تكيّــف المــرأة الفلسطينيــة اللاجئـــة مــع اللجـــوء

تكيّــف المــرأة الفلسطينيــة اللاجئـــة مــع اللجـــوء

بقلم:عــروب العابـــد

تعرض هذه المقالة الطرق المختلفة التي استخدمتها المرأة الفلسطينية اللاجئة للتكيّف مع الظروف الجديدة الناتجة عن التهجير من الوطن والديار. تضمّن هذا التكيف تحمل المرأة المزيد من المسؤوليات داخل البيت وخارجه وذلك لتلبية الاحتياجات الأسرية. فبينما قوّت تجربة اللجوء من دور المرأة في المجتمع, نجحت سياسات وأنظمة الدول المضيفة في الحد من هذا الدور في مختلف جوانبه. ومن خلال دراسة بعض الحالات، وتحليل مختلف جوانب حياة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن, خاصة الغزّيين الذين يعيشون في مخيم جرش، واللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مصر، تعرض هذه المقالة الأدوار التي اضطلعت بها النساء والعقبات التي أثرت على تقدمها.

وتظل الحقوق التي يتمتع بها اللاجئون الفلسطينيون في مصر محدودة عموما: فلا أذون عمل لهم في القطاع العام، ويخضع عملهم في القطاع الخاص إلى شروط معينة، ولا حق لهم في التعليم المجاني, وحقوقهم في التملك محدودة. أما حقهم في التنقل والسفر فهو محدود للغاية. كان للاجئين الفلسطينيين الذين أتوا  إلى الأردن من غزة (التي كانت تحت الحكم الإداري المصري), والذين يسمون بالغزّيين, حقوقا معينة محدودة في الأردن, إذا ما قورنت بحقوق اللاجئين والنازحين الذين تجنسوا بالجنسية الأردنية. إن اخضاع اللاجئين إلى ظروف قانونية متباينة وتمييزية قاسية بالإضافة إلى تجارب التهجير القاسية عن الوطن والديار أثر في دور المرأة- وهو ما ستتناوله هذه المقالة تحديدا.

"مستضعفـــون"

في إطار رحلة اللجوء تم وصم النساء اللاجئات والأطفال دوما باعتبارهم المستضعفين. فمن ناحية, يقول البعض أنه لا يجب النظر إلى ذلك من حيث خصائص الأفراد والأسر فحسب، ولكن أيضا في إطار سياسات الدول، والخصائص الأعم للمجتمع. ومن الناحية الأخرى فإنه من الضروري معرفة أن اللاجئين يجدون أنفسهم من حيث التعريف، في خضم جو من التغيير والتحول في كلا الجانبين: الروحي الشخصي والثقافي، وقد تستمر النظرة إلى اللاجئين باعتبارهم مستضعفين إلى أن يتكيفوا مع الظروف الجديدة.

ظاهــرة تأنيــث الفقــر:
  كما قالت نهلة عبده في بحثها الصادر في العام (2000), تشكل ظاهرة تأنيث الفقر إحدى خصائص مخيمات أو تجمعات اللاجئين. وفي العديد من الحالات وجدت النساء الفلسطينيات اللاجئات أنفسهن بلا رجل تقليدي يكسب القوت، أو يرأس العائلة وذلك كنتيجة للظروف السياسية؛ حيث أن الرجال هم ذلك الجزء من منظمة التحرير الذي انضم إلى مجموعاتها العسكرية، أو حيث دفعت الظروف الاقتصادية بالرجال إلى المغادرة طلبا للعمل فأصبحوا بذلك عمالا مهجريّين. وهنا اضطلعت المرأة بأدوار مختلفة كتأمين العيش للأطفال والمسنين والمرضى، كما أصبحت عنوان الاستمرارية كحاضنة ثقافية واجتماعية.

ومن خلال المقابلات الميدانية التي أجريت مع نساء فلسطينيات في مصر تبين أن العديد منهن كن قد هجرن أو طلّقن عندما عاد أزواجهن إلى غزة. ففي معظم الحالات كان أزواج تلك النسوة قد عملوا لدى منظمة التحرير الفلسطينية وعرض عليهم مناصب في السلطة الوطنية في غزة. وحال وصولهم إلى هناك بدأ الأزواج حياة جديدة، ومهنة جديدة مما دفعهم – على غير حق – للبحث عن أسرة وبيت جديدين. وحال قيامهم بذلك أنهى الكثيرون منهم علاقتهم بأسرهم التي تركوها وراءهم في مصر. وفي المقابل تضاعف حجم مسؤوليات النساء فأخذن على عاتقهن مهمات إدارة الأسرة وتوفير الدخل عن طريق العمل خارج المنزل. عبرت بعض النساء اللواتي قابلتهن عن حالة من الإحباط، جراء عدم اضطلاع أزواجهن بمسؤولياتهم حيث أهمل الكثيرون منهم واجباتهم الأسرية وما عادوا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية فقط بينما تركت النساء لتحمل العبء كله.

