المُهجــرون كمشــروع سيــاسي ومدنــي وحضـــاري

 المُهجــرون كمشــروع سيــاسي ومدنــي وحضـــاري

بقلم: محمــد بركــــة

مــن "ســـلامة الجليـــل" إلـــى الترانسفيــــر

كنا مجموعة من الشباب الجامعيين - طلابا ومحاضرين - كانت الغالبية من اليهود التقدميين المعادين جذريا للإحتلال، منهمكين في إنجاز التحضيرات النهائية للمظاهرة التي دعونا إليها باسم "لجنة التضامن مع جامعة بير زيت"، في الذكرى السنوية الخامسة عشرة لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وهضبة الجولان السورية، وذلك في ساحة المتحف في تل أبيب. اليوم كان يوم السبت، الخامس من حزيران 1982.

نشرات الأخبار بعد ظهيرة ذلك اليوم تناقلت أخبار قيام إسرائيل بشن حرب على لبنان، عرفت في ما بعد بحرب لبنان، وفي ما بعد بعد باسم حرب لبنان الثانية. أطلقت حكومة إسرائيل، برئاسة مناحيم بيغن من جهتها على الحرب إسم "حملة سلامة الجليل"، والتي كان من المفترض ان تكون لمدة 72 ساعة، ولكنها امتدت في نهاية الأمر 18 عاما. كما كان من المفترض ان تمتد الى عمق 40 كيلومترا، ولكنها وصلت في نهاية الأمر إلى بيروت، وكان من المفترض ايضا أن تهدأ البلاد 40 عاما، ولكنها في نهاية الأمر لم تحقق يوما واحدا من "الهدوء"!

بطبيعة الحال، فقد تحول محور المظاهرة، في ذلك اليوم، إلى المطالبة بوقف الحرب على لبنان، علمأ أن طبول هذه الحرب كانت تدق منذ زمن طويل، دون أية علاقة بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، "أرغوف". كنا قد حذّرنا من مخططات الحرب على لبنان على مدار شهور طويلة، ونظمنا ضمن ذلك مظاهرة قوية وصاخبة جرت في تشرين الثاني من العام 1981، أمام مقر الحكومة في القدس، وانتهت باعتداء وحشي على المتظاهرين من قبل الشرطة وأجهزة الأمن وانتهت باقتيادنا، عربا ويهودا إلى معتقل المسكوبية في القدس.

عندما اعتليت المنصة في المظاهرة إياها في 5 حزيران 1982 لإلقاء كلمتي، أنا اللاجئ في وطنه، إبن صفورية التي تعج مخيمات لبنان بأبنائها، كان الغضب يدوي في رأسي، "إنها الحرب... إنها الحرب!" وكان القلق يمور ويموج في قلبي خشية على أهلي وأقاربي وأبناء شعبي. وكانت تدوي في ضميري التسمية الاستفزازية لهذه الحرب، "سلامة الجليل". بدأت كلمتي بالتساؤل عن سلامة الجليل. فسلامة الجليل هي سلامتي، فأنا هو الجليل. هل فكرت فعلا حكومة بيغن بسلامتي عندما شنت حربها على أهلي، هل ذهبت لتقتل أهل الجليل الذين هُجّروا إلى لبنان من اجل سلامة جليلهم؟!

بعد ذلك بأيام وارتباطا بالحرب وبسلامة الجليل، وسلامتي أنا الجليل الحقيقي، كتب صديقي الشاعر التقدمي الشجاع يتسحاق لاؤور إحدى قصائده الجميلة، التي استفزت المؤسسة الشعرية الإسرائيلية، لأنها اعترضت على الرواية الصهيونية الأساس، ولأنها لم تتوانى عن - اي القصيدة - نفسها دون أن تبصق في وجه المؤسسة حيث أنهاها صاحبها بهتافه: "تفو عليكم.. أقول لكم: تفو عليكم".

