فردية في دولة مركزية وموحدة ومن دون التطرق للحقوق العرقية الجماعية. هذا هو نمط النظام الذي حل محل نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا، وهو يطبق بنجاح نسبي حاليا. اذا نجح الفلسطينيون فعلا في إجبار الاسرائيليين (كما نجح السود في جنوب افريقيا) على فرض مثل هذا النظام فان نهاية الدولة اليهودية ستحدث في اطار الهيمنة العرقية والحقوق الوطنية المفرطة والمتميزة.

ولكن، من الصعب افتراض حدوث مثل هذا الامر، ذلك لان الديمقراطية الليبرالية تسود اليوم في اسرائيل (من دون المناطق [الفلسطينية المحتلة]) إلا ان الجالية اليهودية حرصت على فرض "ديمقراطية عرقية" حددت للعرب مكانة المواطنين من الدرجة الثانية. الخوف من فقدان الاغلبية يتمخض منذ اليوم عن خطط  لمكافحة هذا الخطر مثل مشاريع زيادة التكاثر والولادات اليهودية وإعطاء حقوق الانتخاب لليهود في الخارج. احتمالية تطبيق النموذج الليبرالي ضئيلة، إلا ان الجهود المبذولة لاعتباره النموذج الوحيد لثنائية القومية مغرض ويهدف الى تحويل النقاش نحو بدائل أكثر جاذبية. مثل هذا البديل هو نظام يعترف بالحقوق العرقية القومية الجماعية ويتعاون مع النظام الحاكم على المستوى القطري المركزي مع حقوق سياسية محددة للأقلية واحيانا تقاسم اقليمي - كانتوني للارض. هذا النموذج المسمى "ديمقراطية تسووية" لم ينجح في اماكن كثيرة. إلا انه طبق بنجاح مؤخرا كوسيلة لحل نزاعات عرقية - وطنية مثل البوسنة وايرلندا الشمالية. 

هذه مادة لتفكير اولئك الذين يرفضون خيار الدولة ثنائية القومية: لماذا تصمد أنظمة الحكم القائمة على "دولة واحدة لشعبين" بأساليب مختلفة (جنوب افريقيا، البوسنة، ايرلندا الشمالية)، أما اتفاقات مثل اتفاقية اوسلو (القائمة على التقاسم الاقليمي) فقد إنهارت رغم انها عقدت في نفس الفترة؟. خيار المشاركة في الحكم والانقسام لكانتونات فيدرالية يقترب من نموذج التوزيع الاقليمي ("دولتين") إلا انه يحجم عن القيام بعملية جراحية، ولذلك يسمح "بحدود لينة" ويتمخض عن طمس مقصود ويسهل معالجة القضايا الرمزية في قضية القدس وحتى اللاجئين والمستوطنين. الاعتراف المتبادل يسمح بالحفاظ على الطابع الوطني - الثقافي على المستوى القطري ايضا والحفاظ على التجمعات السكانية المتجانسة قوميا. كل هذا طبعا مشروط بأن يكون الاعتراف متبادلا ومتماثلا فعلا. 

اولئك الذين لا يعترفون بالمساواة بين الطوائف يقترحون نموذجا ثالثا للدولة ثنائية القومية (رغم انهم يصرخون ضد الفكرة): حكم ذاتي محلي ثقافي ومدني من دون حق الانتخاب للكنيست. هذه هي نفس خطة الحكم الذاتي الأصلية التي طرحها بيغن أو "التقاسم الوظيفي" لموشيه ديان وشمعون بيرس (هذه الخطة المطبقة اليوم على صورة السلطة الفلسطينية). لهذا النموذج صورة اخرى وهي "الدولة الفلسطينية" كما تظهر حسب مسار الخط الفاصل: اربعة كانتونات تحت السيطرة الاسرائيلية غير المباشرة. هذا ايضا نموذج للدولة ثنائية القومية تحت ستار التقسيم لدولتين. 

وهناك نموذج رابع يمكن تسميته: "ازدواجية قومية غير معلنة"، أي دولة واحدة تحت سيطرة مجموعة قومية مهيمنة تمنع المجموعات القومية الاخرى من حق التصويت وتخضع لقوانين "الأصليين فقط" المسماة (من اجل تشريفات القانون الدولي) "حكم عسكري". الراحة الكامنة في هذا النموذج هي امكانية استخدامه لمدة محددة والتجادل في هذه الاثناء حول "تهديد الدولة الواحدة" وايجابيات "الدولتين" من دون فعل أي شيء. هذا هو الوضع القائم اليوم، إلا ان العملية مسألة لا بد منها على ما يبدو. اسرائيل والفلسطينيون غارقون معا في وحل "الدولة الواحدة". المسألة لم تعد تدور حول التحول الى دولة ثنائية القومية أم عدمه وانما حول أي نوع ونموذج من هذه الدولة الواحدة. 

________________

ميرون بنفينستي هو جغرافي ومؤرخ ومحلل سياسي. شغل سابقا منصب نائب رئيس بلدية القدس بين أعوام 1971-1978. أسس في العام 1982 برنامج بنك المعلومات حول الضفة الغربية واداره بنفسه. بنفينيستي هو كاتب دائم في جريدة هآرتس الاسرائيلية، وله العديد من المؤلفات حول الصراع العربي-الاسرائيلي. نشر هذا المقال في جريدة هآرتس الاسرائيلية في 20 تشرين ثاني 2003.