الأخطــار التــي تتــهدد الذاكــرة الفلسطينيـــة

بقلم:د. شكـري عـــرّاف

يعتمد المؤرخون أسلوبين في دراستهم لتاريخ أوطانهم، الأول يعتمد المصادر العالمية والمحلية، ويستنتجون ما هو موضوعي يبيّن حقيقة ما يحدث؛ أما الثاني فيعتمد مصادر المؤسسات الوطنية دون سواها، حيث تكون تربية الأجيال هدفا. وحين يريدون لهذه الأجيال أن تذوّت ( بمعنى ان تصبح جزءا من ذاتنا) ما هو ايجابي يرفد في خلق جيل يعرف ذاته، كما يريد المؤرخ أن يعرفها. مثل هذا الأسلوب مستعمل في هذا العصر، وقد استعمله كل الذين أرادوا تربية الأجيال متقوقعة على ذاتها، لا تعترف بحق الآخرين في الحياة، كالنازية و الفاشية مثلا.

 

لكل حرب ثلاثة أسماء، الاسم الذي يطلقه الجانب الأول ثم ما يطلقه الطرف الثاني الى أن يقرر مؤرخ عالمي اسما ثالثا يتناسب والنظرة العالمية لهذه الحرب. فهذه حرب 1948 هي النكبة بالنسبة للشعب الفلسطيني وهي حرب التحرير/ الاستقلال بالنسبة للشعب اليهودي وهي الحرب العربية – الإسرائيلية/ الصهيونية بالنسبة لمؤرخين حياديين.

 

قس على ذلك حرب عام  1956 التي عرفت عند الإسرائيليين بـ " عملية كاديش "  وعند المصرين بـ " العدوان الثلاثي " وعند توينبي البريطاني و غيره من المؤرخين العالميين بـ " حرب السويس ".

ولا تشذ الحربان اللتان حدثتا عامي 1967 و1973  عن هذه القاعدة. فقد دعا الإسرائيليون الأولى حرب " الأيام الستة"، في حين دعاها العرب بـ " النكسة " …  أما الثانية فدعاها الإسرائيليون " حرب يوم الغفران "  لوقوعها في هذا اليوم/ المناسبة. أما مصر فدعتها " حرب رمضان المجيدة " لكن سوريا أسمتها " حرب أكتوبر المجيدة "….

 

وفيما يخص الذاكرة الجماعية، ومن ضمنها الذاكرة الفلسطينية، فإنها تتعرض إلى أخطار نرى العوامل التالية فاعلة فيها:

 

أولا: العامل الذاتي/ الفلسطيني: الذي يمكن تحديد مخاطره، في النقاط التالية:

أ‌-        الانتماء الجماعي: تألفت كل القرى ومعظم المدن الفلسطينية من مجموعة من الحمائل مكونة المجتمعين القروي والمدني. وعندما نكتب تاريخ النكبة، يروي لنا المسنون ما لعائلاتهم البيولوجية والممتدة، وربما يوسعون دائرة حديثهم عن حمولتهم ليصبح التاريخ محصورا بما حدث لهم بالذات.. وربما دون سواهم.

ب‌-    الانتماء القروي و/ أو المديني: نقرأ العديد من المؤلفات التي تتحدث عن تاريخ قرية أو مدينة ما دون ربط ما حدث لهذه أو تلك بما حدث للمنطقة المجاورة ولكل البلد، وكأن تاريخ سقوط قرية أو مدينة يشمل تاريخ سقوط فلسطين كلها.

صحيح أن الأمور متشابهة من حيث حدوثها مع بعض الاختلافات في طرق تنفيذ الاحتلال والطرد و الإبعاد والمجازر، لكن ذلك يبعدنا عن التاريخ الشامل للبلد؛ وعن العوامل التي أدت إلى خسارة الوطن، كل الوطن.

 

ثانيا: العامل القطري/ الإقليمي: إن تقسيم المنطقة العربية إلى مناطق صغيرة انتدبتها كل من بريطانيا وفرنسا، أفرز دولا كونت لنفسها كيانات مستقلة،  لكل منها رموزها كالحدود، العلم، نظام الحكم بما فيه من رؤساء، ملوك، ووزارات، العملة المستعملة ومنهاج التدريس، ثم الجيش ذو التدريب الخاضع لنمط جيش الدولة التي انتدبت البلد سابقا، بكل ما يتبعه من تدريب وتسليح، وأحيانا  من تحالفات ... كل ذلك قوقع المسؤولية القومية في إطار الأوطان الضيقة أي الأقطار الدول... فترانا نقول: القطر المصري والقطر السوري أيام وحدتهما في ستينيات القرن العشرين. وهناك الأقطار الأخرى كالقطر العراقي وغيره...

