حــول جدليــــة العلاقــة بيــــن اللجـــوء والتهجيـــر الداخلـــي: فلسطيـــن مثـــالاً

حــول جدليــــة العلاقــة بيــــن اللجـــوء والتهجيـــر الداخلـــي: فلسطيـــن مثـــالاً

بقلم: نهــاد بقاعـــي

منذ أوائل عقد التسعينيات، أخذ مصطلح "النازحين داخليا"، أو "المُهجرين في الداخل" يتبوأ مكانة بارزة في أوساط المحافل الدولية المعنية بقضايا اللجوء والهجرة القسرية وتقديم المساعدات الإنسانية. ورغم ان ظاهرة التهجير الداخلي ليست بالجديدة، إلا أن هذا العقد من الزمن، وما حمله من تطورات سياسية وأمنية كتفكك الاتحاد السوفييتي، واشتعال جملة من الحروب الأهلية، وخصوصا في أوروبا، واهتمام مباشر قامت عليه حكومات دول الشمال وخصوصا الإسكندنافية في هذا المجال، قد قاد الى طرح هذه القضية على جدول الأعمال الدولي. لم تكن الاعتبارات السياسية والإنسانية وحدها هي سيدة الموقف، فقد ساهم خبراء القانون والوكالات المعنية بتقديم المساعدات الإنسانية الى إضافة المزيد من المفردات القانونية الى قاموس اللجوء والهجرة ومنها القسرية، كـ "طالبي اللجوء"، و"المهاجر غير الشرعي"، وهو ما قاد في المحصلة الى الخروج من ثنائية "اللاجئ مقابل المهاجر".

لقد أدى بروز ملف التهجير الداخلي الى طرح العديد من الأسئلة والتحديات التي تواجه هذه الفئة بعينها، وخصوصا فيما يتعلق بتلقي الحماية والمساعدة وما هو الدور الذي يلعبه المجتمع الدولي للاستجابة لهذه القضية، وضمن أية صيغة تكون كفيلة بضمان توفير الحماية والمساعدة وسط التأكيد على مبدأ السيادة الوطنية للدولة، والتي هي في الغالب، غير قادرة أو غير معنية في حل مشكلتهم في الحد الأدنى، والسبب الرئيس في تهجيرهم في الحد الأقصى، ومن هي الجهة الدولية المفوضة بتقديم مثل هذه المساعدة والحماية.

وبحق، فقد اعتبرت المبادئ التوجيهية للتشريد الداخلي للعام 1998، وثيقة هامة من حيث إبراز الحقوق المستحقة بموجب القانون الدولي للمهجرين في الداخل وتوصيفهم. وهي عبارة عن تجميع مجموعة من القوانين والحقوق الواردة أصلا ضمن نصوص القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدوليين. في ذات الوقت، فعلينا ألا نحمل المبادئ التوجيهية فوق طاقتها، فهي تظل محدودة جدا، إذا ما قورنت بنظام  اللجوء الوارد أساسا في معاهدة اللاجئين للعام 1951، كما تظل غير ملزمة قانونا، إضافة الى عدم تحديدها لأدوار الوكالات المختلفة بشأن المهجرين في الداخل، وخصوصا، مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين، التي ساهمت مع المنظمات الإنسانية الأخرى في صياغة الأسلوب التعاوني والتنسيقي بين الوكالات تجاه المهجرين في الداخل. مع ذلك، فهنالك قسط كبير من الغموض تجاه عمل ودور المفوضية تجاه المهجرين في الداخل، وهو ما يقودنا الى أن على المفوضية أن تضع سياسة أكثر وضوحا فيما يتعلق بالمهجرين في الداخل.

