مـا أخرجتـه نسـاء فلسطيـن معهــن أثنــاء التهجيـر فـي العــام 1948

 مـا أخرجتـه نسـاء فلسطيـن معهــن أثنــاء التهجيـر فـي العــام 1948

بقلم:رفعــة أبــو الريـــش

للكشف والإطلاع على حقيقة الجرائم البشعة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني أثناء نكبة فلسطين عام 1948، تجيء هذه المقالة التي تبحث بما أخرجه اللاجئون الفلسطينيون معهم أثناء الهجرة، بالاعتماد على الرواية الشخصية للنساء اللواتي عايشن تلك المرحلة، على اعتبار أن المرأة متحدثة جيدة، وراوية صادقة للأحداث التاريخية بالإضافة إلى أنها شريكة إلى جانب الرجل في تلك المرحلة العصيبة التي مر بها الشعب الفلسطيني أثناء عملية التهجير والاقتلاع من أراضيه. وفي هذه الدراسة التي نفذت على مجموعة من نساء مخيم الأمعري سنحاول من خلالها التعرف على ماهية الأشياء التي أخرجها اللاجئون الفلسطينيون معهم أثناء الهجرة. ولماذا أخرجوا معهم تلك الأشياء؟ وما علاقة الهجمات الصهيونية على القرى والمدن الفلسطينية بما أخرجه اللاجئون معهم من وجهة نظر النساء أنفسهن ؟ وذلك لإبراز دور النساء في تاريخ العائلة الفلسطينية وتاريخ القضية الوطنية، وللتأكيد على أهمية دور المرأة في تدبير أمور العائلة والمحافظة على استمرارها وبقاءها.

 وقد تبين في دراسات سابقة تناولت هذا الموضوع أن دور المرأة كان أساسيا ومهما. يمكن التدليل على ذلك من خلال ما تم حمله من قبل اللاجئين الفلسطينيين، خصوصا النساء، من أشياء وأدوات ضرورية ولازمة للأسرة أثناء عملية التهجير.  تجدر الإشارة هنا إلى ما أشارت إليه ربيحة علان علان في دراستها لرسالة الماجستير بجامعة بير زيت بتاريخ 13 أيار  2005 حول "دور المرأة الفلسطينية الريفية اللاجئة في الحفاظ على العائلة 1948– 1962". حيث ذكرت: "أخرج معظم أهالي القرى أشياءهم عندما كان بإمكانهم أن يختاروا ما يخرجون، فكان بعض الطعام وأدوات بسيطة تستخدمها النساء في إعداد الطعام وبعض الفراش بكمية مشابهة لتلك التي كانوا يخرجونها عندما يخرجون للتغريب في الكروم في مواسم نضج الثمار". هذا بالإضافة إلى ما استنتجته من خلال عملي مع النساء بمخيم الأمعري عبر المركز النسوي في الأمعري؛ حيث قمنا في العام الماضي بإحياء الذكرى السابعة والخمسين للنكبة ونفذنا معرض "من ريحة البلاد " في 15 أيار 2005 الذي ضم جميع الأشياء والأدوات التي تم إخراجها مع اللاجئين الفلسطينيين أثناء النكبة. وتبين لي من خلال ما تم عرضه بالمعرض ما هي الأشياء التي تم إخراجها، وعلى ماذا ركزت النساء في انتقاء ما تم إخراجه، وكيف أن العديد من اللاجئين من القرى والمدن التي تعرضت لهجوم مفاجئ أو لحصار أو لمذبحة أو للطرد بالأوامر العسكرية المباشرة خرجوا معدمين أو شبه معدمين، ولم يتمكنوا من إخراج أي شيء معهم من ممتلكاتهم. هذا هو ما دفعني فعلاً الى البحث في هذه الدراسة لإبراز دور النساء في عملية تحمل مسؤولية انتقاء وحمل الأشياء والأدوات التي تم إخراجها مع اللاجئين أثناء الهجرة، وأهمية ذلك في الحفاظ على العائلة وتدبير أمورها.

