الإنفصــال عن الفلسطينييــن فــي السِجــال الإسرائيــلي

الإنفصــال عن الفلسطينييــن فــي السِجــال الإسرائيــلي

بقلم:أنطــوان شلحـــت 

ليس من المبالغة الاعتقاد بأن حضور "فكرة الدولة الفلسطينية" حتى في ضبابيتها داخل السجال الإسرائيلي العام يرتبط الآن، أكثر شيء، بفكرة "الحفاظ على الدولة اليهودية"، من جهة وفكرة الانفصال عن الفلسطينيين إلى ناحية تحصين أسوار الدولة اليهودية، من جهة أخرى. ولعلّ الفكرة الأخيرة مستمدّة، بكيفية ما، من فكرة "السور" التي هجس بها ثيودور هرتسل في مؤلفه "دولة اليهود" كما من فكرة "الجدار الحديدي" التي هجس بها زئيف جابوتنسكي. وإننا نشهد في الآونة الأخيرة تأييدًا لفكرة الدولة المستقلة على خلفية خطة الانفصال أو فك الارتباط التي هجس بها أريئيل شارون.

بيد أن خطة أريئيل شارون للانفصال عن قطاع غزة وأجزاء من شمال الضفة الغربية لم تولد من فراغ، أو بكلمات أخرى لم تولد من منطلق الميل إلى تأييد حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، وإنما بتأثير دوافع محدّدة يستحيل التغاضي عنها. وإذا كان شارون قد احتفظ لنفسه بمهمة تزويق الخطة أو مكيجتها بغية تسويقها على أتمّ وجه في الخارج وخصوصًا لدى الإدارة الأميركية، كما يمكن الاستشفاف من خطاباته وتصريحاته الشتيتة، فإنه في موازاة ذلك ترك "مهمة" وضع الخطة في سياقها المحدّد إسرائيليًا وإقليميًا لمجموعة من مستشاريه. ولا بدّ من إعادة الأذهان، في هذا الشأن، إلى التصريحات التي أدلى بها مساعده الأقرب، دوف فايسغلاس، لصحيفة "هآرتس" في صيف 2004 وما زالت أصداؤها تتردّد إلى الآن، وفي صلبها أن خطة الانفصال جاءت لتسدّ الطريق على أية تسوية نهائية للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية. وهذه الطريق تسدّها، في الوقت ذاته، ضمن عوامل أخرى، رسالة الضمانات الأميركية بخصوص التسوية السالفة.

وقد عاد على أساس هذه الدوافع المحامي يورام راباد، المقرّب هو أيضًا من شارون والذي ترأس طاقم "الليكود" لمفاوضات توسيع الحكومة مع حزبي "العمل" و"يهدوت هتوراه"، بقوله لصحيفة "يديعوت أحرونوت" في خريف 2004 إن من يعتقد بأن شارون ينوي تطبيق مبدأ الانفصال على مناطق (فلسطينية) أخرى عدا غزة وشمال الضفة يرتكب خطأ فادحًا، ما يعيدنا إلى التوصيف الذي سبق خلعه على الخطة الأصلية بكونها "خطة الانسحاب من غزة، أولا وأخيرًا"!. وفي الإمكان طبعًا أن نقيم  فيصلاً  بين الدوافع الذاتية لخطة الانفصال، التي تشمل ما تنطوي عليه مواقف شارون من عناصر ثابتة ومتغيرة، وبين الواقع الموضوعي الذي يمكن أن تتأتى عنه وقائع جديدة، مغايرة، بعد أن وضعت الخطة على محك التطبيق. ولأن استشراف هذه الوقائع، حاليًا، لن يعدو كونه أكثر من "رجم بالغيب"، فإن من المفيد أكثر أن نضع أمام القارىء بعض مستحصلات الدوافع الذاتية.

