تجربــة النســاء كلاجئـات مُهجــرات فــي الداخــل

 تجربــة النســاء كلاجئـات مُهجــرات فــي الداخــل

بقلم:  ايزابيـــل همفريـــز

كان الكلّ قلقا بشأن كيف سنعود لدفن الموتى المتروكين في القرية، قبل أن تأكلهم الكلاب.  انتابنا شعور بأن رائحتهم قد وصلت الناصرة. لقد كان خطرا على الرجال، أن يعودوا لحفر القبور؛ فقد يُطلق عليهم الرصاص أو قد يلقى القبض عليهم. لقد ارتأوا حينها أن تولية النساء للقيام بتلك المجازفة أقل خطرا!"

هذا ما تقوله أم سمير (إسم مستعار، الإسم الحقيقي محفوظ لدى الكاتبة) هجرت في العام  1948 من قرية المجيدل القريبة من مدينة الناصرة وما زالت في العام 2006 لاجئة مهجّرة في مدينة الناصرة. بحثت أم سمير ومعها نصف أهالي قرية المجيدل، عن ملجأ في الناصرة. تتداعى لها-  بينما هي جالسة اليوم في بيتها الواقع في حيّ اللاجئين المدعو جبل الدولة - بوضوح تفاصيل تلك الأيام والسنوات الأولى بعد التهجير.

"بالطبع لم تستطع النساء دفن جثث الموتى؛ لم يمتلكن القوّة الكافية لذلك!  ولهذا فقد جمعن التراب في حجور ثيابهن  واضعات إياه فوق الجثث، فوق أشلاء الجثث المتناثرة، رؤوس هنا وأرجل هناك". لم تتمكن أم سمير البالغة آنذاك عشرين سنة من العمر من الذهاب. كان زوجها معتقلا في معسكرات السخرة الإسرائيلية برفقة المئات من الرجال الآخرين. ولم يكن لها أسرة لتعتني بأطفالها الصغار. ربما لم تكن أم سمير هناك بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنها تذكر ما حدث بأدق التفاصيل من خلال الأحاديث التي سمعتها من النساء الأخريات. وبينما تروي المرأة العجوز قصتها تلتقط أذيال ثوبها كما لو كانت تعيش تلك اللحظات مجددا، كما لو كانت تقوم بدفن الجثث هي نفسها. "لقد مات بعض الناس جرّاء تساقط الركام عليهم. أعرف بعض النساء اللواتي فقدن صوابهن بعد أن رأين ما رأين. أنا لا أنسى شيئا رأيته في تلك الأيام. لديّ رغبة في النسيان  ولكن الذكريات لا تغادر ذهني".

التهميــش المضـــاعف


بخلاف تركيز نشطاء حقوق الإنسان المعاصرين المكثف على وحشية الحكم العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، في أيام ما قبل الإنترنت ومحطات التلفزة الفضائية العربية، كانت قلة قليلة تعرف عن عقدين من سيطرة الحكم العسكري على الفلسطينيين ممن بقوا في الدولة الإسرائيلية الحديثة العهد. ففي العام 1956 مثلا، مرّ أحد عشر يوما قبل أن يعرف العالم الكائن خارج حدود إسرائيل، أن الشرطة الإسرائيلية قد ذبحت حوالي خمسين فلسطينيا في قرية كفر قاسم. لمدة عشرين عاما كان على الفلسطينيون أن يحصلوا على إذن لمغادرة حدود القرية أو البلدة التي يلجأون إليها. أضف إلى ذلك، أنه لم يكن بمقدورهم التجول بحرية في أرجاء الدولة التي يفترض أنهم يحملون جنسيتها.