دور المــرأة الوطنـي قبــل التهجيـر


تروي الحاجة زينة موسى العبد موسى (من قرية النعاني وكان عمرها 11 سنة قبل التهجير): "لما طلعنا من النعاني ما طلعش [ما خرج] مع أبوي في جيبته سوى ليرتين ونص، لانا بقينا شاريين ارض جديدة مع أرضنا، بقت [كانت] أمي تحب تشتري ارض، أبوي يشتغل وأمي تشتري أراضي وأمي باعت ذهبها كمان، مع مصاري شغل أبوي واشترت الأرض بدل ما اليهود تخذها كنا نشتري الأرض من الكبار [ملاكي الأراضي]".  

تطلعنا هذه الرواية على الدور الوطني الكبير الذي لعبته المرأة الفلسطينية بالاعتماد على فطرة انتماءها الحقيقي للأرض ( الوطن ) قبل وجود الأطر والمنظمات النسوية. ويظهر جلياً هنا حسن تدبير المرأة وحسن تصرفها بنقود عمل زوجها بالإضافة الى تضحيتها بمصاغها من أجل شراء ارض جديدة مع أنهم يملكون الأرض وذلك للحفاظ على أراضي القرية وخوفا عليها من أن يقدم اليهود على شراءها من كبار الملاكين حينذاك.  كما تظهر هذه الرواية مدى قوة شخصية المرأة القروية وقدرتها العالية على التحكم بمصادر دخل الأسرة والتصرف السليم فيها لمصلحة العائلة والوطن.

مــا أخرجـه اللاجئــون خــلال التهجيــر

وتروي الحاجة صدقية خليل عبد الدين (من قرية لفتا وكان عمرها 4 سنوات قبل التهجير) ذكرياتها حول تهجير أهالي لفتا في العام 1948: "كنا قاعدين في الدار وإلا الطخ علينا من جهة محنيودا [حي محني يهودا في القدس الغربية] وكان الطخ فوق روسنا على وسط الدار ولما زادوا الطخ علينا كان عند أبوي ترك [شاحنة] حملنا أواعينا [ملابسنا] بالترك وشردنا، أخذنا شوية لحفة ومخدات وكانت أمي عاجنة حملت العجين وإحنا قعدنا فوق الترك وحملنا طاحونة القمح والغربال والعجينات وشردنا". وحسب هذه الرواية استطاع أهالي لفتا حمل ما تمكنوا من حمله معهم أثناء التهجير والفرار به.

ولكن الوضع كان مختلفا عما حدث في قرية تل الصافي قضاء الخليل. هكذا أخبرتنا الحاجة خديجة محمد خالد العزة: "في ليلة من شهر رمضان وعلى السحور إلا الطخ قايم علينا آه ظلوا يطخوا ساعتها هجت [هربت] البلد كلها ما ظلش حد، واليهود يطخوا ورانا ويقولوا كاديما [إلى الأمام، بالعبرية] وإحنا نجري. كثير ناس من بلدنا انطخوا هديك الليلة. البلد كلها مطوقة ما في إلا الباب الشرقي فاتحينه اليهود بالعمد علشان الناس تهرب منه وظلينا نجري لما وصلنا قرية اسمها عجور وما أخذنا معنا اشي والله في نسوان ما حملوا إلا الثوب اللي عليهم واللي بقت [كانت] نايمة بالفستان طلعت زي ما هي فيه". هكذا احتلت قرية تل الصافي بالهجوم العسكري المباشر ومباغته دون سابق إنذار مما استحال على أهلها أخذ أي شيء من ممتلكاتهم معهم.

المعانـاة وحكمـة كبـار السـن


تحدثنا الحاجة زهرة يوسف أبو طه عن الرملة مشيدة بدور حَماتها أثناء الحرب: "إحنا قاعدين في الدور بعد ما سمحوا اليهود إلنا، بعد ما أخذوا جيزانا [أزواجنا] أسرى انه نرجع على دورنا إلا سماعة الرئيس [الجيش الأردني] بتنادي يا أهل الرملة هذا جيش وإحنا ما بنقدر نحميكم اللي عنده بنات صبايا واللي عنده حريم صبايا يطلع على الشارع الرئيسي. وإلا حماتي قالت لنا إلي ولسلافاتي خذولكم طنجرة بتسلقوا فيها شوية شغله للأولاد وحملت أنا من لهفتي طنجرتين وتشت العجين [لجن] وأواعينا كانت حماتي حطاهم [وضعاهم] في وجه مخده والله ظليت ألبسهم لوين وين بعد الهجرة وحملتهم طول الطريق من الرملة للأمعري على راسي وحاملة بنتي الصغيرة كان عمرها شهرين بأيدي. وذهباتنا أنا وسلافاتي كانت حماتي لفاهم على أجريها حطاهم بمحارم، ولفاهم ولابسه جربان عليهم وما وصلنا هون في رام الله شوفي أكم يوم هذا الحكي على اجريها.. أكم يوم قعدنا بالدير وأكم يوم وإحنا بالطريق.. شو كل اجريها بقابيش بقابيش [بقع] ومسلخات والدم يشر منهم.. حماتي كبيرة وواعية عشان هيك عملت عشانا.. لو احنا لدشرنا [تركنا] الذهب في الرملة ما أخذناه ولولا عملتها هذه لمتنا من الجوع بعد الهجرة طول الوقت نبيع منه ونصرف على حالنا".

