حقــوق المــرأة الفلسطينيــة اللاجئــة: بين الموجــود والمنشــود

حقــوق المــرأة الفلسطينيــة اللاجئــة: بين الموجــود والمنشــود

بقلم:كلاوديا بينا

الإطــار القانــوني

لكافة اللاجئين، بغض النظر عن سنهم أو جنسهم، حقوقا ينص عليها قانون حقوق الإنسان الدولي، والقانون الدولي الخاص باللاجئين، والقانون الدولي الإنساني. وبما أن اللاجئين عادة ما يوجدون في أوضاع لا يتمتعون فيها بحماية القوانين والسلطات الخاصة ببلدهم الأصلي، فهم يحتاجون إلى المجتمع الدولي لتأمين حقوقهم الأساسية وحمايتهم من انتهاكات حقوق الإنسان التي قد ترتكب بحقهم. وهنا تبرز الحاجة إلى الحماية الدولية، لحين التوصل لحل دائم يستعيد في الحالة المثالية، الحماية للاجئين من قبل بلدهم الأصلي. وحسب اتفاقيات جنيف وكافة المعاهدات التابعة له، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومواثيق حقوق الإنسان التي مهدت الطريق للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن على دول اللجوء الالتزام بهذه القوانين لكي لا تلحق المزيد من الأذى بأولئك الذين يتعرضون أصلا لمأساة عظيمة.

وبموجب معاهدة اللاجئين للعام 1951 الخاصة بوضعية اللاجئين، وبروتوكول العام 1967، فإن حماية اللاجئين تتضمن: الاستجابة للحاجات المحددة مثل الأمن الشخصي، ووسائل العيش، وكذلك المسكن والرعاية الصحية، من أجل البقاء على قيد الحياة في الدولة المضيفة التي تم اللجوء إليها. وكذلك مكانة قانونية معترف بها، وتصريح للعمل، ومدخلا للمساعدات الإنسانية والخدمات الاجتماعية والتوثيق، كما يحق للاجئين الحماية حسب قانون الدولة الساري في القطر الذي تم اللجوء إليه.

إضافة إلى ذلك، وبسبب كون المرأة معرضة بشكل متميز، فيحق لها "رعاية ومعونة خاصة"، أما معاهدة إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والمبادئ الموجهة لحماية المرأة اللاجئة للعام 1991، فهي اعتراف بنقاط الضعف هذه، وبالتالي محاولة من أجل معالجتها. أما إعلان حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة، فقد أنشأ أيضا قوانين تفرض على الدول التي وقعت على الإعلان الالتزام بها، كما أنشأت إطارا موسعا يجب أن تتوفر فيه تلك الحماية.

ومع أنّ اللاجئين في شتى أرجاء الأرض يستمدون الحماية والمعونات التي توفرها الأمم المتحدة من خلال مكتب  المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة  (UNHCR)، سواء كانت حماية أو غيرها. إلا أن ذلك لا ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين في غالبية الأحيان. لقد لعبت الأمم المتحدة دورا في خلق مسألة اللاجئين الفلسطينيين وهنالك  شكّا بسيطا في أن هذه الحقيقة قد أثرت على قرارها القاضي بتطبيق نظاما مختلفا بشكل كامل. فبين أعوام 1948-1950 قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتأسيس هيئتين مختلفتين لمعالجة احتياجات اللاجئين الفلسطينيين. كانت الأولى لجنة التوفيق حول فلسطين التابعة للأمم المتحدة (UNCCP) والتي ألقي على عاتقها توفير الحماية للاجئين، والمساعدة على إيجاد حلول دائمة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا في العام 1948، أما الهيئة الثانية فهي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (UNRWA)، والتي انتدبت لتغطية المساعدات الإنسانية التي يحتاجها اللاجئين الفلسطينيين.

