طباعة

بقلم:د. أحمــد الطيبــي 

ليس صدفة إطلاقاً إقدام الكنيست على الموافقة على بيان سياسي يعتبر أن "أراضي يهودا والسامرة وقطاع غزة ليست أراض محتلة لا تاريخياً ولا سياسياً ولا قانونيا"ً كما حصل في العام الماضي. وليس صدفة أن يصوت الكنيست بنسبة كبيرة ضد إقتراح قانون "خارطة الطريق" لإحراج الإئتلاف ولإثبات رفض الحكومة مشروعاً يتضمن إلتزامات إسرائيلية يحتاج الى التطبيق. فالإئتلاف الحكومي الإسرائيلي صقوري ويميني متطرف إلى أبعد الحدود ويساهم في ذلك من يقود الائتلاف، النائب غدعون ساعر الذي يرفض مبدئياً مشروع خارطة الطريق ويمثل تطلعات مركز الليكود المتغطرسة. 

"خارطة الطريق" مليئة بالثغرات وتحفظاتنا عليها كثيرة وعديدة، منها: أنها تفتقد إلى آلية تنفيذ ملزمة وخاصة للحكومة الإسرائيلية بينما تضع بين ايدي  الحكومة الإسرائيلية كثير من الريادة ومن امكانيات التقدّم أو التأخر خلال مراحل الخريطة الثلاث في حين أن أكثر السلبيات بروزاً هي تلك الفكرة المتعلقة في ما يسمى "دولة مؤقتة" فلسطينية على حدود ما يقارب 42 % فقط من أراضي الضفة الغربية وغزة. أن المؤقت في سياسة إسرائيل على مسار الصراع العربي – الإسرائيلي وتحديداً الإسرائيلي – الفلسطيني هو الأكثر ثباتا، ولذلك فإن التحفظ الأساسي هو أن يتحول ذلك إلى واقع أبرتهايد "بموافقة" فلسطينية ودولية وخاصة مع إستمرار العمل على إقامة جدار الفصل العنصري، الذي اصبح وبحق عقبة امام قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران . 

إن إستمرار بناء الجدار العنصري  الذي يخلق سجناً كبيراً يمنع المواطن الفلسطيني من العيش بكرامة أو من الإنتقال من القرية إلى المدينة لتلقي العلاج في المستشفيات أو حرية الحركة  أو الدراسة وغيرها. انه يخلق حدوداً ثابتة سياسية خلافاً لإدعاءات أرئيل شارون وذلك عدا عن مصادرة الاف الدونمات من الفلسطينيين. ان إستمرار بناء الجدار اضافة  إلى إستمرار النشاط الإستيطاني وعدم تفكيك المستوطنات هي العقبة الاصعب أمام تحقيق إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعليه فإما هذا أو ذاك: إما إقامة دولة فلسطينية إثر جلاء الإحتلال من كافة الأراضي المحتلة عام 67 كحل وسط تاريخي بين الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة وبين اسرائيل من جهة اخرى أو إقامة بانتوستونات على غرار  بانتوستونات السود في جنوب أفريقيا ابان حكم الفصل العنصري، أي ان ذلك سيكون حلاً عنوانه هو  "إعادة تنظيم الإحتلال". 

وأمام هذا الواقع نقول أننا وبالرغم من دعمنا المستمر الفكري والسياسي للطرح الذي يقول بضرورة  إقامة دولتين الواحدة إلى جانب الأخرى فلسطين وإسرائيل على حدود الرابع من حزيران فإن إستمرار طرح فكرة "الدولة المؤقتة" (التي يجب رفضها) وإقامة الجدار الفاصل وإستمرار تواجد المشروع الإستيطاني سوف تضطر الفلسطينيين إلى طرح تحدي ينص على عرض فكرة إقامة دولة واحدة ديمقراطية من النهر الى البحر يتمتع فيها الجميع، جميع المواطنين عرباً ويهوداً يميّزها مبدأ "شخص واحد – صوت واحد". وتضم التجمعين البشريين الذي تجمع كل منهما سمات ثقافية موحدة. التجمع الاول وهو العرب الفلسطنييون الذين تجمعهم الثقافة العربية الاسلامية (وبضمن ذلك المسيحيين العرب ابناء الحضارة الاسلامية) واليهود الاسرائيلين الذين تجمعهم الثقافة الاسرائيلية العبرية الجديدة . 

ان هذا الطرح يلقي رفضاً جامحاً في كل اوساط المجتمع الاسرائيلي تقريباً. ونحن اذ نطرحه اليوم فنحن لا نفعل ذلك بديلاً عن فكرة الدولتين التي لا نزال نطمح اليها ونسعى اليها، وربما يجب القول والجزم انها الاقرب واقعياً الى التنفيذ محلياً ودولياً واقليمياً وعربياً واسرائيلياً . بل اننا نطرح ذلك في محاولة لوضع ايديولوجية اليمين الاسرائيلي وممارساته التوسعية والاستيطانية الناكرة للدولة الفلسطينية من جهة وللوجود  الوطني الفلسطيني من جهة اخرى، لنضع هذه الايديولوجية في زاوية فكرية سياسية ربما تؤدي لاحقاً الى خلق حالة من الجدل الشعبي ولو حتى في صفوف النخب الاسرائيلية لدفعهم الى نتيجة وحتمية ان لا مجال لاستمرار المشروع الاستيطاني  والتوسعي في الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967،  وان لا مجال امام الفلسطينيين بأن يقبلوا بحالة جديدة من نظام الفصل العنصري يكون السود فيها ابناء الشعب الفلسطيني وترجمتها السياسية هو ذلك البند في خارطة الطريق الذي يتحدث عن "دولة فلسطينية مؤقتة " لا يمكن ان تكون انعكاساً لطموحات شعب يبحث عن الانعتاق من الاحتلال ويناضل من اجل الحرية والاستقلال . 

_________________

د. أحمد الطيبي هو رئيس الحركة العربية للتغيير، ونائب في الكنسيت عن كتلة تحالف الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير. شغل الطيبي سابقا منصب مستشار الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات لشؤون العملية السلمية.