حــول تجربــة جمعيــة الدفــاع عــن حقــوق المهجريـــن

حــول تجربــة جمعيــة الدفــاع عــن حقــوق المهجريـــن

بقلم:محمـد كيــال

شكل انعقاد مؤتمر السلام في مدريد في أكتوبر 1991 دافعا قويا ومحركا للمهجرين في إسرائيل. فقد استثنى المؤتمر الذي شاركت فيه الدول العربية المحيطة بإسرائيل ووفد فلسطيني- أردني مشترك الجماهير الفلسطينية في إسرائيل الذين تعتبرهم إسرائيل مواطنيها. وقد كان يدور الحديث في تلك الآونة عن حكم ذاتي فلسطيني وعن تأجيل بحث موضوع اللاجئين الى مرحلة متأخرة. في مرحلة لاحقة،  تقرر وفقا لاتفاق إعلان المبادئ (اوسلو) تأجيل بحث موضوع اللاجئين الفلسطينيين الى مفاوضات الحل النهائي.

ودون الدخول في التفاصيل فقد أدت تحركات مهجري الداخل الى تشكيل " لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق المهجرين" في عام 1992. و قد عملت لجنة المبادرة على تمثيل لجان محلية للمهجرين في العديد من القرى المهجرة في الداخل، وأصدرت البيانات التي تؤكد على حق عودة اللاجئين والمهجرين الى ديارهم ودعت إلى العمل على صيانة ما تبقى من أماكن مقدسة، من جوامع وكنائس ومقابر ومقامات في هذه القرى. وقد عنيت اللجنة في مراحلها الأولى بتوسيع إطارها فعملت على تشكيل لجان محلية تعنى بحقوق المهجرين في قرى الداخل.

وفي آذار 1995 عقدت لجنة المبادرة المؤتمر الأول للمهجرين في قصر السلام،  في قرية عبلين؛ حيث شارك فيه المئات من عشرات القرى المهجرة في الداخل  كما وتم تشكيل اللجنة القطرية للدفاع عن حقوق المهجرين. ورفع المؤتمرون شعارهم المركزي الذي يؤكد " حق عودة اللاجئين" الى ديارهم واستعادة أملاكهم حسب القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948.

ودعا المؤتمرون الى تشكيل المزيد من اللجان المحلية التي تمثل المهجرين والى تكثيف الزيارات الى القرى المهجرة، والى تعزيز التواصل والعودة الى الجذور، والعمل على صيانة الأماكن الفلسطينية المقدسة.

لقد كان المؤتمر الأول حدثا إعلاميا كبيرا وحدثا ميدانيا تناقلته وتابعته وسائل الأعلام المختلفة وذلك باعتبار انه يثير، من جهة أولى، قضية حيوية تتداخل مع المفاوضات الجارية بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل ويزيل الغبار، من جهة ثانية، عن قضية طالما اعتقدت إسرائيل والعالم أنها منتهية أو منسية إلى غير رجعة.

في أعقاب هذا المؤتمر بدأ يتصاعد ويتركز عمل لجنة المهجرين. فبعدها نظمت المسيرة المركزية في يوم الأرض في عام 1995 في بلدة الغابسية حيث رفعت اللافتات باسم مئات القرى المهجرة. كما جرت مسيرة و احيي مهرجان في الغابسية في العام التالي؛ حيث علقت اللافتات بأسماء القرى المهجرة على جامع القرية في أعقاب إغلاق المسجد.

وواصلت اللجنة نشاطاتها في صفوف المهجرين بشكل خاص والجماهير العربية الفلسطينية بشكل عام، فعملت على تجنيد المهجرين للعمل في تنظيف وصيانة الأماكن المقدسة في الدامون والبصة والغابسية والبروة. وقامت بترميم كنيسة المجيدل وافتتاحها لإقامة الصلوات فيها، و كما وأتمت أعمال بناء سور حول الكنيسة وربطها بالتيار الكهربائي.

ونظمت بالتعاون مع مؤسسة الأقصى أعمالا احتجاجية في أعقاب هدم مسجد قرية أم الفرج. وفي هذا الشأن تم التوجه للمحكمة الإسرائيلية العليا بواسطة جمعية "عدالة" من أجل إعادة بناء المسجد ولكن السلطات عارضت ذلك، لان في إعادة الاعمار هذه سابقة قد تحفز المهجرين على القيام باعمار ما هدمته السلطات في السابق؛ الامر الذي يتنافى مع سياسة إسرائيل حيال المهجرين وقراهم وممتلكاتهم.

وكثفت الجمعية اتصالاتها بالأحزاب العربية الفاعلة وزياراتها للنوادي والمدارس والمراكز الجماهيرية وصعدت حملاتها الإعلامية من أجل تعبئة الجماهير في الداخل وتجنيدها للمطالبة بحق عودة اللاجئين والمهجرين الى قراهم، حيث عقدت الندوات والمحاضرات ووزعت النشرات الإعلامية والمواد التثقيفية.