كما كشفت المقابلات عن ميل الرجال الذين سافروا طلبا للعمل، خاصة في ألوية منظمة التحرير العسكرية، سواء كانوا جنودا أو ضباطا إلى إنشاء أسر خاصة بهم حيثما استقروا. ففي مصر على سبيل المثال قد يتزوج الرجل الفلسطيني بامرأة مصرية من أجل الحصول على وضع إقامة قانوني، ولكن أيضا قد يلجأ إلى الزواج بامرأة فلسطينية أخرى في غزة أوفي أي مكان آخر يكثر السفر إليه. فالزوجات بالنسبة للرجال تساعد على إنشاء قاعدة بيتيّة مستقرة. أما بالنسبة لتلك النساء، فقد يلعب الأزواج دورا هاما كمعيلين. وبالتأكيد فان هكذا وضع قد يضطر المرأة المطلقة أو الأرملة للزواج ثانية من أجل ضمان مصدر رزق لإعالة أسرتها، او من اجل تجنب "القيل والقال" تحت ضغط التقاليد والأعراف وبعض القيم الاجتماعية. ومع ذلك "ازدادت تلك الأدوار تعقيدا؛ فبارتفاع نسبة الخصوبة بين الفلسطينيين، ووجود بنية ثقافية وأعراف تعطي الرجل ميزة حق التعلم دون المرأة علاوة على أن البنات وبخلاف الأولاد كثيرا ما يسحبن  من المدارس أو حتى يمنعن من التعلم وذلك لأن بهنّ حاجة كأيدي عاملة إضافية، تساعد على صيانة الأسرة أوإعادة إنتاجها" (عبده 2000).

وفي ثقافة كهذه ينظر إلى المرأة أيضا على أنها استثمار أو مقدّر مالي يحرز من خلال الزواج. ففي العديد من المقابلات دافع الوالدان عن أن مهر الفتاة سيكون مصدرا ماليا إضافيا وأنه مساعدة من زوجها إلى أنسابه وأمرا لا بد منه. ومن هنا فإن الزواج المبكر سواء كان لسبب اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي فإنه يؤثر على المستوى التعليمي للمرأة ويقلل من فرص المشاركة المجتمعية المتاحة لها. ان تلك النظرة نابعة من الاعتقاد أن أي من التعليم أو المشاركة العامة في قوى العمل المدفوعة الأجر، بشكل عام، لا تشكل عوامل هامة في مجال تطوير المرأة.

ويمكن أن تستغل المرأة بسهولة في سوق العمل (الأجور، ساعات العمل، ظروف العمل الخ...) هذا وتساعد حالة اللجوء بشكل أكبر على استغلالهن،كما هو الأمر بالنسبة لهويتهن الجنسية، فلمجرد كونها امرأة يشتد استغلالها أثناء عملية الاستخدام بأجر. ولهذا لن يكون مفاجئا أن تتفاوت معدلات خسارة فرص العمل وإمكانيات الحصول عليها إذا ما أخذت اعتبارات عامل الجنس بالحسبان. ويلاحظ بالنظر إلى الدراسات أن المرأة اللاجئة عموما تعاني من مختلف أشكال العنف البيتيّ ( تعاني النساء والبنات بشكل خاص وطأة هذا العنف) وذلك نتيجة لالتقاء عوامل الصعوبات الاقتصادية والازدحام والإحباط الاجتماعي مما يسهم في تغذية الانحراف الاخلاقي والاجتماعي على المستويين الفكري والسلوكي.

إن تهميش النساء اللاجئات الحاصل حاليا، بالاضافة الى خسارتهن إمكانية الوصول إلى أراضيهن باعتبار ان الأرض شكلت الوسيلة الأساسية للرزق والعمل كما اعتدن في السابق ادى الى اضعاف دور المراة وحجم مشاركتها المجتمعية. لقد أصبحن يعتمدن على مؤسسات الإغاثة لتلبية احتياجاتهن الأساسية (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أو منظمات إغاثة غير حكومية أخرى.). ولعل هذا يفسر لماذا تتمحور تجاربهن الحياتية حول ظروفهن المعيشية وحقوقهن وأدوارهن بينما تراجع  مدخلهن إلى الحياة العامة وبشكل خاص العمل والتعليم على سلم الأولويات.