عموما، تلعب الحدود الدولية المعترف بها ركنا أساسيا في الفصل بين اللاجئ والمهجر في الداخل كنتيجة حدوث هجرة قسرية. وبدون التطرق الى مجمل التعريفات والتوصيفات المختلفة لكلا الحقلين، فإن الحدود الدولية المعترف بها تأخذ أهمية قانونية صرفة فيما يتعلق بتعريف اللجوء، وما يترتب على ذلك من توفير نظم حماية ومساعدة دوليتين. ولكن، وبخلاف خبراء القانون والوكالات المعنية، يظل أمر هذه الحدود أقل تأثيرا ووقعا لدى علماء السوسيولوجيا والانثروبولوجيا الذين يعتبرون أن مبدأ النزوح عن الديار هو واحد ويقود بالضرورة الى اللجوء، بغض النظر عن التصنيفات القانونية، المرهونة بالخشية من الاضطهاد المبرر وعبور الحدود الدولية المعترف بها أو مكان اللجوء. وفي كلا وجهتي النظر (القانونية والاجتماعية)، فإن فئة المهجرين في الداخل تصبح أكثر فهما ووضوحا حينما تكون مرتبطة بمسببات النزوح، وتفاعلاته في الشتات، ودور السلطات الوطنية والمضيفة والمجتمعات المضيفة، والعقبات أمام الحل.  

ومن أجل التوصل الى حل لقضية اللجوء والنزوح (للاجئين والمهجرين في الداخل)، يجب التعامل مع مسبباته وأصله. وفي الحالة الفلسطينية، فإن الحل وارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 مثلا لكلا من اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في الداخل الذين هجروا في العام 1948، ولكن عدم تطبيق القرار من قبل المجتمع الدولي، قد قاد لأن تستمر إسرائيل في تهجير المزيد من الفلسطينيين على مدار نحو ستين عاما. في العودة الى جذر الصراع، فإن الفلسطينيين قد حذروا طويلا من أن المجتمع الدولي يصبح شريكا في الجريمة طالما ظل مكتوف الأيدي تجاه مشروع تهجير مستمر بحقهم منذ العام 1948 ولغاية يومنا هذا، يهدف الى دفع المزيد منهم الى "ما وراء الحدود". وتقاس "الحدود" إسرائيليا، ليست بموجب الحدود الدولية المعترف بها، فإسرائيل هي دولة بدون حدود ، وإنما من خلال سيطرتها على الأرض تكون مترافقة مع سياسة منهجية للإحلال (الاستيطان الصهيوني مقابل تفريغ الفلسطينيين)، وهي بموجب المشروع الصهيوني (أي، الحدود) متغيرة وغير ثابتة، وهذا ما قد يفسر النسبة الهامشية نسبيا لأعداد المهجرين الفلسطينيين من مجموع اللاجئين الفلسطينيين، إذا ما قيست بقضايا نزوح أخرى.

بدون شك، فإن "الحدود" غير الثابتة والمتغيرة تضيف عبئا إضافيا على الحالة الفلسطينية، وجعل قضية المهجرين الفلسطينيين في الداخل على وجه التحديد، أكثر تعقيدا. خلال عشرين عاما (1947-1967)، توفرت في فلسطين التاريخية ثلاثة خطوط مختلفة عقدت من واقع تفسير "حدود" التهجير الداخلي في فلسطين بموجب مبدأ الفصل بين اللجوء والتهجير الداخلي (حدود فلسطين الانتدابية حتى 1947، حدود الدولتين في قرار التقسيم 1947، وخطوط وقف إطلاق النار 1949)، ولتعقيد المسألة، فقد ضمت الضفة الغربية في العام 1950 الى الأردن لتصبح جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية حتى إحتلال الضفة الغربية في العام 1967، ولتعلن فك الارتباط القانوني والاداري في العام 1988. قضية جدار الفصل العنصري، هي أيضا حالة خطيرة تتعامل إسرائيل من خلالها بنفس مبدأ فهمها للحدود، أي سيطرتها على الأراضي واستعمارها وتفريغ سكانها الفلسطينيين "الى ما وراء الحدود" التي يرسمها جدار الفصل العنصري في هذه الحالة، وهي حدود مؤقتة إسرائيليا، ومرة أخرى.

