بيــن جوهــر إسرائيـــل وتجزيئيـــة الحلـــول

بيــن جوهــر إسرائيـــل وتجزيئيـــة الحلـــول

بقلم:أميـــر مخـــول
لم يبدأ الطابع الكولونيالي لإسرائيل بعد حرب 1967. فإسرائيل كدولة هي في حد ذاتها نتاج مشروع كولونياليّ. بل هي المشروع ذاته. وهي لم "تُصبح" أكثر صهيونية بعد العام 1967. وليست الممارسات الاحتلاليّة في هذه الحقبة أكثر صهيوينة في جوهرها من ممارساتها منذ أقيمت أو في الحقبة التمهيدية لقيامها فالسيطرة على الارض العربية بالقوة من أجل تهويد الجليل، وإقامة بلدات إسرائيلية لمنع التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية في الداخل، سياستان لا تختلفان في الجوهر عن السيطرة على الضفة الغربية وإقامة مستوطناتٍ فيها.

 

إن الاختلاف، في الواقع، موجود فقط في تعاملنا نحن مع الجوهر الإسرائيليّ، الذي نحاول تجزئته على مقاس حالتنا المجزأة كشعب. ونتيجة القبول بالحالة التجزيئية هي القبول، مثلاً، بشرعية مصادرة الأراضي الفلسطينية داخل الخط الاخضر وإقامة البلدات الإسرائيلية هناك، في حين نطعن بشرعية الفعل ذاته خارج الخط الاخضر: فنسمي كرمئيل في الجليل بلدةً أو مدينة، بينما نسمي ارئيل في الضفة الغربية مستوطنةً! نحن، إذن إزاء وعي تجزيئي يقبل الكولونيالية داخل الخط الاخضر، ولا يعتبرها كذلك إلا خارج هذا الخط، مع ان إسرائيل تتعامل في الحالين بالمعيار نفسه. 

إن الغبن التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني لا ينحصر في إسقاطات الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967، بل هو أساساً في نكبة عام 1948. فقيام دولة إسرائيل هو في حد ذاته مركبٌ أساسي من الغبن التاريخي المستدام، أما جوهرها كدولة يهودية ودولة اليهود فيزيد من هذا الغبن، ولا مقومات داخل المجتمع الإسرائيلي لأي تراجع عن هذا الجوهر: فاليسار الاسرائيلي استفاد من المركب الكولونيالي لإسرائيل ومن طابعها اليهودي، كما استفاد اليمين، وكلاهما استغل امتيازات اليهودي التي وفرتها له الدولة على حساب الثروة المادية والروحية الفردية والجماعية للشعب الفلسطينيّ. ويتمسك اليسار، كما اليمين، بهذه الامتيازات وهذا أساس مادي قوي للإجماع الصهيوني شبه المطلق. 

لقد تعامل المشروع الصهيوني مع الجوهر، وهو السيطرة على المكان بكل خيراته وموارده، وتفريغه من طابعه ومن سكانه، وتهويد معالمه، والنظر إلى الشعب الفلسطيني مجزأً كما خلقته إسرائيل. وهذا الجوهر يرفض الاعتراف بسؤوليته عن خلق قضية اللاجئين وتهجيرهم، ويعمل جاهداً على نسف اية إمكانية لعودتهم، وذلك من خلال السيطرة على أملاكهم الفردية والجماعية وخصخصتها وتهويدها. وهذا الجوهر يرى في الفلسطينيين داخل الخط الأخضر خطراً أمنياً وديموغرافياً على الدولة اليهودية، وهو ذاته يرى ضرورة استمرار السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة بأدوات عسكرية احتلالية، وتجهد إسرائيل في منع الشعب الفلسطيني من التعامل مع ذاته كشعب، بما يعنيه ذلك من الربط بين قضاياه رغم حالة التجزيئية القسرية. وهذا ما بينته جلياً اتفاقيات أوسلو، التي خلقت وضعاً يبدو فيه وكأن هناك ثلاث قضايا فلسطينية متصادمة في المصالح والاولويات- وهذا فرق جوهري بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي مثلت إلى حد كبير الشعب الفلسطيني بمجموعه. ووفق التعامل التجزيئي أصبح الانتصار الإسرائيلي والهزيمة العربية عام 1967، لا الغبن التاريخي، هما نقطة البداية ومنطلق أي حل. 