وبالرغم من محاولات توفير نظام حماية خاص للفلسطينيين، إلا أن عدم استمراري ذلك قد تسبب في فجوات حماية واسعة. فمنذ الخمسينات من القرن الماضي واصلت لجنة التوفيق حول فلسطين ((UNCCP وجودها على الورق فقط، ولكنها توقفت فعليا عن توفير الحماية أو أي نوع آخر من الخدمات. وبسبب شروط أحقية التسجيل لدى الوكالة(UNRWA) ، فقد استثنت من مسؤوليتها أغلبية واسعة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مناطق نشاطها. وهي لا تساعد على البحث عن حلول دائمة لمسألة اللاجئين الفلسطينيين.  كما أن وكالة الغوث الدولية (UNRWA) تعنى بالشؤون الإنسانية وتطلق على نفسها صفة أنها "لا تتدخل في النقاشات السياسية المتعلقة بمستقبل اللاجئين". جدير بالذكر أن الحماية والمساعدة الدولية لا تشكلان بديلا لحل قضية اللاجئين، ولكنهما تعتبران إجراءات مؤقتة أسست لمساعدة اللاجئين لحين إيجاد حل دائم لقضيتهم، الأمر الذي يسمح باستعادة الحالة الطبيعية لحياتهم. أما الهدف النهائي فلا بد من أن يكون دوما التوصل إلى الحل الدائم يستعيد فيه اللاجئون فرصة أن يتمتعوا بحماية دولتهم الأصلية وذلك عبر عودتهم الى ديارهم الأصلية التي هجروا منها. إنّ غياب الوكالة التي تقوم فعلا بالعمل على إيجاد أو ابتكار حل دائم يشكل مشكلة جسيمة.

التنكــر لحــق العـــودة


إنّ العقبة الأساسية التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون خاصة النساء والأطفال من بينهم، هي إنكار تطبيق الحل الدائم لهم. وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم الأصلية هو حق معترف به وبشكل كامل في البند 13 (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948: "لكل شخص الحق في مغادرة أيّ قطر، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده الأصلي." كما وأعيد إدراج حقّ العودة في معاهدات حقوق إنسان ملزمة قانونيا، كالميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، (البند 12(4) )، ومعاهدة إنهاء كافة أشكال التمييز العنصري (البند5 د (ii)).


وفي معرض بحثها عن حل دائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، لم تقم الجمعية العمومية للأمم المتحدة باقتراح أيّ من الاندماج المحلي في الأقطار العربية التي لجئوا إليها أولا، ولا إعادة التوطين في أي مكان آخر. "فمنذ البداية أوضح المجتمع الدولي أنه يرى في العودة الطوعية حلا مفضلا لهذه المشكلة". ففي 11 كانون أول 1948، قامت الجمعية العمومية بالتصويت على قرار يرسم معالم الحل الدائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا في العام 1948. فتحت الفقرة الحادية عشرة لقرار رقم 194(3) وقد قررت الجمعية العمومية ما يلي: "تقرر وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم في أقرب وقت ممكن ووجوب دفع تعويضات عن الممتلكات للذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وعن كلّ مفقود أو مصاب بضرر عندما يكن من الواجب، وفقا لمبادئ القانون الدولي وبشكل منصف، وأن تقوم الحكومات أو السلطات المسؤولة بذلك التعويض".

وهو ما يعني أن من حق اللاجئين الفلسطينيين العودة إلى منازلهم، وتلقي المسكن والتعويض عن الممتلكات وكذلك تلقي التعويضات عن الممتلكات المفقودة أو التي لحق بها الضرر. وكذلك، فإن من حق اللاجئين الذين يختارون ممارسة حقهم في العودة، تلقّي المساعدة لإعادة الاستقرار وتلقي التعويضات أيضا. وفي العام 1967، أكد قرار مجلس الأمن رقم 237 على حق اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا أثناء الحرب العربية الإسرائيلية التي دارت عام 1967 في العودة إلى ديارهم. وبالرغم من هذه القرارات اختارت إسرائيل وحلفاؤها تجاهل القانون ورفض ممارسة المرأة الفلسطينية مثلها مثل بقية اللاجئين لحقهم في العودة الى ديارهم التي هجروا منها.