في الرواية آنفة الذكر، تظهر الخطوط الفاصلة بين خطابنا التقدمي والوطني من جهة، وبين خطاب المؤسسة الاسرائيلية من جهة اخرى. وخطوط تفصل وتتقاطع بين مواطنتنا "الاسرائيلية"، وهويتنا الفلسطينية، وتحدد تميز حالتنا، قياسا لأبناء شعبنا. لذلك فقضية المهجرين، اللاجئين في وطنهم، كمشروع وكحق لا بد من تناولها بالتعاطي مع هذه الخطوط وما يقع على جانبيها.

لقد توقفت في مقالتي المنشورة في شهر أيار، من مجلة "حق العودة" عند ضرورة "التحيز لمسميات المكان التي هي تعبير عن أصالة الهوية في وجه التغريب" وان القضية الصهيونية ليست الهوية الديمغرافية اليهودية في فضاء المكان وحسب، إنما "سبغ" الهوية الصهيونية على المكان ذاته. ان التحيز لاصل المكان يحدد مقتضيات "المشروع الحضاري" للمهجرين؛ بمعنى حراسة هوية المكان ومسمياته، وبمعنى التمسك بدور الشاهد الحي على ملامح التاريخ وعلى هوية المكان في وجه الانتحال والتزوير وفي وجه شاهد الزور.

لقد سمحت دولة إسرائيل لمواطنيها الفلسطينيين بدعوة أقاربهم اللاجئين من الدرجة الأولى لزيارتهم في إطار ما يسمى بزيارات لم الشمل، وفي هذا الإطار قام الآلاف من اللاجئين بزيارة مسقط رؤوسهم والتقاء من بقي من أهلهم وأحبتهم وما بقي من اطلال بيوتهم. أما اليوم، وبعد أكثر من 58 عاما على النكبة، فإن الجيل الذي يشكل القرابة الأولى آخذ بالتلاشي، وفي اعتقادي فإنه في غضون 15عاما سينتهي جيل القرابة الأولى، الأمر الذي يضيف مسؤولية أكبر على أبناء جيل النكبة وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وبالأخص المهجرين منهم، في ما يتعلق بإحاطة ذاكرة المكان بالمزيد من الحماية في وجه الانتحال والتغريب.

أما المشروع السياسي للمهجرين فهو يدخل ضمن مشروع حق العودة للمجموع العام للاجئين الفلسطينيين. فعندما يجري الحديث عن أسرى الداخل ضمن اتفاقيات محتملة لتبادل الأسرى تنتفض إسرائيل الرسمية وتستشيط غضبا لكون هؤلاء الأسرى مواطنين إسرائيليين وقضيتهم "قضية إسرائيلية داخلية" ولذلك لا يمكن ان يكون موضوعهم ضمن عملية التفاوض. والحديث بذاته يدور وسيدور عن أية إمكانية للحديث عن المهجرين، اللاجئين في وطنهم، ضمن الحديث العام عن قضية اللاجئين. ولكن لا شيء يغير حقيقة ان ملابسات وتداعيات ومؤامرات تهجير جزء من الشعب الفلسطيني إلى خارج وطنه، هي ذاتها الملابسات والتداعيات والمؤامرات التي قادت إلى تهجير جزء من أبناء الشعب الفلسطيني في داخل وطنه، فكيف يصبح التهجير قضيتين: قضية لاجئين وقضية "مواطنة"؟

ورغم ذلك فإن موضوع المهجرين في وطنهم يحمل أيضا مشروعا مدنيا لا يتناقض مع المشروع السياسي أو المشروع الحضاري الوطني، وهو بذاته يمتد على احتمالين متلازمين غير متصادمين يقودان إلى ضرورة وشرعية المطالبة بعودة المهجرين إلى قراهم الأصلية من منطلقات مدنية أيضا.