لقد تراكمت الأنظمة والقيود المفروضة على اللاجئين وخاصة على النساء لتصل في عدد من الحالات إلى طريق مسدودة. فمن جهة تحرم تلك القيود اللاجئين المصنفين كعديمي الجنسية (ممن لا يحملون أية وثائق رسمية)  من الحماية القانونية اللازمة. فوفقا لقوانين الدول المضيفة  وحسب ما هو معمول به فيها، فإن انعدام الدولة يقوض الأهلية القانونية للاجئ وبالتالي يحط من حجم حقوقه والتزاماته.  إن تعرية اللاجئين وتركهم بلا غطاء قانوني  يحول أولئك الأشخاص البسيطين إلى ضحايا لا حول لها ولا قوة ويجعلهم بلا أي مصدر قانوني لحل مشكلاتهم.

خطة المرأة اللاجئة للتكيف مع وضع اللجوء


نظريا، يعتمد تعريف الجنسين على ثقافة المجتمع باعتباره بنية رمزية  وكذلك فهو دور اجتماعي، ومنظومة من العلاقات (مور1988). وبغض النظر عن خلفياتهن الثقافية والقيود التي تفرضها عليهن المؤسسة الاجتماعية، تمكنت النساء اللاجئات من إبداء قبول ملحوظ للتكيف وللاضطلاع بأدوار جديدة وغير مألوفة في بيئة تمتاز بمعارضتها لاستقلال المرأة وتوكيدها  لذاتها. يشير كيبريب (1995)، من خلال دراساته الخاصة باللاجئين الاريتريين في السودان, إلى النساء اللاجئات اللواتي يعشن في المناطق المدنية على أنهن "عوامل للتغيير" حيث فرض عليهن حمل مسؤوليات كبيرة مما أدى إلى إحداث تغيرات في العلاقة بين الجنسين قادت النساء إلى تحقيق مقدار أكبر من الحرية. وفي الوقت نفسه, يرى الباحث في المرأة اللاجئة في المناطق الريفية "كمصدر للاستمرارية" على أساس أن العلاقات الأبوية كلما ازدادت قوة خضعت المرأة للمزيد من القيود والتبعية.

بمرور الوقت قامت النساء المتزوجات بفلسطينيين بأدوار حيوية في حياة أسرهن وبشكل متزايد وكذلك في صناعة القرارات الهامة المتعلقة بأسرهن.  لقد أدت الضغوطات الاقتصادية بالكثير من النساء إلى القيام بأدوار نشطة في سوق العمل، والاضطلاع بدور كاسب للرزق. وكذلك فقد أدت البطالة المستشرية بين الذكور والضنك الاقتصادي إلى إلقاء ضغوط أعظم على كاهل النساء مما جعلهن أكثر نشاطا في سوق العمل. أما بالنسبة للنساء فالعثور على فرصة عمل مقبولة اجتماعيا هو أحد التحديات. فالكثيرات من النساء اللواتي قابلتهن منخرطات في النشاطات المدرّة للدخل، والتي تحتفظ بالأفكار التقليدية حول أدوار المرأة السائدة في المجتمع الفلسطيني والتي لا تتطلب الحضور إلى مكان عمل خارج المنزل.

وكثيرا ما كن النساء سواء في المناطق الريفية أو الحضرية مسؤولات عن التعامل مع الشؤون البيروقراطية أو الإدارية المصرية. وفي العديد من الحالات كنّ يقمن بالتسجيل نيابة عن أزواجهن المشغولين بالعمل ويستخدمن أساليبهن الدبلوماسية من أجل تنظيم الوثائق والأوراق. وعلى سبيل المثال، كثيرا ما تكون الزوجة هي من تقوم بتجديد الإقامة ووثائق السفر المصرية وتحضير الوثائق اللازمة لمدارس الأولاد.

لقد وفرت بيئة المخيمات وتجربة اللجوء بعض الفرص لزيادة سلطة المرأة في الأسرة من جهة والى تدخل الرجال في الواجبات المنزلية من جهة أخرى. لقد أثبتت الدراسات الميدانية ودراسة بعض الحالات أن للمرأة اللاجئة قدرة غير عادية على الاحتمال إذا ما قورنت بالرجال (كبريب 1995). وتوضح بعض حقائق الواقع كيف تستطيع النساء اللاجئات فرض سلطتهن وإعادة التفاوض على موقعها في البنى الرتبية في مجتمعهن المحلي. وتجدر الملاحظة هنا،  كما لاحظ الكثير من الباحثين أن تبادل الأدوار الاقتصادية بين الزوجين لا يؤدي بالضرورة إلى تبادل أدوار السلطة أو تغيير تقسيم العمل الأسري.