ولأن الحدود مرتبطة بالسيطرة والإحلال، فقد منعت إسرائيل المهجرين الفلسطينيين في الداخل (وهم من المواطنين الإسرائيليين)، كما منعت اللاجئين، من العودة الى قراهم، حتى لو أن عودتهم لن تؤثر على التوازن الديمغرافي في الدولة، باعتبارهم مواطنين فيها. ولم تتعامل إسرائيل مع المهجرين في الداخل ولم تعترف بهم، تماما كما أنها لم تعترف باللاجئين، إلا في حالات يوافق فيها المهجرون عن التنازل عن ممتلكاتهم في القرى المهجرة مقابل تعويض رمزي، وهو ما تعرضه أصلا إسرائيل على كل اللاجئين الفلسطينيين، وليس فقط على المهجرين في الداخل بصورة خاصة.

وبدون التقليل من أهميتهم، يمكننا اعتبار أعداد المهجرين الفلسطينيين في الداخل أعدادا هامشية نسبيا بأعداد اللاجئين الفلسطينيين بالمقارنة بين هذه النسب في غالبية قضايا اللجوء في العالم. وفي هذا، مؤشر على إستحالة الحديث على التهجير الداخلي في فلسطين بمعزل عن سياسات التهجير أولا، وقطاعات اللاجئين الفلسطينيين الأخرى ثانيا. فخلال نكبة فلسطين في العام 1948، مثلا، هُجر 30000-40000 فلسطيني "في الداخل"، فيما هجر الى خارج المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل حتى العام 1949 أكثر من 840000 لاجئ. وفي ذات التهجير، فقد تم تدمير 162 قرية فلسطينية في شمال فلسطين، بقي مهجرون من 44 قرية "داخل" إسرائيل، في وقت لم يبق من سكان 118 قرية فلسطينية أي فرد "داخل إسرائيل".

فالتوجه السائد الذي يبديه المجتمع الدولي في الغرق في التفصيلات القانونية، والإحصائيات، وتقصي الحقائق، تحول دون إصابة كبد الحقيقة في الغالب. وعليه، كما بينت الحالة الفلسطينية، أن يدرك أن إحجامه عن التعامل مع جذر الصراع، فهو، فعلا، لا يحل المشكلة بل أنه يشترك بتأزيمها. ولسنا هنا، بصدد التأكيد على دور المجتمع الدولي، فهو بدون شك بالغ الأهمية، وهو ما تعيه إسرائيل منذ البداية، فعملت مع سبق الإصرار على إفشال عمل لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين في الخمسينيات، ونقلت صلاحيات وكالة الغوث الدولية التي عملت على تقديم المساعدات للمهجرين في الداخل في العام 1952 إليها للغرض ذاته، وهي، بمحاولاتها عرقلة عمل الوكالة اليوم، لا تزال تسير بالمنطق نفسه. في ذات الوقت، فمن الخطورة أن يتحول دور المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة إلى دور بيروقراطي ورمزي.

محور آخر، وهو أن سوسيولوجيا اللجوء تشير إلى أن النازحين عموما لا يعرفون أين ستحط بهم الرحال أخيرا. لقد كانت حاجة المهجرين الفلسطينيين شأنهم شان جميع مهجري الأرض هو في توفير الملجأ بهدف توفير الحماية الأمنية لهم ولعائلاتهم، أما تحديد الوجهة النهائية لمكان شتاتهم فقد ظلت خيارا ثانويا. كما لم يُدفع النازحون الفلسطينيون الى ما وراء الحدود مرة واحدة، وإنما كانت هجرتهم متدرجة (لجوء غير مباشر) أثرت عليها سقوط القرى الفلسطينية، وسياسة التطهير العرقي المتبعة بحقهم، وتعامل المجتمعات المضيفة أساسا معهم، وحجم المساعدات الدولية.

