طباعة

مشروع الدولة ثنائية القومية كمطلب فلسطيني مرغوب

مشروع الدولة ثنائية القومية كمطلب فلسطيني مرغوب

بقلم: د. اسعد غانم

يعتقد بعض المعلقين والسياسيين بأن استمرار الحديث عن الدولة الواحدة-المشتركة للاسرائيليين والفلسطينيين هو من سبيل العبث، خصوصاعلى ضوء خروج اسرائيل من غزة ونجاح مشروع الفصل من طرف واحد. يبرز بين هؤلاء بشكل خاص بعض الزملاء الذين نادوا بهذا المشروع قبل مشروع الفصل وعلى ضوء فشل مشروع اوسلو. وللحقيقة ليس واضحا لي ما هو المنطق الذي يقوم وراء هذا التردد بعدما اصبح واضحا بأن اسرائيل وشارون برئاسة وزرائها يعرض حلا لا يؤدي الى حل اية قضية من قضايا الحل المؤجلة (القدس، المستوطنات، والحدود، واللاجئين وحتى مسألة السيادة الكاملة) بل يعرض حلا منقوصا مبنيا على اساس اقامة دولة فلسطينية في غزة وفي 40-50 بالمائة من مساحة الضفة الغربية الاجمالية، مع استمرار اسرائيل في تحكمها بالغلاف الخارجي لهذا الكيان المشوه واستعمالها القوة الغاشمة في حال خرق الفلسطينيين لأية "خطوط حمراء" يحددها الاسرائيليون أنفسهم.

اذا اقتنعنا كفلسطينيين (وهذا امر واضح كالشمس في كبد السماء) بأن المعروض من قبل شارون واسرائيل في هذه المرحلة لن يلبي في سقفه الاعلى أي تطلع فلسطيني وطني يتعامل مع اقامة دولة في الاراضي المحتلة كلها وحل القضايا المعلقة المذكورة سالفا، فأننا في المقابل يجب ان نجتهد في بلورة حل يتحدى إرادة شارون ويكون انسانيا واخلاقيا، لنا ولليهود، أكثر من أي حل تطرحه اسرائيل على الفلسطينيين.

ومع الوعي الكامل بأن القيادة الفلسطينية وربما غالبية الفلسطينيين لا زالوا يراهنون على حل الدولتين، فإن مؤيدي الدولة الواحدة، ثنائية القومية، يجب ان يصروا على عرض تصورهم كبديل فلسطيني لحل الدولتين في حال تعثر هذا الحل (وهذا امر محتوم) وان لا نترك الباب مفتوحا لان يكون حل شارون هو الحل البديل المقبول من قبل بعض الفلسطينيين متذرعين بالبرغماتية و"المناخ الدولي" و"ميزان القوة" وما الى اخره من اعذار لقبول ما يعرضه علينا الاخرون بدون اي طرح استراتيجي بديل.

إن حل ثنائية القومية هو ممكن ويجب ان يكون مرغوبا فيه اذا ما أخذنا في اعتبارنا المسائل التالية:

أولا: حل ثنائية القومية ليس مطروحا لكي يتم تسويقه حالا، بل يجب ان يطرح كحل بعيد المدى يتم تطويره على ضوء وصول حل القضية الفلسطينية من خلال دولة في الضفة والقطاع ذات سياده كاملة، الى طريق مسدود. واستمرار لذلك يقوم البعض بالاشارة الى ان حل "ثنائية القومية" هو نظري،على اعتبار انه لا يمكن تطبيقه. فأذا كان هذا صحيحا فما هو الحل الممكن تطبيقة؟ يجب ان نجيب وبصراحة على هذا السؤال: هل اقامة دولة فلسطينية على كامل الضفة والقطاع هو امر ممكن؟ والحقيقة ان مواجهة هذا السؤال هي احدى الطرق للوصول الى القناعة بأن فكرة ثنائية القومية هي اكثر واقعية من فكرة الدولة القومية، على اعتبار ان الدولة في الضفة الغربية والقطاع هي امر ممكن اذا قبل الفلسطينيون بدولة منقوصة تقوم على جزء من الاراضي المحتلة عام 1967. في المقابل، من الواضح بأن الواقع في كل فلسطين التاريخية هو واقع ثنائي القومية يجب تطويره لكي يترجم الى مبنى سياسي متساو للإسرائيليين والفلسطينيين.

