حول تجربة

بقلم:صـلاح منصور أبو الصوص

منذ إطلاق موقعنا الالكتروني على شبكة الانترنت "فلسطين في الذاكرة"(PalestinRemembered.com)  عام 2000 ونحن نبحث عن مصادر موثقة للتاريخ والثقافة الفلسطينية ( خاصة الأحداث التي تتعلق بالنكبة). وقد تبين لنا أن ما هو متوفر، أو ما يمكن العثور عليه هو القليل القليل فقط. وفيما بعد، أصبح من الجليّ أن التاريخ الشفوي هو الوسيلة الوحيدة الباقية لحل هذه المشكلة. وقد أدركنا أيضا أن ذلك يتطلب منا استجابة سريعة وإلا فقد يصبح الوقت متأخرا؛ ذلك أن مجموعات اللاجئين، خاصة تلك المجموعة التي عايشت النكبة، تشيخ بسرعة كبيرة، وأن ذاكرة تلك المجموعة معرضة للضياع الأبدي. نتيجة لذلك، بادرت "فلسطين في الذاكرة" إلى مشروع تأريخ شفوي في الأردن؛ حيث توجد حاليا أكبر مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين، وذلك عام 2003.

 

ومنذ ذلك الوقت قمنا بتسجيل ما يزيد على المائتين وثلاثين مقابلة مع لاجئين عايشوا النكبة. ويبلغ مجموع تلك التسجيلات ما يفوق السبعمائة وخمسين ساعة ويمكن مشاهدتها أو الاستماع إليها على شبكة الانترنت. تغطي تلك المقابلات ما يفوق المائة وأربعين بلدة فلسطينية من تلك التي تعرضت للتدمير والتطهير العرقي.

الدروس المستقاة:


في هذا المقال، سنشارككم تجربتنا في مجال التأريخ الشفوي؛ علّ بعض المؤرخين الشفويين يجدون في ذلك ما يفيدهم. لقد واجهنا العديد من المشكلات منذ البدء، ولكن سر نجاحنا تمثل في التصميم والمثابرة. لقد كان الجهد المبذول والمطلوب يتعاظم كلما تطور المشروع لذا عملنا على توثيق نتائج تحقيقنا وخبراتنا في كتيبين يمكن الحصول عليهما بسهولة عبر موقعنا على الشبكة المعلوماتية. الكتيب الأول؛ هو عبارة عن كتاب تدريبي إرشادي؛ أما الكتيب الثاني فيحتوي على مجموعة من الأسئلة، (تفوق المائة وخمسين سؤالا)، التي يمكن الاعتماد عليها كمحور تدور حوله المقابلات. ونود فيما يلي تلخيص العبر الأساسية التي استقيناها من تجربتنا:

قلة وندرة الأصول المنهجية الخاصة بعملية التأريخ الشفوي:

 


  تبين لنا، منذ البدء، أن ما نشر من تجارب في هذا الميدان هو القليل القليل ولذلك لم يتوفر لنا الكثير مما يمكننا أن نبني عليه عملنا. وبهذا كان علينا أن نطور عملية جديدة من الأساس. من هنا ولد الكتيب الإرشادي التدريبي، ومجموعات الأسئلة وتم تصميم هيكلية إدارية وبنية خاصة بالتقارير وتقنيات ووسائل النشر وما إلى ذلك.

ارتفاع التكاليف المتصلة باليات التنفيذ والمتابعة والتواصل:


بما أن مقر موقعنا الإلكتروني واقع في الولايات المتحدة الأمريكية، كان من الصعب علينا العثور على الطاقم المناسب في الأردن والذي يمكنه إجراء المقابلات وإدارة المشروع بشكل سليم. الأمر الذي ترتب عليه زيادة نفقات الإدارة. بالرغم من أن أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين موجود في الأردن إلا أن معظمهم مشتتون وغير متجمعين في منطقة واحدة؛ بل ينتشرون في أرجاء مدينة عمان وإربد ووادي الأردن والزرقاء، الأمر الذي ترتب عليه ارتفاع تكلفة المواصلات وإطالة الفترة الزمنية التي تطلبها إكمال كل من المقابلات.

ندرة المؤهلين المختصين وغياب المنظمات الأهلية في الاردن

كان البحث عن مرشحين مؤهلين للقيام بالعمل معركة دائمة. كان أمرا صعبا العثور على أولئك المرشحين المؤهلين للقيام بالمهمة، خاصة وأن أماكن سكناهم موزعة في كافة أرجاء المكان.ومما جعل الأمر بالغ الصعوبة، على وجه الخصوص في الأردن، هو غياب المنظمات الأهلية.