الاحتمال الأول: أن إسرائيل تعلن في صلب القانون الإسرائيلي عن نفسها كدولة يهودية وديمقراطية. ونحن نعلم انه في كل تصادم بين يهوديتها وبين ديمقراطيتها، وما أكثر هذه التصادمات، تكون الغلبة محتومة ليهوديتها. من هنا لا تتورع إسرائيل عن إشهار رفضها لحق العودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم على اعتبار ان عكس ذلك من شأنه ان يؤثر على الطابع الديمغرافي للدولة ويسبب اختلالا ليهوديتها.

لذلك ما دام المهجرون هم مواطنون في دولة إسرائيل، ويدخلون في تعداد سكانها ومواطنيها، فعودتهم من أماكن سكناهم الحالية في داخل حدود إسرائيل إلى قراهم المهجرة داخل حدود إسرائيل لا يسبب اختلالا اضافيا ليهودية الدولة، بل ان حظر عودتهم يشكل خرقا فظا لديمقراطيتها، ولكننا لسنا على هذا القدر من السذاجة، فنحن نعرف ان المعركة ليست على الديمغرافيا وحسب ولكنها أيضا على مسميات الجغرافيا ونطاقها.

أما الاحتمال الثاني، فمعروف أن إسرائيل محكومة لرأسمالية متطرفة إلا في موضوع الأرض. فإن 97% من مساحة إسرائيل تقع وتدور في ملكية الدولة، وهذا لا يعود إلى ذهنية اشتراكية في موضوع الأرض إنما لحقيقة ان الدولة كمشروع قامت على أساس مصادرة الأرض وانتزاع ملكيتها من العرب الفلسطينيين. هذه الحقيقة الكولونيالية أدت إلى نشوء حالة غريبة إذ أن العرب الفلسطينيين الذين يشكلون 17% من المواطنين في اسرائيل لا يملكون أكثر من 3,5% من مساحة الدولة، الأمر الذي يقود إلى أزمة خانقة في احتياطي الأرض لأغراض التطور واستيعاب الزيادة الطبيعية لدى المواطنين العرب الفلسطينيين.

وإذا كنا بعد يوم الأرض في العام 1976 قد خضنا نضالا ضد مصادرة أراضينا، فقد أطلقنا شعارا في العام 2002، أن المعركة لم تعد ضد المصادرة، لأنه لم يتبقّ ما يصادرونه من أرض، إنما المعركة هي على استعادة الأرض المصادرة من اجل حقوقنا الإنسانية كمواطنين ومن أولى من المهجرين بالعودة إلى قراهم لإصلاح غبن تاريخي وغبن مدني؟

إن ملف المهجرين الفلسطينيين اللاجئين في داخل وطنهم هو جزء من ملف التهجير الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، إلا أنه يشكل إدانة أكثر حدة للمشروع الصهيوني الاقتلاعي. إن حقيقة وجود أكثر من 300 ألف مهجر فلسطيني يحمل المواطنة الإسرائيلية (أكثر من 25 % من المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل) مع كل ما يحمله ذلك من أبعاد حضارية ووطنية سياسية ومدنية هي لائحة اتهام ضد المؤسسة الإسرائيلية. لقد حاولت السلطات الرسمية في اسرائيل على الدوام طمس قضية المهجرين سواء بالتنكر لحقوقهم في قراهم او بابرام صفقات تبادل اراضي او بيع بصورة قسرية او وهمية او بتفصيل قوانين رسمية على مقاس سياسة السلب والاقتلاع  او حتى بالتنكر لتنفيذ قرارات صريحة لمحكمة العدل العليا الاسرائيلية جاءت في صالح المهجرين كما في القرار الخاص بأعادة اهالي قريتي كفربرعم واقرث الى بيوتهم.

 لقد حاولوا إغلاق الملف ولكن أهل الملف أعادوا فتحه على مصراعيه.

___________________

النائب محمد بركة هو رئيس مجلس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ورئيس كتلة الجبهة البرلمانية في الكنيست.