ثانيا: يفترض من يؤيد مبدأ اقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع ان الفلسطينيين في اسرائيل سوف يستمرون في العيش كمواطنين وبامكانهم ذلك من خلال الاطار الاسرائيلي. لكن في حكم المؤكد ان مشاكل الفلسطينيين في اسرائيل تنبع من جهل اولي باستحالة حل مشاكلهم في الاطار الاسرائيلي الذي يستثنيهم كمتساوين ويعاملهم كغرباء وكأعداء في كثير من الاحيان. من جهة اخرى، لا يمكن حل مشاكلهم في وضع تستمر فيه قطيعتهم السياسية والثقافية مع باقي ابناء الشعب الفلسطيني. وبالتالي، فإن حل مشاكلهم او تطوير امكانية نظرية لتطوير وضعهم وحل مشاكلهم يجب ان يأخذ بالحسبان ضرورة تغيير جوهر مكانتهم في اسرائيل وبين الفلسطينيين. هذا ممكن فقط في دولة ثنائية القومية يكون فيها الفلسطينيون في اسرائيل مواطنين متساويين من جهة وجزءا من المجموعة الفلسطينية من جهة اخرى، بحيث يتم تجاوز كونهم اقلية عددية ضعيفة، ويقوم انتماؤهم وتواصلهم السياسي مع الجزء الفلسطيني الذي يعيش في الضفة  والقطاع بمساندتهم وتوسيع مجال تطورهم الحياتي. وفقط في اطار كهذا من الممكن ان تكتمل هويتهم من ناحية المواطنة ومن ناحية الانتماء الوطني.

ثالثا: يفترض مؤيدو حل اقامة دولة في الضفة الغربية والقطاع ان اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المجاورة سوف يجدون حل لوضعهم في إسرائيل او يقومون في مراحل متأخرة بالهجرة الى الدولة الفلسطينية المستقبلية. هذا الموقف غير ممكن اذا اخذنا في حساباتنا ثلاثة اعتبارات: الاول، ان اسرائيل تشترط في مسار موافقتها على اقامة سلطة فلسطينية الا تقوم هذة السلطة بفتح ابوابها للاجئين الفلسطينيين على اعتبار ان هذا الامر قد يساهم في تغيير الميزان الديموغرافي الفلسطيني- الاسرائيلي بسرعة. الثاني، ان هؤلاء اللاجئين في غالبيتهم قد هجروا من مناطق تقوم عليها دولة اسرائيل. والثالث ان هؤلاء لا زالوا يعانون من سياسة تمييز قاسية في اماكن شتاتهم في العالم العربي ولا زالوا يفتشون عن مخرج لأزمتهم، والا فما هو التفسير لقيام اعداد كبيرة من الشباب اللاجئ بالهجرة خلال السنوات الاخيرة الى الدول الغربية وخصوصا اوروبا. اذا اخذنا هذه الاعتبارات في حساباتنا يجب علينا ان نفتش عن حل سياسي للمشكلة الفلسطينية يضمن لهؤلاء، نظريا على الاقل، امكانية عودتهم الى ديارهم الاصلية. هذا الامر ممكن فقط من خلال دولة ثنائية القومية تقوم على اساس المساواة وحق التكافؤ. فإذا كان لاسرائيل "الحق" في هجرة ملايين "اللاجئين" من اليهود اليها منذ سنة 1948 فيجب ان يسمح في اطار الدولة ثنائية القومية بان يقوم مئات الاف اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى قراهم او على الاقل الى مناطق قريبة من قراهم الاصلية.