وبينما يحظى تاريخ الثلاثين ألفا من المهجرين داخليا بقدر من التوثيق، فهو يقل كثيرا عن تاريخ الأغلبية من لاجئي الشتات، ويبقى دور المرأة في هذا التاريخ يعاني من "تهميش مضاعف". ومع أنه من الطبيعي وجود الكثير من الخيوط المشتركة مع قصص اللاجئين الآخرين من النساء (ومن الرجال)، إلا أنه من الضروري إجراء المزيد من البحث في التجارب المحددة للمجموعة التي استثنيت من الرواية الفلسطينية المركزية بصفتيهما كنساء وكمهجرات داخليا.

ولكون التاريخ القومي غالبا ما يكون تاريخ النخبة، يعارض أولئك الذين يجدون لأنفسهم مدخلا للدوائر الأكاديمية والسياسية والإعلامية توثيق تاريخ النساء المهجرات داخليا أمثال أم سمير. لقد تمكنت النخبة الفلسطينية السياسية والمتعلمة من أبناء المدن، من الهرب المبكر إلى أمان كبريات المدن كبيروت والقاهرة، بفعل الإمكانيات المتوفرة لهم. ومن ناحية أخرى تنتمي الأغلبية الواسعة من اللاجئين المهجرين داخليا إلى خلفيات ريفية، حيث لم تكن فرص التعليم أو فرص الوصول إلى أنظمة السلطة المركزية متوفرة، إلا للقلائل من الرجال، والنساء اللواتي أفلتن من السيطرة. وبعد النكبة تلقى اللاجئين المهجرين خارجيا والمسجلين، التعليم في مدارس وكالة الغوث لكن إسرائيل لم تسمح بتطوير خدمات الأمم المتحدة للفلسطينيين داخل حدودها. العديدات من النساء اللاجئات اللواتي ابتدأن تعليمهن قبل 1948 اكتشفن أن الأسر التي تمتلك القدرة على توفير التعليم لأبنائها صبّت جلّ تركيزها على الأبناء دون البنات. أما التعليم الجامعي فقد كان الحصول عليه أمرا أصعب بكثير-لقد كان عالما عبريا.

أحد العوامل الأخرى التي حالت دون توثيق قصص النساء هو الحاجز المادي الفاصل بين الباحثين من العالم الخارجي واللاجئين المهجرين داخليا. ففي السنوات الأولى لم يكن للبحّاثة العرب أن يحصلوا على تأشيرة دخول إلى إسرائيل (القليلون كانوا سيقبلون بها على أية حال.) أما البحاثة من الأجانب والصحفيين والأكاديميين الذين يزورون إسرائيل فقد كانوا (وما زالوا) يوجهون بعيدا عن مراكز السكان الفلسطينيين. وفي ما عدا الروايات المنحازة بدرجة عالية التي رواها علماء الاجتماع الإسرائيليين لم تبدأ عملية توثيق تجارب الفلسطينيين المتبقين في الدولة اليهودية حتى السبعينات وذلك بكتابات صبري جريس وفوزي الأسمر.

العيش تحت الحكم العسكري (1948 -1966)

منذ النكبة اضطلعت النساء بالدور الرئيسي في العناية بالأطفال والحفاظ على تماسك الأسر.(أنظر لأعمال صايغ 1998، خليلي 2004، غوركن وعثمان 1996). حتى في خضم رعب التهجير وجدت المرأة نفسها مضطرة لتحمل مسؤولية الأطفال، فقد يترك الإحساس بالذنب جراء الفشل في ذلك ندبا دائمة. لقد تحملت الفتيات الأصغر سنا أيضا، بعض المسؤوليات عن إخوتهن. فأثناء الهرب من إحدى قرى الجليل الغربي كانت فتحية البالغة من العمر سبع سنوات تحمل أخاها الصغير بين ذراعيها، عندما أطلق عليه الرصاص، فقتل. ما زالت هذه الذكرى تطارد فتحية المرأة الناضجة التي وجدت في إحدى القرى المجاورة ملجأ لها.