ما يلفت النظر تاريخياً أن الشعب الفلسطيني لم يكن في أيّة فترة سيد نفسه قدر ما هو في الجولة الحالية من الصراع مع إسرائيل. وليس مصادفة أن أياً من الحلول المطروحة اليوم أو في الماضي لم يكن حلاً بادرَ إليه الشعب الفلسطينيي: فاقتراح الدولتين هو اقتراح دولي، وما سبقه من اقتراحات لم يكن بمبادرة وإرادة فلسطينية، وما اقترح في أوسلو كان إسرائيلياً منبثقاً عن تضعضع بنية منظمة التحرير ونهاية مرحلة دولية قائمة على اساس نظام القطبين. وقد تكون ثمة حالة استثنائية، هي مرحلة التأسيس لمنظمة التحرير الفلسطينية تعبيراً عن انطلاقة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، ولكن المنظمة تراجعت عن ميثاقها ثمناً مسبقاً لمرحلة أوسلو. وأما ما نشهده اليوم من تحول فهو نضال الشعب الفلسطيني كي يكون سيد نفسه من حيث رفضه الأمر الواقع، ومحاولته خلق توازن أمني مع إسرائيل، رغم الفارق الهائل في القدرة العسكرية بين الطرفين، مستحدثاً أدوات لهذا التوازن بما فيها المسّ بالمدنيين الإسرائيلين، ويأتي ذلك بعد أن جرب الشعب الفلسطيني العديد من المسارات، التي لم تؤدِّ إلى الاستقلال ولا إلى السيادة ولا إلى إحقاق حقوقه الجوهرية ولو بالحد الادنى المطروح دولياً- وهو حلّ الدولتين. وما دام المجتمع الدولي لا يوفر الحماية للشعب الفلسطيني، فإن هذه المقاومة ستبقى ضرورة حياتية، حتى وإن أخذت أشكالاً مختلفة. 

وقد بينت التطورات في السنتين الاخرتين، ابتداءً من انتفاضة الاقصى، أن هنالك تحولاً ومؤشراتٍ لبداية نهاية التسليم بالتجزيئية داخل الشعب الفلسطيني، وللتحول من علاقات تضامن بين قطاعاته إلى إدراك متزايد بضرورة تقاسم الهم الجماعي المشترك. فمواجهة الاحتلال ليست مهمة الفلسطينيين في الضفة والقطاع وحدهم. ومسألة اللاجئين أو حق العودة ليسا قضية اللاجئين وحدهم، والنضال الوجودي للفلسطينيين داخل إسرائيل ليس قضيتهم وحدهم. وفي إعتقادي أن هذا الإدراك أتى مع بداية الحديث عن الحل الدائم أو "نهاية الصراع" كما طرحها رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق إيهود براك. فقضايا الحل الدائم هي التي وحدت جدول أعمال الشعب الفلسطيني، وحولته من التعامل مع التفاصيل التقنية ضمن مسار أسلو إلى التعامل مع الجوهر، أي مع الثوابت الفسطينية، وفي مقدمتها حق العودة. كل ذلك رغم غياب صارخ لأي مشروع وطني فلسطيني على مستوى القيادات. 

وهناك تحول إستراتيجي في إدراك حقيقة أخرى، وهي ان التحولات كي تحدث لا تحتاج إلى مساواة في القوة، بل تحتاج الى خلق وضع لا يقبل فيه الطرف الضعيف وضعيته بعد اليوم، ولا يستطيع الطرف القوي- في الوقت نفسه- القبول بالثمن الذي يدفعه ولا تحمُّل تبعات هذا الثمن لا أمنياً ولا اجتماعياً ولا اقتصادياً. هذا الوضع، الذي يمكن فيه كسر قواعد اللعبة القائمة وزعزعة التوازنات القديمة، قد يكون أساساً لتشكيل نواة لحل قائم على رؤيا جماعية للشعب الفلسطيني، تدعمه التفاعلات الشعبية العربية والتفاعلات الإسلامية والتفاعلات الدولية المتمثلة بحركات التضامن العالمية. 

