اللاجئــات الفلسطينيــات: إستحقاقــات وحقــوق مهــدورة

اللاجئــات الفلسطينيــات: إستحقاقــات وحقــوق مهــدورة

بقلم:نــداء أبــو عــواد

على مدار العقود الخمسة الماضية، احتلت قضية اللاجئين الفلسطينيين مساحة واسعة ضمن حالة الجدل الجارية على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية. وتصاعدت حالة الجدل منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي بفعل عملية التسوية السياسية (أوسلو) وانعكاساتها. إن تعدد الأطراف الفاعلة في القضية محليا وعربيا (خصوصا الدول المضيفة للاجئين) ودوليا وسع من دائرة تناقض المصالح. فقد حرص كل طرف من الأطراف على تحقيق مصالحه بغض النظر عن مصالح اللاجئين والنازحين أنفسهم، وذلك من خلال شطب المرجعيات والمواثيق الدولية التي كفلت حقوق اللاجئين الفلسطينيين بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 (3). والسؤال المطروح: هل تضمنت المرجعيات والقرارات والآليات الدولية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين حقوقهم فعلا؟ هل تتوافق حقوقهم مع الحقوق الممنوحة لغيرهم من اللاجئين حول العالم كما وردت في نصوص تلك المواثيق والقرارات وفي الممارسات العملية؟ وكيف تؤثر تلك المرجعيات والقرارات على اللاجئات الفلسطينيات لكونهن فلسطينيات أولا، ونساءً ثانيا في ظل ثقافة ذكورية أبوية، ونظم اجتماعية واقتصادية وقانونية تعمل على استلاب حقوقهن خصوصا في الممارسة العملية وإن لم يستلبها النص؟

اللاجئة الفلسطينية: حقوق ونظم حماية منقوصة

أنشأت الأمم المتحدة نظاما فريدا للتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، ميزهم عن بقية قضايا اللجوء في العالم، من خلال انشاء نظام حماية ومساعدة خاص. وبموجب قرارها رقم 194 (3) لعام 1948 أنشأت لجنة الأمم المتحدة للتوفيق حول فلسطين UNCCP، كمرجعية لتوفير أنظمة حماية للاجئين الفلسطينيين، ولمتابعة معالجة قضيتهم في سياق التسوية النهائية الخاصة بالمسائل العالقة وتسهيل عودتهم، وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم. كما أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين  - الأونروا عبر قرارها رقم 302 (4) لغرض القيام بتقديم المساعدة الدولية للاجئين الفلسطينيين.

تشكلت وتأثرت حقوق وأوضاع اللاجئات الفلسطينيات بقرارات وسياسات كل من لجنة الامم المتحدة للتوفيق  ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. إذ تنبع وتستمر معاناة اللاجئين واللاجئات الفلسطينيين نتيجة فشل نظام الحماية الخاص الذي أنشأته الأمم المتحدة للتعامل مع قضية لاجئي فلسطين. فلقد عجزت لجنة الأمم المتحدة للتوفيق حول فلسطين عن تحقيق مهامها، وتوقفت هذه اللجنة فعليا بعد سنوات قليلة من تشكيلها لأسباب سياسية في جوهرها. ولم تمتلك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين أو غيرها من الهيئات الدولية تفويضا صريحا لحماية حقوق الإنسان الأساسية لجميع اللاجئين الفلسطينيين أو أهلية البحث  عن حلول دائمة وفقا للقانون الدولي كما أكدها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 (3). وفي الوقت ذاته استثني معظم هؤلاء اللاجئين من غالبية نظم الحماية الدولية (حماية الأمن اليومي وحقوق الإنسان) التي تكفلها مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين UNHCR. وهكذا نجد أن لاجئي ولاجئات فلسطين "المسجلين على قوائم الأونروا" يفتقدون لأبسط الحقوق وأنظمة الحماية التي يتمتع بها جميع لاجئي العالم، جراء استتثناءهم من الحماية التي توفرها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في الوقت الذي تعجز فيه أنظمة الحماية الخاصة بهم عن حمايتهم ومتابعة شؤونهم (أكرم ورمبل، 2003).