بادىء ذي بدء، نطرح السؤال التالي: هل يملك شارون مفهومًا كاملا متكاملا لتسوية النزاع مع الفلسطينيين، بصورة تعطي مشروعية للاعتقاد بأن  تكون الخطة مرحلة واحدة منه وقيام دولة فلسطينية مستقلة مرحلة أخرى، أم أن في نيته الاكتفاء بهذه الخطة فقط ؟. لقد أوضح شارون مرات عديدة أنه، وفقًا لمفهومه (إزاء النزاع)، يستحيل التوصل إلى حل دائم مع القيادة الفلسطينية بزعامة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. ويبدو كذلك أنه يشك في إمكانية الوصول إلى حل دائم مع أية قيادة فلسطينية (في المستقبل). ولذا فمن الواضح أنه لا يسعى البتة إلى "حل بالاتفاق" ويؤثر "خطوات أحادية الجانب".

في هذا الإطار أيضًا ثمة فارق كبير بين "خطة كاملة تسعى إلى انفصال أحادي الجانب (شامل) عن الفلسطينيين"، ومن نافل القول إن مثل هذه الخطة غير قائمة، وبين خطة شارون، المطروحة على الأجندة والتي تعد انفصالا كاملا عن قطاع غزة، غير أنها في الضفة الغربية لا تغيّر الوضع تغييرًا جذريًا. في أكثر من مناسبة قال القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، إنه يسعى إلى "انفصال كامل عن الفلسطينيين". لكن من غير الواضح بتاتًا ما إذا كان رئيس حكومته ذاته شريكًا في هذا المفهوم. فوق ذلك كله ثمة مكان للافتراض، وهو ما سبق أن ألمح إليه كثيرون، بأن شارون إنما يسعى إلى تطبيق انفصال كامل عن قطاع غزة وانفصال جزئي (للغاية) عن الضفة الغربية، من أجل تعزيز سيطرة إسرائيل على أجزاء من الضفة الغربية ومن أجل تكريس المستوطنات في هذه الأجزاء.

تقليد صهيوني عريق

قيل منذ قديم الزمان إن "الحاجة أم الاختراع". أما في "مبادرة الانفصال" فإن "الحاجة" إلى "دولة يهودية شبه نقية من العرب" أو على وجه الدقة "دولة يهودية مع نسبة مضبوطة من العرب" لا تعدّ أمّا لأي اختراع، بل هي عودة مكرورة إلى "تقليد صهيوني عريق" في سيرورة النزاع، تمثل في حوسلة "الجغرافيا" (أي تحويلها إلى وسيلة) لخدمة غايات "الديمغرافيا".

وإذا كانت المصادفة قد جعلت أول "دعوة" للانفصال عن المناطق الفلسطينية تصدر من جانب الوزير في حكومة شارون المقرّب جدًا من رئيسها، إيهود أولمرت، في العام 2003، محايثة لذكرى قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العمومية في الأمم المتحدة يوم 29 تشرين الثاني 1947، فإن استعادة وقائع صهيونية ناجزة محاذية لذلك القرار من شأنها أن تنطوي على أكثر من عبرة ودلالة راهنية.

من تلك الوقائع، مثلاً، أن البحث في قرار التقسيم المذكور، من طرف الحركة الصهيونية، جاء على ركام من نقاشات حيال فكرة التقسيم ذاتها دجّجت، في نوع من الصيرورة، موقفاً يقبل بالتقسيم كمرحلة وقتية، لازمة، في سبيل تكريس ما يتضاد معه، جملة وتفصيلاً.

ويجدر هنا استعادة حقيقة تاريخية مؤداها أن التفكير الصهيوني إزاء الفلسطينيين في تلك الفترة (1947) كان قد تبلور تماماً حول غاية العلاقة العسكرية العدائية، من جهة، وحول غاية بسط السيطرة  الصهيونية على "فلسطين الكاملة"، من جهة أخرى. وهذا ما عبر عنه القائد الصهيوني الأعلى سلطة وقتذاك، دافيد بن غوريون. أكثر من هذا فإن بن غوريون نفسه جيَّش قبوله لاقتراح "لجنة بيل" حول تقسيم البلاد من سنة 1937 لصالح هذه السيطرة، عندما كتب يقول إن دولة يهودية في "جزء من فلسطين" (بموجب اقتراح "لجنة بيل") هي مرحلة في سياق أطول يفضي إلى "دولة يهودية في فلسطين كلها".

