هـل حقنـا في العـودة مربـوط فقط بالقـرار 194؟

بقلم:د. عـبد الله الحـوراني

يربط البعض حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم الأصلية التي طردوا منها عام 1948 بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في 11 كانون أول 1948. ويجعلون من هذا القرار أساساً لكل المطالبات بهذا الحق.وبالمقابل يرفض بعض آخر التعامل مع هذا القرار، أو مجرد الإشارة إليه عند الحديث عن حق العودة. وقد برز الخلاف حول مفهوم هذا القرار وكيفية التعامل معه، خلال حوارات الوحدة الوطنية التي جرت في الأشهر الأخيرة بين القوى والفصائل الوطنية والإسلامية.


ولقطع الطريق على أي اختلاف أو مساومة حول حق العودة، والأسس التي يقوم عليها نؤسس لمفهوم حق العودة بالقول: إن حقنا في العودة إلى أرضنا هو حق أزلي وأبدي يرتبط بانتمائنا لأرضنا، وانتماء أرضنا لنا، ولتاريخنا العربي، وتراثنا وحضارتنا عبر كل العصور. ويؤكده ثبات الأرضي في مكانها، وعدم رحيلها، حتى لو أجبر أصحابها على الرحيل. فعظام الآباء والأجداد والأسلاف مازالت باقية في أعماق الأرض تؤنس بعضها بعضاً، وتنتظر عودة الأبناء والأحفاد مهما طال بهم الغياب، وتعرف بهوية الأرض وأصحابها، وتمثل أشواكاً تخز كل قدم تطأها من أقدام الغاصبين منذرة إياهم بضرورة الرحيل.

حقنا في العودة أقدم بكثير من القرار 194، وأقدم من الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرته، ومن عصبة الأمم التي سبقتها. وحقنا أقدم من وجود إسرائيل ذاتها، ومن قيام الحركة الصهيونية التي أنشأتها. وكل شجرة أو حجر أو أثر في فلسطين ينطق بذلك.

على هذه الأسس، ومن هذه المنطلقات يجب أن يكون فهمنا لحق العودة، وتمسكنا به كسياسيين، وكمواطنين عاديين. أما الإشارة للقرار 194 أو الاستناد للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة أو وثيقة حقوق الإنسان، فهي فقط من باب كسب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي إلى جانب حقوقنا ونضالنا، وإضفاء الشرعية القانونية والدولية على هذا النضال، ولفضح الموقف الإسرائيلي والصهيوني والأمريكي الذي يتنكر لهذا الحق، ويضغط على المجتمع الدولي لإلغاء تأييده لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم، كما حدث عندما نجحت إسرائيل وحلفاؤها في دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إلغاء قرارها الذي كان يعتبر الحركة الصهيونية حركة عنصرية، مستفيدة ـ للأسف الشديد ـ من اتفاقات أوسلو التي وقعت بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية.

من هنا فإن استنادنا للقرار 194 لا يقوم على أنه السند لحقنا في أرضنا، فسندنا ـ كما أشرنا ـ هو أقوى وأقدم من ذلك بكثير، وإنما هو فقط قرار يسندنا في حركتنا الدولية للدفاع عن حقنا في العودة. ومع ذلك فإن حدود التمسك العربي والفلسطيني والرسمي بهذا القرار باتت ضعيفة، مما يعكس نفسه على ضعف التمسك بحق العودة. أو أن التراجع في مفاهيم حق العودة لدى النظام الرسمي العربي الضعيف والعاجز والمستسلم للإرادة الأمريكية بات يعكس نفسه على تحريف مفهوم العودة، والتساهل في تفسير القرار 194 أو التمسك به. ويضغط بالتالي على الطرف الرسمي الفلسطيني للمساومة على هذا الحق مقابل حصوله على بعض من الحقوق الفلسطينية الأخرى.

ولنأخذ مثلاً على هذا التراجع ما يسمى بالمبادرة العربية التي باتت عنوانا للحقوق الفلسطينية في آلية التحرك العربي والفلسطيني الرسمي لترجمة هذه الحقوق. إذ يعرف الكثيرون أن هذه المبادرة التي أقرت في القمة العربية في بيروت عام 2002 انطلقت من مقالة أو فكرة طرحها الصحفي الصهيوني الأمريكي توماس فريدمان دون أن تحمل أية إشارة لحق العودة، وتبنتها المملكة العربية السعودية وطرحتها على القمة العربية وأقرت بعد أن أضيفت لمقدمتها فقرة لا تؤكد على حق العودة، ولا تطالب بتنفيذ القرار 194، وإنما تتحدث فقط عن حل متفق عليه لقضية اللاجئين، مع مجرد الإشارة فقط للقرار 194. وعلى إثر هذا التراجع جرى تراجع آخر، تمثل في ما يسمى خطة خارطة الطريق التي لم تشر من قريب أو بعيد لقضية اللاجئين وحقهم في العودة، وإنما أشارت في مقدمتها فقط للمبادرة العربية كأحد المراجع التي يستند إليها في حل الصراع العربي الإسرائيلي، وتحقيق ما يسمونه سلاماً عادلاً. وقد أصبحت خارطة الطريق هي الخطة الوحيدة التي يتبناها الرسميون الفلسطينيون والعرب، واللجنة الرباعية الدولية لحل القضية الفلسطينية.