الانتقاص من حقوق اللاجئة وذريتها عند تعريف من هو اللاجئ


من ناحية أخرى، تم إقصاء مجموعات وفئات أخرى من اللاجئات واللاجئين الفلسطينيين من أنظمة الحماية والمساعدة الخاصة بالفلسطينيين. فقد عرّفت وكالة الغوث الدولية- الأونروا اللاجئ الفلسطيني بأنه "أي شخص كانت إقامته الاعتيادية في فلسطين وذلك لفترة سنتين قبل النزاع في العام 1948، والذي فقد من جراء هذا النزاع داره ومورد رزقه". كما حددت وكالة الغوث الدولية -الأونروا الفئات الجديرة بالحصول على خدماتها وهم: ذرية "أبناء وأحفاد لاجئي فلسطيني "الآباء" المولودين بعد أيار 1948، وغير اللاجئين المحرومين وذرياتهم الذين فقدوا مصدر رزقهم نتيجة صراع 47-48، سكان القرى الحدودية في الضفة الغربية، فقراء القدس في الضفة الغربية، فقراء غزة في قطاع غزة، أفراد القبائل البدوية والقبائل شبه البدوية (الموقع الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية).  ويقدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد اللاجئين الفلسطينيين الذي شملهم هذا التعريف في عام 2002 بأربعة ملايين من أصل أكثر من 7 مليون لاجئ فلسطيني (الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، 2002). فسجلات الوكالة لا تشمل جميع اللاجئين ولا تشمل أولئك الذين نزحوا بعد حرب 1967، أو أولئك الذين هجروا إلى داخل الخط الأخضر، وأولئك الذين هجروا خارج المناطق الخمس التي تغطيها الأونروا بخدماتها "لبنان، سوريا، الأردن، الضفة الغربية، وقطاع غزة (أبو زهيرة، 2002).

إضافة لذلك، فإن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين تقدم تعريفا مجزوءا ومتحيزا على أساس النوع الاجتماعي فيما يتعلق بالمستفيدين من أبناء اللاجئين الفلسطينيين من خدماتها، حيث يشير تحديد الفئات المستفيدة من خدمات الوكالة بأنهم: (ذرية "أبناء وأحفاد لاجئي فلسطيني "الآباء" المولودين بعد أيار 1948). هذا يعني أن اللاجئة الفلسطينية المتزوجة من غير لاجئ لا تستطيع تمرير استحقاق الأبناء في تلقي خدمات وكالة الغوث الدولية مستقبلا.

النســاء اللاجئــات: قضايــا وحاجــات

رغم حيادية النصوص الحقوقية للاتفاقيات الدولية المتعلقة باللاجئين وعدم تمييزها بين النساء والرجال، إلا أن بعض التقارير لعدد من الهيئات الدولية أشارت إلى استمرار التمييز القائم على أساس الجنس في التطبيقات والممارسات اليومية لبعض هذه الهيئات الدولية، وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بتقديم الخدمات اليومية. يمكن ربط ذلك بالتوجه الذكوري الأبوي الذي يميز عمل بعض الهيئات الدولية، أو العاملين فيها من موظفين، وهذا ما لمسه العديد من الباحثين في معرض تحليلهم لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

تعاني لاجئات العالم بما فيهن اللاجئة الفلسطينية من التمييز الذي قد يواجهنه كنساء في مجالات تتعلق بالتسجيل، والتوثيق، توزيع الطعام، التعليم، الصحة، الأمن والآمان الجسدي، المشاركة في صنع القرار وبناء السلام، الفرص في تطوير المهارات والمشاريع المدرة للدخل. فعلى سبيل المثال يعتمد التسجيل في بطاقات الطعام على الوحدة الأسرية ممثلة غالبا برب الأسرة الذكر،  وان لتسجيل الفردي يؤدي إلى تزايد اعتماد النساء على الذكور، وقد يؤدى أحيانا إلى حرمان بعض النساء ممن انفصل عنهن أزواجهن من الحصول على مخصصات الطعام. وأحيانا تواجه المرأة اللاجئة مشاكل تتعلق بالحصول على بطاقة شخصية، ووثائق أخرى لا يستطعن استصدارها لا لشيء سوى أنهن نساء مما قد يؤدي إلى صعوبة حركتنهن أو إعاقة حصولهن على الخدمات الأساسية. وتتدني وتهمش مشاركة اللاجئات في الهيئات واللجان المختصة بمتابعة قضايا اللاجئين الحياتية اليومية مثل قضايا العنف النفسي والجسدي والجنسي الذي يتعرضن له في إطار العائلة والمخيم، وتلك المتعلقة بمتابعة قضايا الحل الدائم للاجئين وعقد اتفاقيات السلام، الأمر الذي قد يسهم في تغييب حاجات وقضايا النساء واستحقاقاتهن في اتفاقيات "الحلول الدائمة لقضايا اللاجئين" والمتعلقة بالعودة إلى بلادهم الأصلية والحصول على التعويضات وعلى حصصهن من الأراضي المعاد توزيعها، والقروض..إلخ (UNHCR, 2005).