 

هذا التقسيم وهذه الشرذمة أدت إلى ضعف المسؤولية القومية الجماعية/ القومية العربية، فنما انتماء قطري له تاريخه المنفصل الذي تتبناه مناهج التربية والتعليم هادفة إلى خلق جيل وأجيال تتقوقع انتماءاتها على قطرها مما أدى إلى نظرة  شبه عدائية للأقطار الأخرى الأخت، وفي أضعف الإيمان إلى عدم الاكتراث بما يحدث فيها.

 

هذا ما حدث لفلسطين وقضيتها التي كثيرا ما رأينا عدم اكتراث الدول العربية الشقيقة بها، اللهم ما يحفظ ماء الوجه في معظم الأحيان... ضعفت المسؤولية القومية الجماعية، وتشكلت تحالفات أملتها مصالح الدول الكبرى في المنطقة، ففلسطين وقضيتها مهمتان ان كانت حكومتها موالية، وإلا فهما هامشيتان إن كان توجهها مناهضا لهذه التحالفات. هذا أمر خطير يضعف الذاكرة العربية عن فلسطين، كما يضعف الذاكرة العربية بالشأن الفلسطيني عند الجماهير العربية في أقطارها.

 

يتمثل ذلك في السلوكيات السياسية العربية، ويترجم غالبا إلى أنماط سلوك غير مبالية تشجعها وتغذيها وسائل الإعلام التي تخضع في معظمها إلى المؤسسات الحاكمة. فبدل أن تبقى القضية حية في الأذهان، وبدل أن تستنفر الجماهير عن طريق ضخها بالخبر المؤيد فإنها تهمل ذكرها بالشكل الذي يعني بالتالي نسيانها، أو عدم الاهتمام بها على أقل تقدير.

 

ثالثا: العامل العالمي- والعالم الذي يؤثر في هذا المجال هو مجموعة الدول الكبرى ذات المصالح الإستراتيجية في المنطقة. وفي معظم الحالات تحكم هذه الدول ازدواجية المعايير، وقد نجحت في ذلك على طول القرن الماضي. في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن تظهر هذه المعايير واضحة، ودائما الانحياز لإسرائيل دون فلسطين، ولإسرائيل دون الدول العربية إن كان الأمر متعلقا بعدوان الأولى على إحداها أو على مجموعة منها.

 

فلسطين لا تذكر في نشرات الأخبار العالمية، إلا ذا حدث زلزال تسبب فيه إسرائيل، كما حدث في بيت حانون في شهر تشرين الثاني 2006، أو كما حدث في قانا لبنان وغيرها... على حين تسعى إسرائيل، بواسطة أجهزة الإعلام التي تسيطر عليها في العالم، لإبقائها في دائرة الحدث، تؤكد على أنها تدافع عن نفسها وأنها في موقفها هذا إنما ترد الفعل دائما ولا تبادر إلى العدوان. 

 

ما زالت رؤوس الأموال العربية، ومنها الفلسطينية إن وجدت، بعيدة عن كسب الرأي العام العالمي عن طريق خلق وسائل إعلام على مستوى العالم لشرح قضايا الأمة العربية عامة والقضية الفلسطينية بشكل خاص.

 

نرد الفعل إذا هوجمنا في مقدساتنا، ونشتعل حماسا، مثال ذلك ما حدث في الدانمرك وغيرها من دول أوروبا عندما مسوا قدسية الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم. لماذا انتظرنا حتى هذا الوقت؟ لماذا لم تصدر الكتب التي تشرح ما في الإسلام من سماحة وصدق وتسامح؟ لماذا ننتظر حتى نهاجم في عقر دارنا؟ لماذا لا نعمل على الذاكرة الجماعية العالمية في قضايانا التاريخية والدينية منها؟ لماذا لا نفرض وجودنا على هذه الذاكرة من خلال تبادل البعثات على اختلاف أنشطتها؟ لماذا لا تعمل سفاراتنا على رسم صورة أخرى لدولها بكل ما في القضية من أمور؟ فالعالم لا يهمه ما يحدث عندنا ما لم نثبت أننا على حق في قضايانا، و منها القضية الفلسطينية. نحن غير موجودين في ذاكرة هذا العالم، إلا إذا حدث زلزال ، كما قلنا...

 

أود ان أنهي هذا المقال بما قالته لي زوجتي، عندما تحدثنا في هذا الموضوع بقول المثل: "زوّجوا الأخت لأخوها، بكره بينسوها". والغد كفيل دائما بخلق أمور أخرى تجعل المرء ينسى ما حدث بالأمس. وأنا أخشى، أن ننسى أو لا نهتم أو أن نُحبط من كثرة المصائب التي تحيط بنا وتؤثر فينا. فإسرائيل تخلق مشكلة جديدة بعد أن تكون قد قامت بعملية ما، فما أن تحدث القضية الثانية حتى ننسى القضية الأولى، فهذا أسلوب ذو أثر كبير على الذاكرة الجماعية الفلسطينية خاصة والعربية عامة.

 

___________________

د. شكري عراف هو جغرافي ومؤرخ فلسطيني متخصص في تاريخ وجغرافيا البلدان الفلسطينية. له العديد من الإصدارات البحثية.