مسيرات العودة السنوية


منذ عام 1998 تنظم جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين مسيرات سنوية الى القرى المهجرة شعارها المركزي تطبيق حق عودة اللاجئين والمهجرين، وترقع خلالها أسماء 531 قرية مهجرة دمر معظمها بالكامل منذ عام 1948. ويشارك في المسيرة العودة السنوية الآلاف من الفلسطينيين والمئات من القوى اليهودية الديمقراطية، ومختلف الفعاليات والأحزاب السياسية. وتحظى المسيرة بتغطية إعلامية واسعة وقد تم حتى الآن تنظيم 9 مسيرات سنوية في ذكرى النكبة، أولاها كانت مسيرة العباسية على 1998 وتلاها المسيرات السنوية الى صفورية ومعلول والدامون وأم الزينات.

وفي العام 2000 عقدت جمعية الدفاع عن المهجرين مؤتمر المهجرين الثاني في مدرسة الناصرة،حيث شارك فيه المئات من المهجرين. وساهمت الجمعية في عام 2004 بتنظيم المؤتمر الأول لحق العودة والسلام العادل في مدينة حيفا. كما وساهمت في مؤتمر حق العودة الثاني 2005 في مدينة الناصرة. وقد عالج هذان المؤتمران القضايا القانونية والسياسية والميدانية ذات الصلة بقضية اللاجئين والمهجرين وأكد المؤتمرون على ضرورة مواصلة عقد المؤتمرات وتنظيم الفعاليات الرامية الى تطبيق حق العودة حسب القرار 194 والقرارات اللاحقة التي تؤكد على هذا القرار.

وضمن حملتها الإعلامية والتثقيفية وتعزيز الوعي وحفظ الذاكرة، نظمت الجمعية خلال السنوات الثلاث الماضية ضمن برنامج "العودة الى الجذور" عشرات الجولات الميدانية الى القرى والمدن المهجرة بمشاركة مرشدين وخبراء مختصين من مختلف أنحاء فلسطين التاريخية؛ فشملت مناطق عكا وصفد وطبريا والناصرة والكرمل وبلاد الروحة ومرج أبن عامر وطولكرم واللد والرملة والقدس ويافا وغزة والخليل وبئر السبع. وقد تم نشر التقارير في الصحف عن هذه الجولات التي شارك فيها المئات من أبناء المهجرين وأنصارهم.

فيلم "مهجرون"

كانت الجمعية قد عملت على إنتاج فيلم "مهجرون" الذي يتحدث عن القرى المهجرة وإحياء النكبة. ويظهر الفيلم معاناة المهجرين المستمرة حتى يومنا هذا والذين لا يستطيعون العودة الى قراهم رغم كونهم يعيشون على مرمى حجر منها ويصور الفيلم التشريد والمعاناة الفلسطينية في أماكن مختلفة في الوطن. إلى جانب ذلك تقوم جمعية الدفاع عن المهجرين بإصدار النشرات والكراسات حول القرى المهجرة وبتوزيعها بآلاف النسخ على المهجرين وغيرهم. وقد أصدرت في العام الماضي خارطة فلسطين و"دليل حق العودة" وتم توزيعها بآلاف النسخ في الجليل والمثلث والنقب.

يؤكد "المهجرون" عبر لقاءاتهم الرسمية في الجمعية وغير الرسمية، وفي كل مناسبة ومحفل: أنه لا سلام بدون العودة، وأن السلام العادل يجب أن يشمل تطبيق حق عودة اللاجئين والمهجرين الى ديارهم وبلداتهم.


في هذا السياق يشارك ممثلو الجمعية في مؤتمرات دولية وفي لجان تقصي الحقائق لدراسة تجارب شعوب أخرى. مثل التجربة القبرصية وتجربة مهجري ولاجئي البوسنة والهرسك وغيرها، كما ويتعاون ممثلو الجمعية مع الجمعيات والمؤسسات المختلفة في الوسطين العربي واليهودي من أجل التقدم نحو تحقيق حق العودة.

كذلك تعمل الجمعية بالتعاون مع المركز العربي للتخطيط البديل على وضع مخطط هندسي لإعادة بناء قرية الغابسية المهجرة، وذلك إصراراً على جدية الجمعية في النشاط والنضال من أجل تطبيق حق عودة المهجرين, ويذكر أن أطرافاً أخرى عربية- يهودية تبدي اهتماماً واستعدادا للعمل معاً لتطوير وتنفيذ هذا المخطط. إضافة لذلك، فقد استضافت الجمعية عشرات الوفود الأجنبية على ارض قرية الغابسية وقرى أخرى لاطلاعهم على أوضاع المهجرين وقراهم، وقد أبدت غالبية الوفود تضامنها مع قضية المهجرين ودعمهم لحقهم في العودة الى بلداتهم. إن المشوار لا زال طويلا والطريق لا زالت  وعرة ولكن رحلة ألاف ميل تبدأ بخطوة.

______________

محمد كيال هو صحفي وناشط سياسي، وهو أيضا عضو في مجلس إدارة جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين في داخل الخط الأخضر.