واذا كانت تفاعلات الفلسطينيين النازحين مع عملية النزوح شبيهة من حيث اتجاهات الهجرة القسرية الجماعية، فإن تفاعلاتهم المختلفة في مرحلة الشتات كانت شبيهة أيضا. ففي أعقاب النكبة والنزوح، كان على الفلسطينيين من لاجئين ومهجرين في الداخل مواجهة سؤال في غاية الخطورة: كيف يمكن لمجتمع فلاحي أن يعيش خارج قريته الذي عاش فيها لقرون طويلة وبنى حولها نظامه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبكثير من الاستقلال الذاتي؟ وما هي اللوازم المطلوبة من أجل تخطي هذا التحدي؟ لقد سعى اللاجئون والمهجرون في الداخل منذ الأيام الأولى للنزوح الى "إعادة انتاج" القرية الأصلية قدر المستطاع في مناطق اللجوء. لقد ارتبط الأمر الى حد كبير بالأهمية البالغة الذي يوليها الفرد الفلسطيني الى نظم اجتماعية جماعية كالحمولة والقرية كخطوط "دفاعية"، شأنهم شأن كل التجمعات الفلاحية الأخرى. وفي اللحظة التي قادت فيها النكبة الى تدمير نظم الحمولة والقرية، فإنه وبشكل يثير الاهتمام قد ازدادت حاجة الفرد إليها في شتاته، بل وعمل قدر المستطاع على استعادتها ولو بصورة جزئية ومحدودة. بطبيعة الحال، فإن نجاح محاولات إعادة إنتاج نظم القرية خارجها، كان محدودا، خصوصا وأن الأمر قد تم بغياب الأرض التي شكلت العنصر الأول في حياة الفلاحين واقتصادهم. مع ذلك، فخلال سنوات قليلة يمكننا أن نرى أن المهجرين في الداخل كاللاجئين من قرى مختلفة كانوا قد تمركزوا في عدد من مراكز اللجوء. انتقل غالبية المهجرين من قرية الغابسية المهجرة مثلا الى قرية الشيح دنون المجاورة، فيما تمحور تركيز اللاجئين من القرية نفسها في لبنان في مخيمات برج البراجنة، عين الحلوة، ونهر البارد.

لقد قادت هذه العملية عمليا الى توزيع المهجرين واللاجئين الجغرافي بشكل أكثر تجانسا، وسميت هذه التجمعات الجديدة عموما، بأسماء القرى المهجرة عموما، في مخيمات اللاجئين وتجمعات المهجرين في الداخل على السواء، وقد ترافقت العملية مع إعادة تسمية المهجرين في الداخل واللاجئين بناء على أسماء القرى المهجرة، في إبراز هوية القرية المهجرة، مقابل تسميتهم "لاجئين" وهي تسمية غير محبذة لدى المهجرين في الداخل واللاجئين، وخصوصا من أبناء الجيل الثاني والثالث، لما تحمله كلمة "لاجئين" من سمات اجتماعية سلبية.

في التعامل مع تفاعلات اللجوء مع أجيال اللاجئين والمهجرين في الداخل، فقد كان الأمر شبيها أيضا إلى حد كبير. وقد يكون ذروة الاشتباك والمفاجئة، قد حصلت مع التقاء أجيال اللاجئين والمهجرين الثاني والثالث، وبعد انقطاع شبه تام لمدة تزيد عن أربعين عاما، في هبة شعبية غير منسقة، بداية، من أجل الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهجرين خلال حقبة أوسلو وتأسيس لجان ومؤسسات تعنى بشؤون اللاجئين والمهجرين، تطورت مع الوقت لتندرج في أطر أكثر تنظيما وفاعلية وتأسيس حركة العودة.

وللتلخيص، نقول، أن التشابه بين اللاجئين والمهجرين في الداخل هو ليس تشابها ظاهريا فحسب، بل هو تشابه وطني، اجتماعي وثقافي ومشروع مستقبلي مشترك للحل. قانونيا، قد يكون وجوب توفير الحماية والمساعدة المستحقتين للاجئين والمهجرين بحاجة الى أخذ اعتبارات معينة، ولكن معالجة قضية المهجرين في الداخل عموما، كما تحدثنا يجب أن تتعامل مع جذر المشكلة، وفرض احترام حقوق الإنسان هي القضية التي يجب أن تولى بالأهمية الكبرى من أجل حل مشكلة النزوح. اجتماعيا، فإن إسقاط صفة اللجوء عن اللاجئين والمهجرين ستتم فقط في حال عودتهم الى ديارهم الأصلية التي هجروا منها، أو في حال قدرتهم على فعل ذلك إن أرادوا.

_________________

نهاد بقاعي هو منسق وحدة الأبحاث والمعلومات والإسناد القانوني في بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، وهو محرر مشارك في جريدة "حق العودة".