البعد العربي بالذات لا يقاس بالوضع الحالي فحسب، بل يقاس بامكانياته المستقبلية وتفاعله مع القضية الفلسطينية أيضاً- وما كان يتردد عن "الفرج العربي" للفلسطينيين تم استبداله على أرض الواقع بالفرج الفلسطيني للشعوب العربية، التي توسع حيز تحركها من خلال حركتها المؤيدة للشعب الفلسطيني، وهذا بعد مستقبلي أساسي في معادلة النضال التحرري الفلسطيني. كما أن الشرعية الدولية، التي يندرج حل المسالة الفلسطينية ضمنها ويستند إلى مواثيقها التي تمنح الشعوب المضطهدة حقها في تقرير مصيرها، ليس لها شكل واحد محدد، بل هي تقر بالحق أساساً. وبهذا المفهوم فإن الشرعية الدولية هي أيضاً متغير يوجد هامش للتأثير في شكل تحقيقه على أرض الواقع. 

أوراق اللعب 

إن اهم نقطة قوة لدى الشعب الفلسطيني اليوم هي قدرته على ألا يوقع على إنهاء الصراع. وهذا ما لا تقبل به إسرائيل حالياً. فإسرائيل ترى في قبول الشعب الفلسطيني بإنهاء الصراع هدفاً إستراتيجياً ومركباً أساسياً في ضماناتها لمستقبلها. حتى لو قبلت إسرائيل أن تصبح "دولة لمواطنيها" فلن يكون في ذلك حل، إلا إذا قبلنا التجزيئية وفضلنا تميزنا المدني على سلوكنا كشعب وكأمر مكمل، تجهد إسرائيل في تحقيق اعتراف عربي إقليمي بها، ومن هذا المنطلق فإنها تخصص ضمن إسترايجيتها التفاوضية الإقليمية حيزاً اساسياً لموضوع التطبيع. وفي مفاوضاتها مع سوريا قبل ثلاث سنوات، وكان المسؤول عن ملف التطبيع هو قائد جهاز المخابرات العسكرية سابقاً أوري ساغي، وذلك إمعاناً في تأكيد أن التطبيع وإنهاء الصراع هما حاجة إسرائيلية ومركب جوهري ضمن مركبات الأمن القومي الإسرائيلي. وفي الواقع الفلسطيني لا يملك أي مسؤول أو مؤسسة فلسطينية الحق أو التخويل بإنهاء الصراع. والحقوق الفلسطينية، ولا سيما حق العودة، غير خاضعة للتقادم، ولها بُعدُها الجماعي والفردي الذي يضمن بقاء آنيّتها. 

وفي المقابل، فإن الشعب الفلسطيني لا يملك القدرات الذاتية على تحقيق حل عادل يتلاءم والحاجة إلى وضع حد للغبن التاريخي. لكن هذا صحيح وفق المعطيات الحالية فحسب، لأن إسرائيل غير جاهزة وغير قادرة على القبول بحل عادل لكونه نقيضاً لوجودها كمشروع للحركة الصهيونية. وهي في الوقت ذاته لا تملك اي ضمانات لقدرتها على مواصلة الوضع الحالي. 