وهكذا نلاحظ أن الجانب الرسمي العربي هو من يتراجع عن حق العودة ويفرط فيه شيئاً فشيئاً، ويشوه مفهوم القرار 194 ويفقده معناه الحقيقي. وقد ارتبط هذا التراجع العربي بتراجع فلسطيني أشد خطراً على حق العودة، تمثل في مبادرة جنيف وأصحابها، التي انطلقت من تحت مظلة القيادة الفلسطينية ( قيادة المنظمة) ومن بين أعضائها. وهي المبادرة التي ألغت نهائيا القرار 194 وحرفت مفهوم العودة وحصرته بالعودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية، وقبلت بتوطين اللاجئين في أماكن تواجدهم، أو بتهجيرهم إلى مختلف بلدان العالم، وألغت حقوقهم في التعويض عن الخسائر المادية والمعنوية التي ألمت بهم وبممتلكاتهم واستثمار إسرائيل لأراضيهم منذ النكبة حتى اليوم.

هذا التراجع الرسمي العربي والفلسطيني عن حق العودة، وفي مفهوم القرار 194، هو الذي شجع إسرائيل، ويشجعها اليوم أكثر فأكثر على مطالبة الفلسطينيين بالتنازل رسمياً عن حق العودة، وجعل هذا التنازل شرطاً لإقامة سلام مع الفلسطينيين، والسماح بإقامة دولة فلسطينية لهم. وهو ما جاء على لسان يهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية في خطابه في الذكرى الثالثة والثلاثين لوفاة ديفيد بن غوريون. وهو تقريباً نفس ما جاء في مشروع يوسي بيلين ـ أحد أقطاب مبادرة جنيف عن الجانب الإسرائيلي ـ ذلك المشروع الذي نشر قبل أسابيع، وأعلن أنه سيبدأ العمل على تطبيقه اعتباراً من مطلع عام 2007.

ولتحقيق هذه الأهداف تصعّد إسرائيل من ضغوطاتها على الشعب الفلسطيني من خلال زيادة حجم العدوان والقتل والتدمير الذي تمارسه في الأراضي المحتلة في غزة والضفة، ومن خلال تشديد الحصار الذي تحرم به المواطن الفلسطيني من لقمة العيش، وأطفاله من جرعة الحليب أو الدواء. وذلك لتدفع المواطن الفلسطيني نحو التفكير فقط بحياته اليومية، وتصرفه عن الاهتمام بقضاياه المصيرية وفي مقدمتها حق العودة. بحيث باتت هاجس الفلسطيني اليوم بالفعل هو موضوع الرواتب والكهرباء والماء والمعابر والأمن الشخصي، وتعتقد إسرائيل أن استمرار هذه الحالة سيسهل عليها دفع الفلسطينيين إلى التنازل عن ثوابتهم الوطنية. وقد بتنا نلمس عزوف الجمهور عن المشاركة في الفعاليات والنشاطات التي تتناول القضايا الوطنية والأساسية. بل إن من يتابع الصحافة الفلسطينية، ووسائل الإعلام المرئي والمسموع الفلسطينية والعربية يلحظ التركيز فقط على الأحداث اليومية، وقضايا الحصار، والخلافات والصراعات الفلسطينية على السلطة، مقابل تجاهل كامل تقريباً لحق العودة، والمخاطر المحدقة به، وكذلك الحال بالنسبة للقضايا الأساسية الأخرى.

كما أن حالة القلق والخوف والجوع والبطالة والصراعات التي تعيشها الساحة الفلسطينية الداخلية خلقت خطراً آخر على حق العودة تمثل في زيادة أعداد الهجرة المعاكسة من الداخل إلى الخارج. كما باتت هذه الحالة الفلسطينية الداخلية تعكس نفسها بمزيد من القلق على إخواننا في مخيمات الشتات في الخارج، مما قد يؤثر على نضالاتهم من أجل العودة، وقد يدفع بهم إلى مهاجر أبعد.

أمام هذه المخاطر المحدقة بحق العودة داخليا وخارجيا، إسرائيليا وعربيا ودوليا، تتضاعف مسؤولية الناشطين في حقل الدفاع عن حق العودة. أفراداً وهيئات ومؤسسات وقوى سياسية، في التصدي لهذه المخاطر عبر توعية الجماهير الفلسطينية، بكل الوسائل المتاحة، على الأبعاد التي تمثلها هذه المخاطر على ثوابتنا الوطنية، وتحديداً على حق العودة. ودعوة المتصارعين على السلطة للانتباه إلى ما تجره صراعاتهم من ويلات على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. وما تحققه لأعدائنا من مكاسب سياسية. كما يتوجب علينا نحن المدافعين عن حق العودة أن نوحد جهودنا أكثر فأكثر، وكذلك رؤيتنا، في كيفية نشر ثقافة العودة وتعزيزها، فلسطينيا وعربيا ودوليا، والتصدي للمتآمرين على هذا الحق في مختلف الساحات. والعمل موحدين للحيلولة دون تورط أي طرف فلسطيني مسؤول في المساومة على حق العودة أو التنازل عنه مقابل أي حق آخر، أياً كان مسماه.

_______________

 د. عبد الله الحوراني هو المنسق العام للتجمع الشعبي الفلسطيني للدفاع عن حق العودة.