رابعا: يقوم بعض المعارضين لفكرة ثنائية القومية الداعين الى دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بالترويج الى أن اسرائيل وغالبية اليهود لن ترضى بهذا الحل على اعتبار انه سوف ينهي فكرة دولة اليهود "النقية". هذا الطرح هو بالتأكيد صحيح لكن يجب في هذا الاطار ان نفكر في مسألتين، الاولى هل اسرائيل واليهود يوافقون على اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في الضفة والقطاع؟ وهل الدعوة الى هذا الحل اخذت بالحسبان موافقة اسرائيل واليهود المسبقة؟ ام انه طرح كحل قد تجبر اسرائيل على القبول به؟ والثانية، الحلول للمشاكل القومية والاثنية لم تكن في اية حال بموافقة الاغلبية او المجموعة المسيطرة، بل كانت عنوة ورغما عن موقف المجموعة القومية المسيطرة وهذا بالضبط ما حدث لكل حركات التحرر الوطني، وهذا ما حدث مؤخرا "للابرتهايد" في جنوب افريقيا. وبالتالي، فإن تطوير وتنفيذ فكرة ثنائية القومية امر لا يتطلب موافقة اسرائيل في هذة المرحلة، بل موافقة فلسطينية واسرائيلية في نهاية المرحلة التي قد تمتد الى عشرات السنين.

خامسا: يقوم بعض المعارضين لفكرة ثنائية القومية بالادعاء بان هذة الفكرة تجهض المشروع الوطني الفلسطيني، وتاتي هذة المعارضة من اتجاهين: الاول، يضم الذين يؤيدون اقامة دولة في الضفة والقطاع على اعتبار ان هذة الدولة هي المشروع الوطني الفلسطيني. وعلى هؤلاء يكون الرد بان، الدولة ثنائية القومية هي ليست اجهاضا لفكرة المشروع الوطني الفلسطيني، بل هي توسيع له بحيث يشمل الفلسطينيين في اسرائيل (اضافة الى عودة اللاجئين) ويقوم على كامل فلسطين الانتدابية مع الاخذ بالحسبان بان المجموعة القومية الاخرى اليهود، تستحق نفس الدرجة من المكانة.

والثاني تيار يؤيد دولة فلسطينية علمانية مدعيا بان ثنائية القومية هي مسالة لا تأخذ بالحسبان الانتماء الوطني الفلسطيني وقوته. وهذة مغالطة يجب توضيحها كما يلي: اولا الدولة العلمانية-الديموقراطية هي ليست دولة قومية ولا وطنية، بل هي دولة المواطنة وليس القوميات، وبالتالي فهذا الحل هو الاجهاض للانتماء الوطني الفلسطيني ولفكرة المشروع الوطني. ثانيا، بعض الذين يروجون لفكرة الدولة العلمانية يقصدون دولة فلسطينية وطنية وليست دولة المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية، وبالتالي فهم يستعملون مصطلحا ليس بمكانه وهذا امر يجب تصويبه. كما وانهم بالاساس لا يعترفون بوجود مجموعة قومية يهودية-اسرائيلية تستحق مشروعا وطنيا. وهذا تغاض عن الواقع في اسرائيل. ففي الوقت الذي نحسد اسرائيل فيه على تماسك مجتمعها اليهودي ونقوم بـ "التوسل" امامها باعطائنا بعض الحقوق كيف يمكن ان ننكر تماسكها القومي وحقها في التعبير عن نفسها كمجموعة قومية؟