إضافة لكل ذلك، تواجه اللاجئة الفلسطينية المتزوجة من غير اللاجئ تمييزا أخرا بفعل التعريف الذي تستخدمه وكالة الغوث الدولية-الأنروا، وقد رأت الباحثة كريستين كيفيناك في معرض تحليلها لوكالة غوث اللاجئين أنها أسست نموذجا أبويا عند تعريفها من هو الشخص المؤهل بتلقي خدمات المساعدة. فاللاجئة الفلسطينية المتزوجة من رجل غير لاجئ قد تحتفظ بهوية لجوئها، لكن قوانين وكالة الغوث الدولية تحرم ذريتها من اكتساب صفة اللاجئ. من هنا، فإن اللاجئات بسبب حالة أزواجهن غير اللاجئين محرومات أو غير مؤهلات للحصول على غالبية خدمات الوكالة. بطريقة مماثلة، أطفال هذه المجموعة من الأمهات اللاجئات غير مؤهلين للحصول على خدمات الوكالة. وتُحرم اللاجئات الفلسطينيات الواقعات ضمن فئة اللاجئين والنازحين وغيرهم من المهجرين الفلسطينيين غير المسجلين على قوائم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من خدمات الوكالة الصحية والتعليمة والخدمات الاجتماعية، ويقدر عدد هؤلاء اللاجئين بحوالي 3 مليون فلسطيني (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2002).

الغائبــون الحاضــرون

ازدادت أوضاع اللاجئين واللاجئات سوءا، خاصة في مخيمات الشتات في ظل محاولات شطب قضيتهم. فقد جرى تأجيل قضيتهم خلال مفاوضات التسوية التي جرت بين الفلسطينيين ممثلين بـمنظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. وأدت عملية أوسلو إلى تقويض المعايير والمرجعيات القانونية الدولية التي شكلت أساسا لقضية اللاجئين الفلسطينيين بما فيها قرار الجمعية العامة رقم 194 الذي أكد على كل من حق العودة واستعادة الممتلكات والتعويض، وأبرزت فقط قرار 237 والذي يؤكد على حق لاجئي  العام 1967 دون غيرهم من فئات اللاجئين الفسطينيين في العودة إلى منازلهم الأصلية، الأمر الذي يهدد بإهدار حقوقهم التي كفلتها جميع اتفاقيات السلام لغيرهم من لاجئي العالم وفي مناطق الصراع المختلفة.

هذه المراجعة السريعة لبعض قضايا اللاجئة الفلسطيينة، تبرز بعض الثغرات في نظام الحماية الدولية والحقوق الإنسانية والخدماتية التي تكفلها لها القرارات والمرجعيات والآليات والهيئات الدولية. وتظهر الحاجة لإجراء المزيد من الدراسات المتعمقة لإلقاء الضوء على واقع وأهم قضايا اللاجئة الفلسطينية. إضافة لضرورة دراسة وتحديد احتياجات اللاجئات الفلسطينيات في جميع التجمعات بما فيها أولئك المنسيين الغائبين عن سجلات وقوائم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين. كذلك الحاجة للعمل مع اللاجئات أنفسهن لبحث آليات العمل اللازمة لإشراكهن في تحديد وصنع القرارات المتعلقة بهن، بما في ذلك تلك المتعلقة بقضايا الحل النهائي.

____________________________________
مراجع:

·       أكرم، سوزان؛ ورمبل، تيري. 2005. الحماية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين: مقترح. ورقة عمل رقم (5). بيت لحم: بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.

·          الموقع الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية على الانترنت: www.pna.net

·          الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.2002. الفلسطينيون في نهاية عام 2002. رام الله.

·          أبو زهيرة، عيسى. "حقوق اللاجئين في ظل التسوية الراهنة" رؤية، عدد 17، آذار 2002.

·          UNHCR. Report on the High Commission's five Commitments to Refugee Women. Dist. Restricted. EC/SS/SC/CRP.17. 13 June 2005.

____________________

نداء أبو عواد هي باحثة فلسطينية مهتمة بالشؤون النسوية.