التنكــر لحقــوق الإنســان الأساسيـــة


الى جانب التنكر لحل دائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، تواجه المرأة الفلسطينية اللاجئة فجوات في الحماية اليومية لحقوق الإنسان الأساسية. فمعظمهن يعتبرن من عديمي الجنسية، ولهذا لا يستطعن الاستفادة من الحماية التي عادة ما توفّر لأصحاب تلك المكانة القانونية. وتبدو فجوات الحماية على أخطر حالاتها في الشرق الأوسط، حيث تقطن اليوم الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين. وتعاني المرأة سواء في الخارج، أي في الدول العربية المضيفة أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من غياب حقها في تقرير المصير كما تعاني من البطالة ومحدودية الحصول على الرعاية الصحية، والمساكن المزدحمة والاضطهاد.

وحسب المبادئ التوجيهية لحماية المرأة اللاجئة، المتفق عليها في جنيف في العام 1991، يحق للمرأة حماية خاصة وذلك بناء على كونهن معرّضات بشكل متميز. لقد كانت هذه الخطوط متضمّنة في الحقوق والمبادئ الموجودة والقوانين الدولية السائدة مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومعاهدات إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ومعاهدة اللاجئين للعام 1951. وقد تم تفصيل تلك الحقوق والحمايات كما يلي:

تحتاج النساء إلى حماية ضد الهجمات المسلحة، وأشكال أخرى من العنف.

في الفترة الواقعة بين أيلول 2000 وأيلول 2004 تعرضت 206 نساء فلسطينيات للقتل، من بينهن 74 فتاة دون سن الثامنة عشرة، إما نتيجة للإصابة المباشرة بالذخائر الحية أو الإصابة بالأسلحة الثقيلة، كالمتفجرات والدبابات. لم تمت معظم تلك النسوة بسبب سلوك بادرن له بأنفسهن. فبدلا من أن تصلن بأمان إلى مدرستهن أو مكان عملهن، تتعرض النساء للموت، حيث يعتبر ذلك خسارة جانبية. تفيد النساء اللاجئات سواء في الدول المضيفة أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أنهن يتعرضن للاضطهاد بطرق وبأشكال مختلفة. فقد أفادت نحو 52 % أنهن يتعرضن للاضطهاد النفسي، بينما أفادت 10 % أنهن يتعرضن لاضطهاد جنسي، بينما أفاد 24 % أنهن قد تعرضن  للاضطهاد الجسدي على أيدي أزواجهن. في لبنان، أفادت ما يقارب 30 % من النساء اللاجئات، أنهن يتعرضن للعنف على أيدي أسرهن. ويتناقص مستوى العنف الذي تتعرض له النساء كلما ازداد مستوى التعليم. لقد أفدن النساء الأميات أو شبه الأميات أن مقدار تعرضهن للعنف يبلغ ثلاثة أضعاف ما تتعرض له المرأة التي وصلت إلى مستوى التعليم الثانوي فما فوق. وقد بينت الدراسات بشكل لا يقبل الشك، أن مستوى الإحباط الناجم عن عدم امتلاك حق تقرير المصير، وتحقيق الذات، والبطالة وطبيعة الحياة في مثل تلك الأماكن المحصورة، يشكل بيئة يصبح فيها الاضطهاد صفة دائمة.

الحمايـــة مــن عمليــات سجـــن غيــر مبــرر

في الوقت الحاضر تقبع ما يقارب المائة امرأة فلسطينية خلف قضبان السجون الإسرائيلية، بعض النساء المسجونات حاليا، ما زلن غير محكومات بالرغم من أنهن قد بقين في السجن لفترات طويلة من الزمن وغالبا دون أي إمكانية للزيارات الأسرية أو الاتصال بمحام. وفوق كل الإجحاف الممكن، جراء وجودهن في السجن إلا أن ظروف السجن نفسها مريعة، حيث تذهب التقارير إلى ما هو أبعد من الصراصير والفئران، فالطعام فاسد وغير كاف، والنوافذ مغطاة تماما في بعض سجون النساء، الأمر الذي يولّد حالة من اليأس جراء الظلام الدائم. وبغض النظر عما إذا كانت السجينات محكومات أو بخلاف ذلك، إلا أنهن عرضة للعقوبات التعسفية كالغرامات والحبس الانفرادي والحرمان من النوم أو الغذاء. وتجاوزا لما قد يسميه البعض "بالاضطهاد البسيط" فإن النساء تتعرض للتعذيب بشكل منظم، كما تتعرض للمعاملة الجسدية السيئة كما هو حال 80 % من الفلسطينيين القابعين وراء القضبان الإسرائيلية. وقد أفادت بعض تقارير النساء السجينات أنهن تعرضن للضرب والخنق والصدمات الكهربائية والحروق. ومع أن هذا الاضطهاد كثيرا ما يحمل صفة التعسف، إلا أن إدارات السجون الإسرائيلية تطبق أيضا نظاما كاملا من القمع السياسي. وبناء عليه كثيرا ما تقوم تلك الإدارات باضطهاد السجينات، كرد على أفعالهن.