هذا التعبير اذا كان مرفوضا في دولة يهودية مستقلة، وهذا بالطبع امر مرفوض من وجهة النظر العربية والفلسطينية الملتزمة، فأنه يجب ان يكون مقبولا في دولة مشتركة ثنائية القومية ومتساوية. وبالتالي فإن العمل والدعوة الى اقامة الدولة ثنائية القومية يجب ان يأخذ بالحسبان المسائل التالية: أولا: ان "اليهود في اسرائيل" هم مجموعة قومية يجب التعاون معها لاجل اقامة دولة ثنائية القومية. وثانيا، أن اقامة الدولة الثنائية (لا يهم هنا متى سوف يحصل ذلك) هو اقرار بأن مستقبل الشعب الفلسطيني يختلف عن باقي الشعوب العربية ولا يتناسق مع فكرة الوحدة العربية والتكامل العربي، بل يجب على الفلسطينيين القبول بهوية وانتماء يتلائم مع الدولة ثنائية القومية مع عدم اغفال ضرورة التواصل الفكري والحضاري وليس السياسي مع العالم العربي. 

ثالثا، إن الوصول الى دولة ثنائية القومية لا يتطلب بالضرورة ان يطالب الفلسطينيون في الضفة والقطاع بالحصول على الهوية الاسرائيلية، كما يعتقد البعض، بل ان يكون هذا ممكنا في ظل نشوء حاجة للتعاون بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية (أو اي كيان فلسطيني لاحق) في مجالات مختلفة والعمل على اقامة لجان وهيئات مشتركة قد تتطور باتجاه اطار ثنائي القومية يتم العمل به بمضمون المواطنة والمشاركة المتساوية في مراحل متأخرة. رابعا، الفلسطينيون في اسرائيل مطالبون بالبحث عن امكانيات للتواصل الثقافي، الحضاري، الاجتماعي، النقابي، الاقتصادي والسياسي مع الفلسطينيين تحت حكم السلطة الوطنية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين في الضفة والقطاع تشجيعهم على ذلك، من حيث اشتراكهم بشكل مكثف في فعاليات واطر تقام تحت السلطة الفلسطينية والعمل في  بلداتهم لاجل تشجيعهم على التواصل.

واخيرا، اذا كان حل اقامة الدولة ثنائية القومية، على اساس الاعتبارات المذكورة هو الحل القادر على حل اشكاليات صعبة تواجه الشعب الفلسطيني، فيجب ان لا نسوقه فقط كاننا مجبرين على القبول به بسبب تعثر اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقطاع: بل يجب ان يكون حلا نتطلع اليه، ندعو له ونسوقه. واول المطالبين بذلك هم المثقفون والساسة الفلسطينيون الذين يرون الواقع واشكالاتة ويرون بأن الدولة الواحدة المشتركة، الاسرائيلية الفلسطينية، هي امر مرغوب به يجب العمل لاجل تحقيقه، وان الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع في افضل تجلياتها لن تحل القضية الفلسطينية، بل قد تساهم فقط في حل قضية الفلسطينيين في الضفة والقطاع وليس المشكلة الفلسطينية بمجملها. ويؤدي هذا الحل بالضرورة الى تجزئة ابدية للمشكلة الفلسطينية وللفلسطينيين انفسهم الذين سوف يصبحون مجبرين على حل مشاكلهم في اطر سياسية مختلفة.

لذا، يجب العمل الان وبسرعة على تسويق مشروع دولة ثنائية القومية كمشروع مرغوب به فلسطينيا وعلى انه المشروع الوحيد القادر على تحدي الدولة المنقوصة والمعروض من قبل اسرائيل. كما يجب تسويقه سياسيا كالمشروع الوحيد القادر على التعامل مع التحديات السياسية والاستراتيجية التى تواجه الشعب الفلسطيني. وبهذا فانه من المؤكد بان هذا الطرح هو الوحيد القادر على تجنيد مجمل ابناء الشعب الفلسطيني لتحقيقه اضافة الى كونه اكثر الحلول عدالة وواقعية.

______________________

د. أسعد غانم هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا. لغانم العديد من الإصدارات البحثية حول الصراع العربي الإسرائيلي والفلسطينيين داخل إسرائيل.