مصــادر التاريـــخ الشفــــوي

  مصــادر التاريـــخ الشفــــوي

بقلم:د. سلمـــان أبــو ستــة

نكبة فلسطين حدث فريد من نوعه في التاريخ الحديث. فلم يحدث قط في مكان آخر غير فلسطين أن غزت أقلية أجنبية مهاجرة أرض الأغلبية الوطنية، وطردتهم منها واستولت على أرضهم وأملاكهم وأزالت آثارهم الحضارية والتاريخية، كل ذلك بتخطيط مسبق، ودعم مالي وعسكري وسياسي من الخارج، امتد على مد قرن من الزمن.

ومن هنا، فإن دراسة تاريخ النكبة والتعمق في كل أركانها واستجلاء جميع الجوانب الخافية فيها من أهم الأمور التي يجب أن تستحوذ على اهتمام الفلسطينيين والعرب والمسلمين وسائر شعوب العالم التي تؤمن بالعدالة. وهذا الاهتمام ليس فقط من أجل توثيق الماضى وتسجيل التاريخ. فهذا الموضوع على أهميته ينطبق على حوادث تاريخية انقضت آثارها. لكن النكبة لا تزال مستمرة إلى اليوم، وسيمتد الصراع إلى أجل غير قصير. ولذلك فإن تسجيل تاريخ النكبة هو وسيلة للتخطيط المستقبلي لكيفية استعادة الحقوق والمسائلة عما أرتكب اثناء النكبة المستمرة.

وعلى سبيل المثال، فإن تسجيل تاريخ النكبة مفيد في توثيق جرائم الحرب (المجازر، الاغتصاب، التدمير، النهب، طرد المدنيين أو استغلالهم) وكذلك في توثيق الملكية الفردية والجماعية وفي توثيق عدد اللاجئين المتضررين وكيفية تضررهم، وأخيرا وليس آخراً، في وضع أفضل الخطط لتنفيذ حق العودة.

 
الرواية الفلسطينية


ليست هناك مأساة في التاريخ الحديث أكثر فظاعة وأقل وصفاً من تاريخ النكبة. فلاتزال إلي اليوم مئات الآلاف من الشهادات التي لم تسجل لنساء ورجال وأطفال عاصروا النكبة وذاقوا مرارتها. وهذا هو الدور المنوط بنا القيام به بجانب الدور الاساسي  وهو تحقيق حق العودة.

ومع ذلك فقد كتب الفلسطينيون عدة أعمال هامة عن النكبة، من أهمها وأولها العمل الموسوعي لعارف العارف، النكبة، وتلاه آخرون عاصروا النكبة وشاركوا فيها.

على أن أغزر الأعمال وأقربها إلى الوصف الانساني المؤثر هي مذكرات الافراد عن حياتهم وبلدانهم في فلسطين. كما أصدرت مؤسسات بحثية كتيبات خصص كل منها عن سيرة بلد في فلسطين، تشرح تاريخ البلدة وعائلاتها ومنازلها وكيفية نزوحها وما تعرضت له اثناء النكبة. وهذا العمل الهام الذي يؤرخ للذاكرة الفلسطينية نرجو له أن يستمر ليغطي كل بلدات فلسطين وجميع مظاهر حياة أهلها في بلادهم.

وقد أدرك كثير من الباحثين أهمية توثيق شهادات الناجين من النكبة، وعددهم يتضاءل كل يوم، ولذلك أنشئت في عمان في مايو 2005 "شبكة التاريخ الشفوي الفلسطيني" وتضم 6 لجان إقليمية بالإضافة إلى 4 لجان للمواضيع، وتجمع اللجان شهادات الناجين وتقيّمها وتفهرسها. وستوضع خلاصة هذه الأعمال في "متحف فلسطين" الذي تقيمه "مؤسسة التعاون".

ورغم أن كل هذه الأعمال تصور عنصرا هاماً من وقائع النكبة وهو شهادة الناجين منها، إلا ان هذه الرواية الفلسطينية الواقعية قد تم تجاهلها في الادبيات الغربية على مدي عدة عقود. لكن المؤرخين الجدد في إسرائيل أكدوا صحة الرواية الفلسطينية ولكن بعد فوات الأوان.

الرواية الإسرائيلية

تعتمد الرواية الإسرائيلية عن النكبة، وعن تاريخ استيلاء الصهيونية على فلسطين عموماً، على أكبر مجموعة من الاكاذيب والتضليلات التي اعتمدت  عليها المشروعات الاستعمارية الاستيطانية منذ القرن التاسع عشر. فنحن لا نجد هذه الكمية المفبركة من الاكاذيب، لا نوعاً ولا عدداً، في استعمار هولندا لجنوب افريقيا، ولا البرتغال لجوا الهندية، ولا هولندا لاندونيسيا ولا فرنسا للمغرب العربي ولا اسبانيا ولا امريكا للقارة الامريكية.

وقد يبدو هذا عجيباً حقاً في عصر انتشرت فيه المعرفة وتنتشر بشكل متزايد. ويكفي أن نستعرض بعض المقولات الصهيونية لندلل على ذلك: فلسطين أرض بلا شعب، لا يوجد شىء اسمه الفلسطينييون، اللاجئون خرجوا طوعاً أو بأوامر عربية رغم إصرارنا على بقائهم، اليهود الصهاينة  كانوا قلة مستضعفة أمام جيش عرمرم من العرب الغزاة عام 1948، احتلالنا هو أعظم احتلال "انساني" بعد الحرب العالمية الثانية....الخ.