ضمــان حقوقهــن الاجتماعيــة والاقتصاديــة

في الدول المضيفة، كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتعرض حقوق النساء الاجتماعية والاقتصادية إلى التجاوزات. ففي الدول المضيفة خارج فلسطين، لا تتوفر للنساء نفس فرص الحصول على الخدمات الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي كما النساء المواطنات. أما في الأراضي الفلسطينية المحتلة فإن القيود المفروضة، كالجدار والنظام المرتبط به، ونقاط التفتيش وأنظمة التصاريح، فقد خلفت آثارا كارثيّة على الحقوق الاجتماعية الاقتصادية للنساء.

في العام 2001، عبّرت اللجنة الخاصة بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية، عن قلقها إزاء الظروف المعيشية للاجئين والأشخاص عديمي الجنسية، وكذلك إزاء التفاوت في توفير المزايا الاجتماعية للمواطنين السوريين وللاجئين وعديمي الجنسية. وقد أوصت اللجنة باتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية لضمان تمتع اللاجئين وعديمي الجنسية، بحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية. وقد تم التعبير عن مخاوف مشابهة فيما يتعلق بلبنان. أما الأردن فتفيد التقارير أنها تشهد أضيق الفوارق في مجال فرصة حصول اللاجئين والمواطنين على الخدمات. مع أن العديد من المنظمات مثل منظمة العفو الدولية، ومراقبة حقوق الانسان (هيومان رايتس وتش)، ووكالات الأمم المتحدة الأخرى قد واصلت تقاريرها إلى العام 2006، التي تفيد أن بيئة اللاجئين الفلسطينيين تواصل فرض القيود على تقدمهم في كلا المجالين التعليمي والمعيشي. بوجود الجدار والنظام المرتبط به، وبوجود التمييز في الدول المضيفة يبدو فهم الأسباب الكامنة وراء تلك الإحصائيات أمرا ليس في غاية الصعوبة. إذ تبلغ نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة من 9-18 % في الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة. أما معدل تلك المشاركة فيزيد بزيادة مستوى التعليم. أما السبب الأساسي الكامن وراء الركود الاقتصادي بالنسبة للمرأة اللاجئة البالغة من العمر ما بين 15-24 سنة، فهو الواجبات الأسرية في كل من لبنان والأردن (44% و 43% على التوالي). ومن بين النساء اللاجئات اللواتي يعملن داخل وخارج المخيمات، تعمل الأغلبية في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.