وبما أن العادات لم تتغير، تقضي الأعراف الاجتماعية بأن تنضم المرأة إلى عائلة زوجها حال زواجهما. ففي الوقت الذي لا يعاني فيه الرجال دون أدنى شك من الانفصال عن أسرهم، أدت الأعراف الاجتماعية المتعلقة بالجنس إلى فصل العديد من النساء عن أسرهن الفطرية أي الأبوين والأخوة. كانت أمنة س. في الرابعة عشرة من عمرها عندما هاجمت طائرات الهاغانا بلدتها صفّورية، حيث هربت أسرتها من قرية إلى قرية إلى أن انتهى بهم الحال كلاجئين في لبنان. وكانت آمنة مخطوبة للزواج منذ الحادية عشرة من عمرها، لكن أسرة خطيبها بقيت في الجليل. وبعد سنتين ونصف من العيش مع أسرتها في مخيم عين الحلوة للاجئين في لبنان، شقّ خطيب آمنة ووالده طريق الخطر عبر الحدود بحثا عنها. لقد اختارت العودة معهما آملة في أن تجد في إسرائيل هوية لها كلاجئة داخليا. وكانت النتيجة أن اجتمعت آمنة، وهي اليوم امرأة عجوز تعيش في الناصرة، بأسرتها الفطرية عددا من المرّات تعدّ على أصابع اليد الواحدة منذ ذلك الحين.

تتطلب العناية بالأسرة الاهتمام بحاجات الحياة الزوجية، وكثيرا ما تلقى هذه المهمة على عاتق النساء ليس فقط لأن ذلك دورهن التقليدي، ولكن لأنه على المستوى العملي، كان العديد من الرجال يقبعون في أحد السجون أو في أحد معسكرات العمل بالسخرة. وكما وصفت لنا أم سمير كنّ نساء قرية المجيدل هن اللواتي رجعن للقيام بعمل الرجل، أي دفن الموتى في هذه الحالة لأن الرجال كانوا يتعرضون لخطر القتل أو الاعتقال بقدر أكبر.

وتذكر أم إبراهيم أن البريطانيين نقلوها إلى منفاها من طبريا إلى الناصرة مع أخوتها وأخواتها الأصغر سنا. وعند وصولهم إلى المدينة، أدركت أمها أنهم لا يمتلكون أغطية لتغطية الأولاد أثناء نومهم، وعندما رفض المسئولون البريطانيون السماح لها بالعودة لإحضار بعض ممتلكاتها اختبأت في المقعد الخلفي للحافلة لتشرع في رحلتها الخطرة.

من الواضح أن عدم القدرة على تلبية الاحتياجات بالنسبة لأم مسئولة عن ثلاث بنات صغيرات هي أكثر الذكريات إزعاجا لأم سمير. فخلال فصل الشتاء الأول كان زوجها معتقلا في أحد معسكرات السخرة الإسرائيلية تاركا إياها لتتحمل المسئولية وحدها. لقد وصفت بحرج شديد كيف حاولت أن تشحذ من أقاربها الذين لم يكونوا هم أنفسهم يمتلكون وفرة من الطعام  "لم تتوفر لنا حتى الأشياء الأساسية".  لم يكن لدينا ما نأكله، لم نذق طعم الدجاج ولا اللحم لمدة خمس سنوات، وكان لديّ أطفال صغار لأربيهم على الفتات. ما الذي كان يفترض أن أفعله ببناتي الثلاث؟ لم يكن لدي ما يكفي لإطعامهن. ذكرت أنها بقيت على قيد الحياة بفضل المعونات المحدودة جدا. "لم نكن نحصل على أكثر من الخبز وبعض الطماطم".