وفي أكثر من مناسبة ثار السؤال حول ما إذا كان قبول بن غوريون وتياره (تيار العمل) لقرار التقسيم من سنة 1947 صادقًا؟.

في إحدى هذه المناسبات سجَّل الباحث الفلسطيني وليد الخالدي، جواباً على هذا السؤال، حقيقتين أساسيتين هما :

الأولى- أن التقسيم أصبح الهدف التكتيكي لقيادة التيار الرئيسي في الحركة الصهيونية، منذ "لجنة بيل". إلا أن السنوات التي أعقبت ذلك شهدت انزياحاً عن هذا الهدف التكتيكي لصالح تأييد هدف "المعسكر التنقيحي" بزعامة زئيف جابوتنسكي، وهو إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن بقوة السلاح. وهذا ما جرى التعبير عنه في "برنامج بلتيمور" الذي صاغه بن غوريون في 1942 . إلا أنه عاد، في 1946، وتبنى التقسيم بشكل تكتيكي.

الثانية- حذر بن غوريون زملاءه- كما أورد ذلك واضعو سيرته الذاتية- من أن قبوله التقسيم لا يندرج ضمن التنازل عن الدولة اليهودية في "فلسطين الكاملة" وإنما يشكل انتقالاً إلى ما أسماه بـ"الصهيونية العميقة" وقوامها مذهب التطبيق المتدرّج للأيديولوجية الصهيونية الكلاسيكية.

إذا أضيفت إلى هاتين الحقيقتين الخطط العسكرية المختلفة لإقامة "الدولة اليهودية" وطرد الفلسطينيين من وطنهم الأصلي، فإن النتيجة التي لا بد من استخلاصها هي أن قبول بن غوريون بقرار التقسيم من 1947 لم يكن صادقًا.

وإننا نجد مصداقًا لما يقوله الخالدي، من زاوية أخرى تستحق بدورها المزيد من البحث والاستقصاء، فيما تقوله الباحثة الإسرائيلية "أنيتا شبيرا" في كتابها "النضال الخائب" (صدر في 1977) من أن "تشكّل مناطق استيطان يهودية منعزلة أدى، في نهاية الأمر، إلى التنازل عن تلك المناطق من فلسطين التي لم تتشكل فيها أغلبية يهودية".

أما عالم الاجتماع الإسرائيلي "غرشون شفير" فقد كان، بشأن ما تقوله "شبيرا"، أكثر وضوحًا واتهامًا حين أكدّ أن إعطاء أفضلية للديمغرافيا (أغلبية يهودية في جزء من فلسطين) على الجغرافيا (أقلية يهودية مسيطرة على كل أجزاء فلسطين) تحوّل إلى  ماركة متميزة للتيار المركزي في حركة العمل الصهيونية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين.

وبوضعنا ما تقدّم من كلام أمامنا لا تبدو "دعوة" الانفصال أكثر من كونها برنامجًا آخر لإعادة انتشار تحتمه "ظروف موضوعية" ليست خافية على أحد. وإن أولمرت نفسه يؤكد، مع دعوته إلى "الانسحاب الأحادي الجانب"، أن "بيت إيل وعوفرا وجبال يهودا والسامرة هي (بالنسبة له) أرض إسرائيل.. وهي ليست للفلسطينيين، ولم تكن لهم البتة، بل لم تكن جزءًا من تاريخهم ومن ذكرياتهم".

وفي هذه النقطة بالذات سيبقى الصراع فيما يبدو على أشدّه، من ناحية أولمرت، حتى بعد "انسحابه" من طرف واحد.