عادة ما تكون معدلات البطالة بالنسبة للفلسطينيين أعلى منها بالنسبة للمواطنين من الدول المضيفة أو اليهود الإسرائيليين. وهي أعلى بالنسبة للنساء إذا ما قورنت مع الرجال. لكل من مستوى التعليم والإقامة في المخيم تأثيرا ممتزجا على معدلات البطالة، ففي مخيمات اللاجئين بالأردن تبلغ معدلات البطالة حوالي 13% للنساء و11% للرجال، أما خارج المخيمات، فتشهد النساء ارتفاعا حادا إلى الأعلى حيث يبلغ 30 % في مقابل 16% للرجال، وفي لبنان لا يبدو أن للإقامة في المخيم تأثيرا بالغا في هذا الشأن. فمعدل البطالة بالنسبة للرجال يبقى متساويا، أي 16% لمن يسكنون المخيمات أو خارجها، وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، حيث تبلغ معدلات البطالة 18% و 22% على التوالي. وفي سوريا تبلغ معدلات البطالة بين النساء 15.5% بينما تبلغ 13.2% بين الرجال. وبالطبع فإن الأرقام المتعلقة بالمناطق الفلسطينية المحتلة تتميز بأنها أكثر تفاوتا وأقل ثباتا. ففي العام 2005 بلغ معدل البطالة في قطاع غزة 44%، كما بلغ 60% في معظم مخيمات اللاجئين. أما في الضفة الغربية فقد تفاوتت معدلات البطالة من 22.4% و 32% . ولقد كان لمستوى التعليم علاقة أقوى بمعدلات البطالة في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففي إسرائيل تبلغ نسبة البطالة بين النساء الفلسطينيات 14 % و تبلغ 10.2 % للرجال ومع هذا تنخفض معدلات البطالة بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل 5.9% بالنسبة لأولئك الحاصلين على 13 سنة أو أكثر من التعليم.

تبين هذه الأرقام التأثير المدمر لحيازة الإنسان على مكانة اللاجئ فقط، على قدرته على البحث عن العمل. وفي الحقيقة فإن الأولاد الذين أجريت الدراسة عليهم في لبنان والذين تسربوا من المدرسة، فقد أفادوا أن محاولتهم للتعلّم كانت غير ذي نفع، بسبب أنها لن تزيد من فرص حصولهم على مهنة في أي حال من ألأحوال. كما يسبب الاقتصاد المدمر الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي، سوق عمل خاوية بالنسبة لنساء الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولذلك فهو يعكس إحصائيات كما التي ذكرت أعلاه.

حــق الحصــول علــى الاحتياجــات الأساسيــة

يتسم أكثر من ربع بيوت الأسر اللاجئة بالازدحام الشديد. فبينما بقيت مساحة مخيمات اللاجئين على ما كانت عليه قبل ما يفوق على خمسة عقود، تضاعف عدد اللاجئين بما يفوق الأربعة أضعاف. ويتسم التوسع في المناطق التي يسمح لهم فيها بالبناء، بالتوسع العمودي ومع ذلك هنالك بعض الأماكن، مثل لبنان، التي لا تسمح بالبناء حتى في المخيمات الأمر الذي يسبب ازدحاما شديدا ينتج عنه بيئة وظروفا صحية سيئة. أما الازدحام فهو يعني أن يعيش ثلاث أشخاص أو أكثر في غرفة واحدة، وهو على أسوأ حالاته في الأردن، حيث أفادت واحدة من كل ثلاث أسر بأنها تعاني من الازدحام. أما بالنسبة للأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان فقد أفادت واحدة من كل أربع أسر أنها تعاني من الازدحام. تتكون بيوت اللاجئين من حوالي ثلاث غرف في المتوسط، أما الطاقة الاستيعابية للبيوت فهي محدودة مما يفاقم من حجم مشكلة الازدحام. ومن المشاكل الأخرى التي تواجه أسر اللاجئين هي إمكانية الحصول على كمية آمنة ومستقرة من مياه الشرب. ففي سوريا أفادت 43 % من الأسر عدم رضاها عن مياه الشرب، وكذلك الحال بالنسبة لـنحو  28 % من الأسر اللاجئة في الأردن. وفي لبنان أفادت 45 % من الأسر اللاجئة أن مياه الأنابيب غير متوفرة داخل بيوتها، وليس لديها أي مصدر آخر للمياه الآمنة. تبنى بيوت اللاجئين من الخرسانة الإسمنتية أو الطوب الإسمنتي، مما يجعل عزلها في فصل الشتاء والمحافظة عليها جافة من الرطوبة أمرا صعبا، ويؤدي ذلك إلى زيادة فرص الإصابة بالأمراض والأوبئة، خاصة بين النساء والأطفال والشيوخ.