دوماً وأبداً وفي وسط المعاناة والظروف الصعبة تظهر حكمة الكبار. يتضح لنا مما تقدم هنا لولا نصائح هذه المرأة وما فعلته من أجل أبنائها وإخفائها للمصاغ  لضاعت أموال هؤلاء النسوة هن وأبناءهن، خصوصاً بعد وقوع أزواجهن بالأسر وعدم وجود معيل لهن يتدبر أمورهن وينفق عليهن لكن ما أقدمت عليه هذه السيدة أنقذ حياة عائلة ممتدة وحفظها بأكملها لحين عودة أبنائها من الأسر فكانت هي الرجل والمرأة بنفس الوقت.

تسللــت مــع أبــي


تحدثنا الحاجة زينة موسى العبد موسى عن قصة تسللها مع والدها الى قرية النعاني بعد لجوءهم الى مدينة الرملة القريبة من قريتها ومكوثهم فيها لمدة شهر قبل مجيئهم الى مخيم الامعري: "لما طلعنا من النعاني قعدنا في الرملة شهر كامل قبل ما تسقط الرملة تسللنا من طريق قرية البرية مرقنا [مررنا] أنا وأبوي وروحنا على النعاني مش بعيدة البرية عن بلدنا روحنا على الدار لقينا الدار مسكرة [مغلقة] وبعيد عنك في إلنا كلبة قاعدة على رفاف الدار لما شفتنا أنا وأبوي صارت تسوي بحالها [تحرك حالها] عرفتنا ما عوتش علينا، ويومها أخذنا عدة النجارة كان أبوي نجار يشتغل في وادي السرار قبل التهجير وأخذنا كيس قمح كنا قبل الهجرة عاملين خمس دنومة ( دونم ) قمح استعجال حملنا كيس قمح وعدة النجارة على الحمار بعيد عنك وأبوي قعد يسكر باب الدار ورجعنا وإحنا راجعين على الرملة شفنا راس واحد مقتول من أهل بلدنا أبوي عرفه كاين الثاني متسلل وقتلينو اليهود بعديها أبوي خاف وما رجعش [لم يرجع] يتسلل. أبوي وحداني ومالوش أولاد [لم يكن له أبناء ذكور] مالوش إلا أنا وأختي فاطمة". كان اللاجئ الفلسطيني يخاطر بنفسه ويدفع حياته مقابل كيس قمح أو لحاف على أمل العودة الى الديار وعلى أن الأزمة مجرد أيام معدودة وسوف تنتهي ولكن الحال استمر..

ذكريــات الماضــي وآلام الحاضـــر

تتحدث الحاجة صدقية خليل عبد الدين عن ذكريات الرحيل عن لفتا وعن ذكريات لجن العجين الذي أخرجته والدتها وقت التهجير بمرارة: "لجن العجين لليوم عندنا ذكرى من حياة أمي وصية امي قالت لازم يظل هذا اللجن لولد ولد ولدي، لازم نذكره ونذكر كيف كنا نعجن في البلاد، أمي الله يرحمها بعد الهجرة لما كانت تعجن فيه كانت تعبي العجين دموع [تذرف الدموع بغزارة] تعيط [تبكي] على ثيابها وذهبها وعلى رزقنا وأرضنا اللي تركناه في البلد. صدقي انه لما بشوف لجن العجين بقعد أعيط بذكرني بإمي وبالبلاد". هذه الرواية  تعبر عن آلام اللاجئين ومشاعرهم الحزينة لبعدهم عن ديارهم رغم طول فترة اللجوء والبعاد إلا أن احتفاظهم بما أخرجوه معهم طوال هذه الفترة أي لثمانية وخمسين عاماً إن دل على شيء فانما يدل على تمسك اللاجئين بحق العودة الى الديار التي هجروا منها الإصرار والتأكيد عليه ودور المراة في سبييل تحقيق ذلك.