في اعتقادي ان المركبين الأصعب ضمن مركبات الحل هما حق العودة للاجئين، وإزالة المستوطنات. فالاستيطان هو من مركبات إسرائيل كدولة، لا من مركبات احتلال 1967 فقط، كما ذكرنا سابقاً. والمستوطنات ليست خارج إسرائيل أو على هامشها، بل هي جزء من جوهرها. وإسرائيل الرسمية والشعبية تتحدث اليوم عن تبادل سكاني او تبادل مناطق، مثل اقتراحها مقايضة منطقة وادي عارة داخل الخط الاخضر بالكتل الاستيطانية. والهدف من هذا التبادل هو بقاء هذه الكتل تحت السيطرة الإسرائيلية، والتخلص من المسؤولية عن مئات ألاف الفلسطينيين من مواطني سرائيل (مقللة بذلك "الخطر" الديمغرافي العربي الفلسطيني داخل إسرائيل) وتوفير ضمانة جديدة لتعزيز الطابع اليهودي لإسرائيل تمشياً مع الحلم الصهيوني. وهذا الطرح بالمناسبة، يأتي من مدرسة حزب العمل، لا الليكود، ويتماشى مع الطرح الجديد نسبياً لقادة ذلك الحزب والقاضي بان قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل على غالبية مناطق الضفة وغزة هو مصلحة إستراتيجية لإسرائيل. 

ولئن بدا "التبادل السكاني" وكأنه يتماشى مع حل دولة ثنائية القومية في كل فلسطين، فان مثل هذا الطرح إن كان صادراً عن رؤية فلسطينية يختلف عما إذا كان صادراًَ عن رؤية إسرائيلية. فلو كان هنالك مطلب فلسطيني من أهالي وادي عارة بالانضمام إلى نفوذ السلطة الفلسطينية، فهذا يندرج في إطار تقرير المصير ووحدة الشعب الفلسطيني، رغم أن نقطة ضعفه هي التسليم بالطابع اليهودي لإسرائيل وبمركبها الكولونيالي في حدود الخط الأخضر. وأما طرح التبادل السكاني من قبل إسرائيل فهو طرح عنصري يهدف إلى صيانة وتعزيز المشروع الكولونيالي في كل فلسطين التاريخية، ذلك لأنه التفاف على الحاجة إلى تفكيك المشروع الكولونيالي الإسرائيلي من أحد مركباته (أي استيطان ما بعد 1967 في الضفة الغربية). ومعنى ذلك ان إسرائيل تريد ان تخلق هامشاً لمقايضة فلسطينية- فلسطينية ضمن المشروع الكولونيالي الإسرائيلي. والقبول الفلسطيني بالمقايضة يعني شرعنة المشروع الكولونيالي بكل مركباته وشموليته. 

لو افترضنا ان دولة إسرائيل قبلت ان تصبح "دولة للمواطنين" فهل في ذلك حلّ؟ قد يكون كذلك إذا قبلنا التجزيئية وفضلنا تميزنا المدني على سلوكنا كشعب، أي قبلنا بجوهر إسقاطات النكبة، فما لم يتم إدراج قضايا الفلسطينيين داخل إسرائيل في مجمل القضية الفلسطينية، فسيكون ذلك تكريساً للتجزيئيّة ولقبول العمل وفق الإستراتيجية الإسرائيلية. أما آلية مثل مواجهة هذا التحدي فهي إقامة مؤسسات فلسطينية شاملة للشعب الفلسطيني على غرار منظمة التحرير الفلسطينية تمثل كل الشعب الفلسطيني، وتوفر بلورة مشروع جماعي فلسطيني.. خلافا للسلطة الفلسطينية التي تبقى حدودها الضفة الغربية وقطاع غزة، وتبقى الأجزاء الأخرى من الشعب الفلسطيني خارجها أو في أحسن الأحوال على هامشها. 

بين الدولة الديموقراطية، والدولة الثنائية القومية، والدولتين 

إن التعويض الأمثل عن الغبن التاريخي هو دولة فلسطين ديموقراطية في كل فلسطين التاريخية، تضمن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأملاكهم، وتعوضهم عن فترة اللجوء بشكل تام جماعياً وفردياً. دور مثل هذه الدولة هو أيضاً نزع الامتيازات الجماعية التي قدمتها إسرائيل لسكانها الذين استقدمتهم على حساب الفلسطينيين اللاجئين الذين بقوا في وطنهم. وسيضمن مركب "العلمانية" ان تكون الدولة دولة مؤسسات، مع فصل سلطات، وفصل الدين عن الدولة. ومن دورها أيضاً توفير الضمانات لمنع السيطرة الإسرائيلية على الموارد والاقتصاد ومواقع القوة والحكم. 