أحد الأدوار الأساسية التي لعبتها نساء المخيم هو التكاثر ونقل الثقافة القديمة والهوية القومية المفقودة. وقد لاحظت روزماري صايغ (في عبدو2000) إن هذا الدور قد قوّى الهوية الوطنية الفلسطينية ودفع بالمرأة إلى مكانه أعلى في الأسرة وهو أحد الأدوار الذي كثيرا ما يجري تجاهله وعدم تقدير قيمته عدا عن وظيفة الإنتاج العامة. وبهذا تعطى الأولوية للاهتمامات الوطنية على حساب حقوق المرأة.

إن التعامل مع الظروف غير المستقرة وبشكل خاص من الناحية المالية تجعل أعضاء الأسرة يتوقعون من المرأة أولا أن تبيع مصوغاتها وممتلكاتها الشخصية-في الحالات التي اضطر الناس فيها إلى بيع الممتلكات الشخصية صرّح الكثيرين أثناء مقابلتهم أن أول ما يباع هو الممتلكات الشخصية للمرأة. يعتمد أسلوب الحرمان من الممتلكات هذا باعتباره تمييزيا ضد المرأة من حيث تأثيره ودلالته على أن المرأة مستضعفة بشكل خاص وتفتقر إلى سلطة اتخاذ القرارات في داخل أسرتها (Narayan et al 2000).

خاتمـــة
من المستبعد أن يتغير التمييز ضد المرأة الفلسطينية اقتصاديا وسياسيا، ماليا وثقافيا، واجتماعيا في كافة أرجاء الوطن العربي دون اهتمام خاص بهذا الأمر. وبالرغم من المعيقات المتنوعة والقيود المفروضة على المرأة اللاجئة فقد نجحت في وضع آليتها الخاصة للتعامل والتكيف. كما تضاعفت مسؤوليات العديد من النساء حيث كنّ مسئولات عن إدارة شؤون المنزل نفسه وكسب الدخل خارج بيت الأسرة. أدّى الازدياد النسبي لسلطة النساء الاقتصادية إلى تحطيم الصورة المقبولة تقليديا والقاضية بأن الذكر هو كاسب الرزق الرئيسي (Narayan 2000.) لقد عبرت بعض النساء في مقابلات أجريت معهن عن إحباط تجاه عدم اضطلاع أزواجهن بمسؤوليتهم وتجاه حقيقة أن العديد من الأزواج قد أهملوا واجباتهم تجاه أسرهم. لقد تركت النساء لتحمل مسؤولية ضمان وجود دخل كاف لتلبية الحاجات اليومية للأسرة. اقترحت بعض النساء أثناء مقابلتهن أن الكثيرات منهن قد أثبتن قدرة أكبر من الرجال على "صرك أسنانهن ومواصلة العمل" (Narayan 2000).
___________________________________
مراجع:

·       عبدو، نهلة (2000)  Engendering Compensation: Making Refugee Women Count!- معد لأجل الخدمات الارشادية والاستشارية، مركز بحث صندوق التطوير العالمي-أوتاوا. http://www.arts.mcgill.ca/mepp/new_prrn/research/papers/abdo_06.htm

·       العابد، عروب(2005)،   " Immobile Palestinians في   Mondes en mouvements, Migrants et migrations au Moyen-Orient au tourant du XXIème siècle -. صادر عن المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى (IFPO)، بيروت

·          العابد، عروب(2006-سيصدر قريبا)  , Unprotected in Egypt : Living and coping as a Palestinian- ، كتيب معد للنشر

·          Kibreab, Gaim (1995) Eritrean Women Refugees in Khartourm, Sundan, 1970-1990. Journal of Refugee Studies, 8 (1):1-25

·          Lammers, Ellen (1999) Refugees, Gender and Human security- A theoretical introduction and annotated bibliography, International Books, The Netherlands

·          Moore, Henrietta (1988) Feminism and anthropology, Cambridge: Policy Press

·          Narayan, D. et al. (2000) Voices of the Poor, Crying out for Change, World Bank

______________________

عروب العابد هي المديرة التنفيذية لمركز دراسات وأبحاث اللاجئين ومقره في العاصمة الأردنية عمان. للعابد العديد من الأبحاث حول اللاجئين الفلسطينيين.