أما في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن أكبر المخاوف التي تتهدد البيوت هي استمرار هدم بيوت الفلسطينيين غير القانوني. لقد عبّرت لجنة مناهضة التعذيب الجسدي عن مخاوفها جراء "السياسات الإسرائيلية الخاصة بهدم المنازل، والتي قد تبلغ مبلغ العقوبة المهينة بشكل وحشي غير إنساني". وتتواصل أيضا عمليات مصادرة الأراضي بالرغم من ما يعبر عنه المجتمع الدولي من مخاوف، خاصة وأن 23 % من الفلسطينيين يفيدون بأنهم خسروا أراضيهم بين أعوام 1947 و 2004. بينما أفاد 8.7 % أن بيوتهم قد تعرضت للهدم خلال نفس الفترة. فقد قام الجيش الإسرائيلي بهدم 2521 بيتا تعود للاجئين في قطاع غزة، بين تشرين أول 2000 وحزيران 2005، تاركا 4337 أسرة بلا مأوى. وبشكل عام يرجع النقص في المساكن إلى الفقر، الذي يؤثر بالمقابل على إمكانيات حصولهم على الضروريات الأساسية كالغذاء والملبس. كما يفيد التقرير السنوي الخاص بوكالة الغوث الدولية UNRWA)) للعام 2004/2005 أنه بالرغم من أن نسبة الأسر التي تعيلها نساء تبلغ 13.8 % من مجموع الأسر اللاجئة إلا أن النساء يرأسن ما نسبته 46 % من الأسر التي تعاني من حالات العسر الشديد. يبين ذلك حقيقة أنثوية الفقر بشكل واسع في أوساط الوحدات الأسرية التي تعيلها إمرأة كبيرة السن أو امرأة عزباء دون سن الستين (أرامل ومطلقات ومهجورات). تواجه النساء عقبات هامة أثناء بذلهن الجهود لتوفير الغذاء والحاجيات الأساسية الأخرى لأسرهن كنتيجة لعدم وفرة المصادر وتناقص دخل الأسرة والقيود على حرية الحركة والتعرض للابتزاز والتحرش الجنسي. وكثيرا ما تكون تلك المصادر على الجانب الأخر من نقطة التفتيش، حيث تضطر النساء اللواتي يرفضن التفتيش الجسدي بأيدي جنود ذكور، إلى الانتظار لساعات قبل أن ينتهي الأمر بوصول جندية أنثى تسمح للمرأة الفلسطينية بالعبور إلى الجهة الأخرى. ويعتبر هذا النوع من المعاملة، والحرمان من الوصول إلى المصادر، مخالفة لمبادئ حقوق المرأة في الحصول على الأشياء الأساسية، كالملجأ والمأكل والملبس.

حــق الحصــول على العنايــة الصحيــة


للنساء حق في التمتع بقدر عال من المستويات الصحية. وتعتبر التغذية الكافية ومياه الشرب الصالحة والظروف البيئية الصحية، والمسكن والخدمات الصحية الأساسية مكونات رئيسية لمستوى الحياة الكافي لتطور ونمو المرأة جسديا وعقليا وروحيا وأخلاقيا واجتماعيا. ومع أن الحالة الصحية للنساء والأطفال  قد تحسنت بشكل ملحوظ عبر الخمس عقود الماضية، إلا أن تطورها ما زال يعاني من المعيقات في بعض المناطق. وبالرغم من حقيقة أن إمكانيات اللاجئين في الحصول على الخدمات الصحية التابعة للقطاع العام والتي توفرها الدول المضيفة في المنطقة متفاوتة أيضا، تبقى وكالة الغوث الدولية ( UNRWA) المزود الأساسي للرعاية الصحية في أوساط اللاجئين الفلسطينيين وتغطي خدمات وكالة الغوث الصحية، الرعاية الصحية الأساسية والغذاء والتغذية المساعدة، والمعونة على الرعاية الصحية الثانوية، والصحة البيئية في مخيمات اللاجئين. ويعكس توالي تقديم التقنيات الطبية والعلاجات الحديثة كاستجابة للحاجات الناشئة وكوسيلة للوقاية والتركيز على مكافحة أمراض معينة، يعكس كل ذلك الإدراك المتزايد لحق اللاجئين الفلسطينيين من  النساء والأطفال في التمتع بأعلى مستويات الصحة التي يمكن تحقيقها.