إلا أن هذه الضمانات غير ممكنة من خلال النهج الدمجي للأفراد، أو النهج الليبرالي التقليدي. بل إن الحيز الخاص للافراد هو نتاج الحيز العام للمجموعة. فإذا كان حيز "المجموعة" الفلسطينية ضيقاً ومحدوداَ فهذا ينعكس مباشرة على ضيق حيز الافراد. وهذا عامل كابح للفرص المتساوية الجماعية، ومن ثم الفردية، في الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. 

فلو اخذنا موضوع تملك يهود أفراد لأملاك لاجئين فلسطينيين أفراد، حسب المفهوم الليبرالي للدولة، فإن هؤلاء الافراد طرفاً ثابتاً وواجب الدولة الملكية الفردية. وهذا يعني أن دولة ديموقراطية علمانية لا تستطيع إلغاء التملك الفردي اليهودي الذي جرى ضمن صفقة بين إسرائيل كدولة وبين مواطنيها. وهذه الحالة هي حالة عامة. أما الدولة الثنائية القومية فتكون على الحقوق الجماعية لا الفردية وحدها. وهنا بالامكان الاستعانة بنموذج جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري رغم الفارق الكمي الهائل بين البيض والسود. فالدولة الجديدة لم تستطيع حل مسالة التملك. ولا يزال مطلب "الأرض لعديمي الأرض" صارخاً. والقدرة على التملك ما زالت موجودة لدى البيض، والبنية الاقتصادية ما زالت مركبات الفصل العنصري مسيطرة إلى حد كبير فيها، ومع ذلك فلكل مواطن صوت في الانتخابات. وهذا مصدر قوة هائل، لكنه غير كاف للقضاء على إسقاطات الغبن التاريخي الذي لحق بالسود في جنوب افريقيا. 

إن الصهيوينة تريد إسرائيل دولة أحادية القومية أو الاثنية، ودولة إيديولوجية. لكن الحاجة إلى دولة ثنائية القومية هي في الاساس حاجة فلسطينية، وقد تصبح إسرائيلية في المدى البعيد إذا لم يكن ثمة مفر من القبول بمساومة تاريخية فلسطينية تعتمد على توازن قوى غير متوفر اليوم. 

المطلوب اليوم أمران: واحد من الفلسطينيين مواطني إسرائيل، وهو رفع مطلب الدولة الثنائية القومية داخل الخط الاخضر والقائمة على تقاسم السلطة ومواقع القوة. والثاني هو مطلب فلسطيني عام بدولة ثنائية القومية في كل فلسطين- وهذا هو السياق العام للمطلب الاول، لا بمثابتها مطلبين منفصلين. 

ليس المقصود مما سبق أن النضال من أجل حل قائم على دولتين أمر خاطئ، بل ينبغي أن يكون ضمن مشروع تكاملي، مع الادراك ان جوهر الغبن التاريخي لن يجد له مساحة في هذا الحل. إضافة إلى ذلك، فإن حل الدولتين ضروري ما دام غير مقيد بإنهاء الصراع، لأنه الآلية الوحيدة في هذه المرحلة لتحقيق كيان ذي سيادة لو غير متكاملة لجزء من الشعب الفلسطيني ولأول مرة في تاريخه، وهو أساس قوي لبلورة الشعب الفلسطيني كمنطلق للحؤول دون ان يتحول حل الدولة الثنائية القومية إلى واقع كولونيالي أبارتايدي كما هو الواقع الحالي. حل الدولتين. إذن، يوفر الضمان لمعادلة اكثر تكافؤاً لكنه لا يحل كل مركبات الصراع. 