المحدودية الجغرافية بسبب الضائقة المالية:

بما أن موقع فلسطين في الذاكرة ( (PalestinRemembered.com هو موقع الكتروني يدار ويموّل بالاعتماد على مصادر شخصية، كانت عملية التمويل تقوم على نضال متميز منذ البدء، حيث يموّل المشروع وكذلك الموقع الالكتروني في الأغلب من أموال شخصية، مما تسبب في خلق ضائقة مالية رافقت المشروع ولولاها لكنا قد وسعنا المشروع لكي يشمل لبنان وسوريا وغزة.

التقنيات ما بين اللازم والممكن:


منذ البداية، ناضلنا من أجل العثور على المزيج الملائم من التقنيات التي تتميز بتدني التكلفة وسهولة الاستعمال ويمكن نشرها عبر الشبكة المعلوماتية. ونقوم الآن باستخدام آلات تصوير رقمية دون الحاجة إلى استهلاك الأشرطة.

الزيارات التحضيرية لازمة وناجعة:

وبناء على تجربتنا، تبين لنا أن تحضير اللاجئين للمقابلة أمرا بالغ الحيوية. ومع أن عملية التحضير هذه مكلفة وتستهلك الكثير من الوقت، إلا أننا وجدنا الزيارات التحضيرية تساهم بفعالية في خلق جو نفسي مريح، يساعد اللاجئين على الانفتاح والتخلص من مخاوفهم بشكل كبير، مما يجعلهم أكثر جاهزيّة للإجابة على الأسئلة الموجهة لهم والتعاون.

الإلمام بتاريخ القرية مسبقا خطوة تسبق المقابلة ولا بد منها:

قبل إجراء كل مقابلة، قررنا أنّ على من يقومون بها, تنفيذ بحث مسبق عن القرية التي ينحدر منها اللاجئين الذين تجري مقابلتهم. إن من شأن ذلك البحث أن يلعب دورا مساعدا ليس فقط أثناء المقابلة ولكن أيضا يساعد الباحث على كسب ثقة اللاجئين. وقد أضفنا إلى تلك الخطوة، لكسب المزيد من ثقة اللاجئين، عرض صور القرية موضوع المقابلة او البحث على موقعنا الالكتروني مستخدمين في ذلك كافة الصور المتوفرة عنها.

كسب ثقة اللاجئين وطمأنتهم ضمان النجاح

في المراحل المبكرة من العملية، قمنا بالتأكد من أن يعرف اللاجئون أننا لا نجني أي ربح، مهما صغر أو كبر، من تلك المقابلة وأن مقابلتهم ستكون متوفرة على الشبكة الدولية خلال فترة وجيزة. وقد وجدنا في ذلك أيضا نقطة ايجابية خفية أخرى اذ اسهم هذا في التقليل من احتمال مبالغة اللاجئين في وصف الأحداث وجعلهم يتحدثون ويتصرفون على طبيعتهم ويتحدثون باحترام تجاه الآخرين. وفي نهاية كل مقابلة، قدمنا نسخة عنها للاجئين المشاركين، وكنا قد وعدناهم بذلك قبل إجراء المقابلة معهم، الأمر الذي عزز مستوى ثقتهم بأنفسهم وبنا.

تجزئة موضوع المقابلة وتقسيم العمل شرط إخراجها بأفضل صورة:

تنقسم الأسئلة إلى جزأين: حيث يعني الجزء الأول برسم صورة عن القرية أو المدينة قبل النكبة، أما الجزء الثاني فيعني برسم صورة للأحداث قبل وبعد النكبة. تبين لنا أن الجزء الثاني أكثر تعقيدا وديناميكية من الجزء الأول، وعادة ما يتطلب الكثير من الجهود والمهارات من جانب من يجرون المقابلة. وقد يكون ذلك بسبب تقدم اللاجئين في السن أو بسبب فقدان شيئ من الذكريات. ولكننا وجدنا أن كثيرا من اللاجئين يخلطون بين الأزمنة المختلفة والأمكنة والاتجاهات المختلفة كما ويختلط عليهم تسلسل الأحداث. وبالرغم من أن كثيرا من اللاجئين يرغبون في التحدث عن تجربتهم اكتشفنا أنهم يتعمدون القفز عن الأحداث التي أدت إلى النكبة وذلك لأسباب لم نتمكن من معرفتها! ولحلّ هذه الإشكالية قمنا بوضع مجموعة خاصة من الأسئلة من شأنها إنعاش ذاكرتهم عن طريق إبطائهم بشكل متعمد. لقد سمينا هذه الأسئلة أسئلة التوقف أو الراحة. وتوجه هذه الأسئلة ليس بهدف جمع المعلومات ولكن بهدف إنعاش ذاكرة اللاجئين. ومن هذه الأسئلة: ماذا كنت تلبس عندما غادرت بيتك؟ من كان معك في حينه؟ في أي وقت من النهار غادرت؟ هل كان لديكم أي نوع من المركبات؟ وما إلى ذلك من الأسئلة. تبين لنا أنه عندما يتم إبطاء اللاجئين تطفو على السطح وبشكل مفاجئ بعض الأحداث الهامة والتي كانت مستترة. ولذلك، على من يقوموا بالمقابلة أن يكونوا في غاية اليقظة لتوجيه أسئلة المتابعة. وبناء على ذلك، تطلبنا أحيانا حضور مقابل ثان (خصوصا عندما تسمح الميزانية بذلك) لكي يساعد في إخراج المقابلة على النحو المرجو. وبغض النظر عن مدى مهارة وخبرة من يجرون المقابلات، اكتشفنا أن نوعية أداء من يقومون بالمقابلة تتحسن عادة بحضور مخرج للمقابلة.