وتقوم كافة النساء اللاجئات تقريبا بزيارة العيادات الصحية أثناء فترة الحمل، كما تتلقى معظمهن مساعدة مهنية أثناء الولادة، بينما توجد أدنى المستويات على هذا الصعيد في لبنان وسوريا. وقد انخفضت نسبة الوفيات بين الرضع وحديثي الولادة، إلا أنها ما زالت مرتفعة في لبنان. ولا يوجد هنالك فرق كبير بين اللاجئين الذين يسكنون المخيمات وغيرهم من اللاجئين، في مجال الوصول إلى مساعدة أثناء الولادة، باستثناء الأردن حيث يتدنى توفر هذه الخدمة في المخيمات عن باقي المناطق.

وقد نص النداء الطارئ لوكالة الغوث الدولية (UNRWA) للعام 2005 على أن العديد من اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يعد بإمكانهم الحصول على الخدمات الصحية، بسبب القيود المفروضة على حركتهم وتشير تقديرات طاقم وكالة الغوث الدولية (UNRWA) أن الحالة الصحية للنساء والأطفال، قد تدهورت بشكل واضح أثناء الثلاثة سنوات الماضية، وأن حوالي 42 % من الأسر المتأثرة بالجدار في الضفة الغربية، مفصولين عن مرافئ الخدمات الصحية وهذا أمر إشكالي بشكل خاص في مناطق التماس حيث أن 79% من الأسر مفصولين عن العيادات والمستشفيات.

إن لانعدام توفر الخدمات الصحية كبير الأثر على النساء والأطفال والشيوخ، وقد سجّلت 56 حالة اضطرت فيها النساء للولادة على نقاط التفتيش، حيث منعهن الجنود الإسرائيليين من العبور. وتبدو قصص الرعب كأن يتجاهل الجنود صرخات ألم الأمهات اللواتي يعانين آلام المخاض، بينما هم يجلسون ويحتسون شايهم، أمرا مألوفا. وقد مات 31 رضيعا في حالات مشابهة لذلك، وقد كان بالإمكان إنقاذ معظمهم على أيدي أيّ إنسان يعمل في مجال الطب. وقد ماتت ثلاثة من تلك الأمهات أيضا، ومرة أخرى كان من الممكن إنقاذ حياتهن لو سمح الجنود لهن بالعبور.

خاتمـــة

خطت وكالة الغوث الدولية (UNRWA)  ومنظمات دولية أخرى خطوات واسعة في محاولتها لتوفير الخدمات للاجئين الفلسطينيين، لكي يضفى ذلك على حياتهم، صبغة من الاعتيادية على ألأقل. ومع ذلك فإن المساعدات الإنسانية لا يمكنها أن تقوم مقام الإجراءات السياسية التي من شأنها ضمان احترام القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي أبعد نقطة يتوجب الذهاب إليها، لتوفير الحماية الكافية لحقوق النساء الفلسطينيات اللاجئات.

وكما سبق وأن أوضحنا ففي ظل غياب الحلول الدائمة يواصل أولئك الذين يتبوءون مراكز القوة، تجاهل حقوق الإنسان، والقانون الإنساني وحقوق اللاجئين، ويتواصل تعرض النساء وبالتالي الأطفال، إلى مخاطر استمرار انتهاك حقوق الإنسان في الدول المضيفة وفي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. أما الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فهي ملزمة حسب القانون بضمان احترام حقوق الإنسان المتفق عليها دوليا، فيما يتعلق بالنساء. وكذلك الحال بالنسبة للأربعة أطراف الأساسية لمعاهدات جنيف الرابعة، فهم ملزمون بضمان احترام ملحقات الميثاق، بما في ذلك الاعتراف بحق العودة. فعندما يتم التأسيس لذلك ويتم احترام القانون الدولي، سوف لن يصبح السلام الدائم ضربا من الخيال بعد ذلك ولكن حقيقة.

____________________

كلاوديا بينا هي باحثة اجتماعية تدرس القانون في جامعة كاليفورنيا-لوس أنجلوس