وفي هذا السياق، فإن الدولة الثنائية القومية القائمة على أساس تقاسم السلطة تختلف عن الدولة الديموقراطية العلمانية. فمن ناحية، لا يمكن أن يكون الحلّ العادل من خلال تهجير اليهود الذين استقدمهم المشروع الصهيوني الكولونيالي، بل من خلال توفير الضمانات لعودة أهل هذا الوطن (أي اللاجئين الفلسطينيين) إلى ديارهم وأملاكهم وتعويضهم عن اكثر من نصف قرن من النكبة. كما أن نموذج دولة من هذا النوع لا يمكن أن يكون دمجياً، لأن الهيمنة في النموذج الدمجي لا تقاس بالكم بل بالسيطرة على مرافق القوى ومصادرها وعلى البيئة الداخلية والخارجية لكل مجموعة- وهي بيئة توجد فيها هيمنة إسرائيلة حالياً، والنموذج الدمجي سيكرسها ويرسخها. وأما نموذج الدولة الثنائية القومية فقائم على أساس كيانين يتقاسمان السلطة، كل تجاه ذاته داخلياً. وهذا يحول العامل الكمي إلى نوعي، ولا سيما أن الحديث يدور عن حقوق جماعية لا عن مساواة بين المواطنين وفقاً لمفهوم "المواطنة". 

إن الفصل بين النظام الكولونياليّ، والسكان الذين عمل باسمهم هذا النظام، هو أيضاً مركب هام كاستراتجية مستقبلية. ونموذج جنوب أفريقيا يستطيع أن يشكل درساً في هذا المضمار: فالمؤتمر الوطني الأفريقي كجزء من مشروع كولونيالي. وفي الحالة الفلسطينية فإن صيغة دولة ثنائية القومية، بهدف وضع حد لآخر الانظمة الكولونيالية والفصل العنصري، قادرة على خلق حراكٍ مستقبلي داخل المجتمع اليهودي نفسه رغم تماثله شبه المطلق حتى اليوم مع المشروع الصهيوني. لكن اللاعب الأساسي يجب أن يكون الشعب الفلسطيني، معتمداً على الآفاق المستقبلية لا على توازنات اليوم. 

إن شرطاً أساسياً للتقدم في هذا المشروع هو استحداث آليات وأدوات لعبة جماعية جديدة على مستوى الشعب الفلسطيني كله– في الوطن على جانبي الخط الاخضر، وفي مخيمات اللاجئين والشتات- تناسب هذه الرؤية. وقد يبدو على المدى القصير أن طرح هذا الحل سيؤثر سلباً وسيعقد حل الدولتين الذي يحظى بتاييد دوليّ. لكن الركون إلى المواقف الدولية من دون الركون الى الثوابت الوطنية- التي مرجعيتها الشعب الفلسطيني كلّه- قد ادى الى التراجع تلو التراجع، وإلى أن تصبح إسرائيل بانتهاكها كلّ الاعراف الدولية والشرعية الدولية محمية دولياً أكثر من ضحاياها. وازدادَ الوضع سوءاً بعد أن قبلت السلطة الفلسطينية باستبدال المرجعيات ومواثيق الشرعية الدولية بمرجعيات قائمة على توازن القوى، ولينحصر دورها في أن تحكم الجمهور الفلسطيني تحت نفوذها المنقوص وفق الأسس، ولتحدَّ بذلك من طاقات الشعب الفلسطيني وإمكانيّاته في التحرر الوطني. إن مشروعاً وطنياً فلسطينياً مستحدثاً، وبلورةَ أداة قياديّة جماعيّة ذات مصداقيّة، يضعان حقَّ العودة هدفاً إستراتيجياً ويبلوران الشعب الفلسطينيّ على أساسه. ففي ذلك قوة دفع باتجاه حلّ الدولتين اساساً، ومرحلةٌ ضمن حل دولةٍ ثنائيةِ القومية.

                                                                                                   

_______________

أمير مخول هو مدير عام إتجاه- أتحاد جمعيات أهلية عربية.