تضمنت العديد من قصص النساء التي دوّنت نساء لاجئات يتحدثن بحسرة عن مصاغ عرسهن المفقود أو كيف اضطررن إلى بيعه أثناء رحلتهن (همفريز 1995، وخليلي 2004). وفي الوقت الذي تركت فيه أثناء رحلة الخروج الثروة الأساسية ألا وهي الأرض، شكّلت مصوغات زفاف النساء أموالا متحركة وهي وسيلة الادّخار للمستقبل (مورز 1995). بالنسبة للنساء، فإن بلاغة هذه التضحية لا تقاس باعتبارها مصدرا للإحساس بالذنب والحزن، أما من الناحية الزواجية فهي تشير إلى عظم حجم البؤس الذي خلفه ذلك الحال. لقد أقر الرجال بمديونيتهم للنساء في ذلك الوقت الذي لم يكونوا فيه قادرين على توفير الأرض أو البيت، كما كان الدور الاعتيادي للزوج دائما. ففي أثناء المقابلة التي أجريت مع أبي جريس من المجيدل، بحضور زوجته، على شرفة بيتهما في الناصرة في العام 2005، اعترف أنه أثناء الخمسينيات، وهو الوقت الذي فقد فيه كلّ شيء، كانت زوجته قد اختارت بيع مصاغ زفافها، الأمر الذي أمّن لهم مكانا يعيشون فيه ويربيان أطفالهما.

في فترة ما قبل التهجير، لعبت النساء دورا أساسيا في حياة القرية، فقد عملن في الحقل كما عملن في المنزل. وبعد أن أخذت منهن الأرض تحول الرجال إلى عمال مأجورين في المصانع والمزارع التي يمتلكها اليهود، وكثيرا ما أمضوا عدة أيام بعيدين عن بيوتهم لقاء معاش بخس. وفي هذه الأثناء، بقيت النساء في عزلة بيوتهن. وبخسارة الأرض، انفصل الرجال عن النساء وتحطم نمط حياتهم بالكامل. "بالتأكيد كان ذلك عملا متعبا في الحقول، لكننا كنا سعداء" تقول آمنة وهي تتنهّد ."وفي ما بعد وجدنا أنفسنا حبيسات بين الأربعة جدران". عندما لم تعد الأرض ولا القرية قائمة، اتخذ دور النساء في المحافظة على الأسرة وتقاليدها أهمية أعظم من ذي قبل. لقد بقيت القصص والأطعمة والاحتفالات والأغنيات التقليدية عبر الأجيال، بينما اختفت القرية منذ زمن بعيد، والفضل يرجع إلى دور النساء في المحافظة على الأسرة. تنطبق قصة النساء المهجرات داخليا على كافة تلك النسوة اللواتي عانين من إذلال حياة اللجوء، وهي قصة كبقية قصص مجتمع اللاجئين الأخرى التي لا بد من أن تحكى.
_________________________________
مراجـــع

·       للمزيد من التحليل التفصيلي أنظر (Gender of Nakba memory) تمت كتابة الفصل بالتعاون بين المؤلفة والدكتورة ليلى خليلي (SOAS, UK ) سينشر في ليلي أبو لغد و أحمد سعدي (EDS)  “The claims of memory:Palestine1948” منشورات جامعة كولومبيا.

·          كروغن، مايكل و رفيق عثمان،  Three Mothers, Three Daughters: Palestinian Women’s Stories (بيركلي: منشورات جامعة كاليفورنيا،1996)

·       خليلي، لالة 2004 Citizens of an Unborn Kingdom: Stateless Palestinian  refugees and continuous Comemoration.  رسالة دكتوراه غير منشورة:جامعة كولومبيا.

·          مورز، أنيليس، Women Property and Islam: Palestinian Experiences, 1920-1990، (كامبريدج: منشورات جمعة كامبريدج،1995)

·          صايغ، روزماري 1998 “Palestinian Camp Women As Tellers of History” Journal of Palestine Studies 27 (2):42-258    (وأعمال أخرى)

__________________

إيزابيل همفريز هي باحثة في شؤون اللاجئين والمهجرين داخليا، وهي مرشحة لنيل شهادة الدكتوراة من جامعة سوري في المملكة المتحدة.