خلاصــة

أولا: للمرأة الفلسطينية دور كبير في صنع التاريخ الوطني:  يظهر هذا من خلال الرواية التي أبرزت حسن تصرفها وتدبيرها لمصادر دخل العائلة وحرصها الشديد على شراء الأراضي من كبار الملاكين حينذاك خوفا من أن تقدم العصابات الصهيونية على شراءها ومصادرتها.

ثانيا: وجدت وبوضوح مدى تضحيات النساء بمصاغهن لصالح الأسرة والوطن وظهر ذلك في الروايات التي أشارت الى قدرة المرأة على التصرف بمصاغها سواء لبيعها وشراء ممتلكات أخرى قبل التهجير أو لبيعها والإنفاق على العائلة بعد التهجير.

ثالثا: تبين لي مدى حكمة المرأة الفلسطينية ودورها الكبير في صيانة ممتلكات العائلة الثمينة مثل المصاغ والنقود وحرصها الشديد على إخراجها معها أثناء الهجرة ومن ثم التصرف بها بعد ذلك لصالح العائلة.

رابعا: وجدت أيضا أن للمرأة دور كبير ومساند للرجل وخصوصاً أثناء التسلل والعودة إلى القرية لإحضار بعض الممتلكات التي لم تتمكن الأسرة من إخراجها وحملها معها أثناء التهجير وهذا يدل على قدرة المرأة على المخاطرة والمغامرة والتضحية بالنفس في سبيل بقاء الأسرة واستمرارها ويدل أيضا على اعتماد الرجل عليها وخصوصاً إذا لم يكن له أبناء ذكور ففي هذه الحالة المرأة مارست دور المرأة والرجل بنفس الوقت.

خامسا:
وجدت أن أساليب وطريقة التهجير التي اتبعتها العصابات الصهيونية لها أثر كبير على ما حمله اللاجئين معهم من أشياء فالبلدان التي تعرضت لهجوم مباشر لم يتمكن أهلها من إخراج أي شيء معهم والبلدان التي خرج أهلها نتيجة الدعاية الصهيونية وبث الخوف والرعب فيهم هم من تمكنوا من إخراج بعض الحاجيات الأساسية لظنهم أن الهجرة لفترة قصيرة ولأيام معدودة وأنهم سوف يعودون إلى ديارهم.

سادسا:
وجدت مدى حرص اللاجئين الفلسطينيين على التمسك بما أخرجوه من أشياء وممتلكات والاحتفاظ به حتى اليوم على أمل العودة الى الديار.

سابعا: لاحظت وبوضوح مدى التعلق الكبير لدى النساء سواء كانت من أصول مدنية أو ريفية بالأرض وبزراعتها وفلاحتها وأن الطرفين قد عملتا بزراعة الأرض وفلاحتها قبل الهجرة.

ثامنا: تبين معي مدى الحرية التي كانت تتمتع بها المرأة القروية سواء كانت بمشاركتها بزراعة الأرض وفلاحتها والتنقل والتجول بالقرية لبيع المنتوج أوفي حرية التصرف بمصادر دخل الأسرة والممتلكات.

___________________

رفعة ابو الريش هي رئيسة اتحاد مراكز النشاطات النسوية في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية المحتلة، وهي مديرة المركز النسوي في مخيم الأمعري. أبو الريش هي أيضا عضو في مجلس إدارة بديل – المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.

هذه المقال، هو ملخص لورقة عمل قدمتها الكاتبة لبرنامج [Gendering the Social History of the Middle East] في جامعة بير زيت بعنوان " ما أخرجه اللاجئون الفلسطينيون معهم أثناء الهجرة عام 1948 بين ذكريات الماضي وآلام الحاضر"، (أيار 2006). ما أخرجه اللاجئون الفلسطينيون معهم أثناء الهجرة عام 1948.