كذلك سيبقى الصراع على أشدّه في هذه النقطة بالنسبة للتيار المؤيد للانفصال داخل صفوف الصهيونية الدينية من منطلق "الحفاظ على يهودية إسرائيل". فهذا ما عبّر عنه، مثالا لا حصرًا، مقال أحد منظري هذا التيار أخيرًا في مجلة "تخيلت" (عدد نيسان/ أبريل 2005).

لقد أكد هذا المنظر، يوسي كلاين هليفي، أن على الصهيونية الدينية الإقرار بأن مؤيدي الانسحاب ليسوا أقل إخلاصًا وحِرصًا على وحدة الدولة وسلامتها.

وأضاف أن الحد من التهديد الديمغرافي للأغلبية اليهودية، ودرء خطر حملة دولية لعزل إسرائيل، وتعيين حدود دفاعية متفق عليها، كلها أهداف تستوجب نقاشًا جادًا، ولا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها بصورة اعتباطية. من الممكن عدم الاتفاق مع رأي مؤيدي الانسحاب، لكنه لا يجوز دمغهم كـ"ما بعد صهيونيين" فقدوا إرادة النضال من أجل استمرار بقاء إسرائيل.

وفي رأيه تتوفر للصهيونية الدينية الموارد اللازمة لإعادة تأهيل نفسها واحتلال مكانها في قيادة دولة إسرائيل وقيادة الشعب اليهودي قاطبة. وعلى الرغم من أنها لم تنجح حتى الآن في إقناع أغلبية الشعب بتبني فكرة وحدة أرض إسرائيل كقيمة من القيم الأساسية للدولة، إلاّ أن الحركة (الصهيونية- الدينية) نجحت مع ذلك في خلق جمهور واسع ومخلص يمكن للمجتمع الإسرائيلي أن يتعلم منه الكثير، جمهور يُمثل قيمًا صهيونية كلاسيكية، ومن ضمنها: أهمية الرابطة اليهودية المتجددة بأرض إسرائيل، بغض النظر عن حدودها الدائمة، والدفاع عن الوطن، عن الدولة اليهودية، عن طريق الخدمة العسكرية، والإيمان بالمثال الصهيوني دون الانجرار وراء ما يُسمى بالصهيونية العصرية، وأهمية بِناء مجتمعات محلية قوية ترتكز إلى العائلة، ومركزية "أورشليم" (القدس) في التاريخ والهوية اليهوديين.

"طالما كانت حكومة إسرائيل مستمرة في العمل من أجل جمع شتات وطوائف الشعب اليهودي في دولتها اليهودية، ينبغي تقديرها واحترامها كتجسيد للتطلعات الصهيونية"، يؤكد كلاين هليفي مضيفًا أن الاستعداد للتسوية والمرونة تجاه حدود الدولة اليهودية "لا يُشكلان مقياسًا منطقيًا لهذا الالتزام من جانب الحكومة الإسرائيلية، فالجدل والخلاف داخل الحركة الصهيونية حول مسألة التسوية الإقليمية ليس بالشيء الجديد، بل نشأ منذ مطلع العشرينيات من القرن الماضي.  والحكومة ذاتها التي تستعد حاليًا لإخلاء يهود من قطاع غزة، اتخذت مؤخرًا قرارًا بنقل الآلاف من أبناء طائفة الفلاشمورا (الأثيوبيين) إلى إسرائيل".

يمكن القول إذًا إن النقاش الراهني حول الانفصال وحول صورة الدولة الفلسطينية هو نقاش صهيوني- داخلي صرف، وبالتالي فلا ينبغي به أن يذرّ الرماد في عيون الفلسطينيين كافة، وبالتأكيد في عيون المناضلين من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة التي نصّت عليها قرارات الشرعية الدولية.

_______________________

أنطوان شلحت هو كاتب وناقد فلسطيني من مواليد عكا عام 1956. شغل مناصب عدة منها رئيس تحرير صحيفة "فصل المقال"،  وقائم بأعمال رئيس تحرير جريدة "الاتحاد"، كما يشغل السيد شلحت منصب المدير الفني لمسرح الكرمة في حيفا، وله العديد من الاصدارات الأدبية، النقدية والبحثية.