إجراء مقابلة أخرى بعد التقييم يسهم في توضيح الملتبس أو الغامض من أحداث الرواية:

وبعد كل مقابلة قامت الإدارة، إدارة المشروع، في الولايات المتحدة والأردن بتقييم كل مقابلة، خصوصا الجزء الثاني منها. أحيانا، لم يقم من يجري المقابلة بتوجيه أسئلة متابعة هامة معينة تتعلق بحدث مميز، مثل تجربة أسرى الحرب وزيارات البلدات بعد النكبة وما إلى ذلك، وفي هذه الحالة، تطلب الأمر إجراء زيارة متابعة أخرى لتوضيح أمر معين أو إلقاء المزيد من الضوء على حدث ما. نعتقد أن هذه خطوة هامة من خطوات العملية حيث أنها تحسن من نوعية النتيجة بشكل عام.


التكرار المفرط للمقابلات غير ذي جدوى نوعية:

ومن تجربتنا، تبين لنا أن إجراء مقابلتين أو ثلاث عن كل قرية وإجراء خمس مقابلات في الحد الأعلى عن كل مدينة هو أكثر من كاف. وعادة ما تتضمن المقابلة الثالثة إعادة لما يقارب 90% من مضمون المقابلتين الأولى والثانية. وأما أوجه الخلاف، فتتركز في اختلاف الأحداث المتعلقة بمغادرة البلدة المعينة وفيما عدا ذلك تتشابه كل المكونات الأخرى.

توضيح المفاهيم وبيان الحقوق:

تبين لنا أن العديد من اللاجئين يخلطون بين حقهم في العودة وحقهم في تقرير المصير. وقد تبين لنا أيضا أن الأغلبية الساحقة من اللاجئين يعتبرون تلقي التعويضات يعادل بيع الأرض أو المساس بالشرف الفلسطيني. ولقد بذلنا جهدا حثيثا في بيان تمايز حق العودة الفردي عن حق تقرير المصير من جهة وتداخل الحقين عند تناول حق العودة كحق جماعي من جهة أخرى؛ بمعنى انه يتوجب ألا يكون حق العودة أو العودة ذاتها متوقفين على ممارسة حق تقرير المصير، وفي المقابل فانه يكون من الصحيح القول أن تقرير المصير، في الحالة الفلسطينية غير وارد نظريا وغير ممكن عمليا إلا بتمكين اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة. أضف الى ذلك، أنه غاية في الأهمية أن تكون العودة مصحوبة بالتعويض عن المعاناة والألم وكذلك عن تدمير الممتلكات والأرواح.

الخلاصة:

لا يسعنا التفكير في أي مشروع يفوق من حيث الأهمية مشروع التأريخ الشفوي للنكبة والذي يتطلب عملا مهنيا ودؤوبا. من هنا، ندعو كافة المنظمات والناشطين والأشخاص المستقلين للتعاون والتشارك في استنتاجاتهم لكي نفيد جميعا من تجربة بعضنا البعض. إن هذا يتطلب الحفاظ على مستوى من التعاون يكفل تواصل الجهود وتناميها. ونأمل بهذا الخصوص أن يتشارك كافة النشطاء في هذا الميدان في تبادل المعلومات المتعلقة بالبلدان التي أجروا بحوثا حولها والتشارك في تبادل نماذج المقابلات لكي يستفيد الآخرون من تجاربهم. وهذه هي الطريقة الوحيدة لكي يوجه الناشطون في هذا الميدان طاقاتهم نحو تغطية البلدان التي لم تتم تغطيتها بعد والتي تجنبنا التكرار الكمي غير المنتج. نأمل في أن يكون هذا المقال واحدا من ضمن النشرات حول هذا لموضوع والتي من شأنها أن تجذب مستوى من الاهتمام نحن بأمسّ الحاجة إليه نحو هذا الموضوع، وبهذا الشأن نتوجه بالشكر إلى مركز بديل للحهود التي يبذلها في مجال التوعية بشأن هذا الموضوع الهام.

______________________

 صلاح منصور أبو الصوص هو كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مدير موقع "فلسطين في الذاكرة". يعد موقع "فلسطين في الذاكرة" على شبكة الانترنت من أكبر المواقع التي تعني بشؤون اللاجئين الفلسطينيين والنكبة على الشبكة. للمزيد أنظر الى: www.palestineremembered.com