لكن هذا ليس عجيباً إذا تذكرنا أن الصهيونية بحاجة إلى كل هذه الاكاذيب لانها لا تملك على الاطلاق واقعاً أو حقاً لا جدال فيه يمكن أن تعتمد عليه. فلسطين ما قبل 1917 لم يكن لليهود فيها وجود يذكر. فعددهم لم يتجاوز 9% من السكان وتأثيرهم لم يتجاوز أي جالية أخري عاشت بسلام في فلسطين، وملكيتهم في الاراضي لم تتجاوز 2% من فلسطين.

ومن هنا نشأت الحاجة إلى البحث عن مبررات جديدة للاستيلاء على فلسطين مثل الالتجاء إلى العهد الجديد والعهد القديم لربط كلمة اسرائيل القديمة بدولة اسرائيل الحديثة، وإغراء الدول الاستعمارية الاوربية بأن الصهيونية ستكون خادم الاستعمار ووسيلة التخلص من اليهود الاوربيين.

أما تاريخ النكبة فهو بالنسبة لهم (للمؤرخين الصهاينة) تاريخ انتصار الشعب المضطهد المناضل، صغير العدد كبير العزيمة على جيوش العرب البرابرة الذبن غزوا ارض اسرائيل للقضاء على الوليد الصغير. وهكذا تفبرك تاريخ حرب فلسطين على نسق الرواية الاسرائيلية.

وتأييداً لذلك صدرت عشرات الكتب والروايات والافلام تردد هذه الرواية وتطمس غيرها حتي أصبح الاعتراض على هذا التزوير ولو جزئياً مروقاً يشبه الهرطقة ضد الكنيسة الاوربية في العصور الوسطي.

لكن بعد مرور 30 عاماً أو يزيد على الاستيلاء على فلسطين، شعر الصهاينة أن الواقع الذي خلقوه واعتراف الغرب بهم أصبح شرعياً بمجرد حدوثه. ولذلك فٌتحت بعض الملفات الاسرائيلية (باستثناء جرائم الحرب) مما دعا إلي ظهور مراجعات جديدة للتاريخ الصهيوني عام 1948 على يد من أطٌلق عليهم إسم "المؤرخين الجدد".

وباستثناء ايلان بابيه، فإنه لم يتخل أحد من هؤلاء المؤرخين الاسرائيليين عن صهيونيته. فكل يريد اكتساب صدقية نابعة من البحث عن الحقيقة (التي وجدها في الملفات الاسرائيلية مؤخراً)، ولكنه لا يريد أن يدفع الثمن القانوني والأخلاقي لجريمة النكبة التي إن لم يشارك فيها لصغر سنه، فهو استفاد من مكاسبها، بيتاً وأرضا وهوية، على حساب الضحية الذي فقد كل هذه، لكن لم يفقد ملكية الحق ولا النية في استرجاعه.

وبني موريس مثال فريد يدلل على ذلك. فهو صحفي تحول الي مسجل للحوادث (Chronologist) ومنه اكتسب صفة المؤرخ. لكنه لم يتعلم من التاريخ، فهو يسجله دون أي ندم عليه، كما يسجل حارس معسكر اعتقال نازي اسماء ضحاياه وتاريخ قتلهم. وذلك لانه صهيوني ويعترف بأنه مازال كذلك حتي بعد اكتشافه للتاريخ الإجرامي للصهيونية. وهو يعتب على بن جوريون لانه لم يقض على البقية الباقية من الفلسطينيين الذين بقوا في ديارهم.

رواية أطراف ثالثة


لا شك أن الرواية الفلسطينية لتاريخ النكبة، على الرغم من القصور في شمولها ومادة تقاريرها، لا تزال هي المادة الخام الأساسية التي تصف هذا التاريخ. والآن بعد أن اعترفت اعمال المؤرخين الجدد بصدق الرواية الفلسطينية، ولو جزئياً، بقي علينا استقصاء مصادر جديدة لهذا التاريخ.

لدينا ثلاثة مصادر هامة لم تتم الاستفادة منها إلا في أضيق الحدود، ولم تحظ حتي الآن بالاهتمام اللازم: أولها مصادر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وثاني المصادر هو التقارير الداخلية لمراقبي الهدنة، أما المصدر الثالث لتاريخ النكبة فهو أرشيف جمعية خدمات الاصدقاء الامريكية (AFSC) المعروفة باسم الكويكرز.

أولها مصادر اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي تواجد في فلسطين قبل مشروع التقسيم وعاصر النكبة، وشهد ضباطه مذبحة دير ياسين. لقد فٌتحت سجلات الصليب الأحمر لاول مرة عام 1996 نتيجة للضغوط اليهودية التي اتهمت الصليب الأحمر بالتواطؤ مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم أن السجلات التي أصبحت متاحة عبارة عن مراسلات داخلية (بالفرنسية) كتبت بلغة جافة، الإ أنها كشفت عن معاناة الفلسطينيين اثناء النكبة، وكشفت عن إقامة اسرائيل لمعسكرات عمال بالسخرة على نسق المعسكرات النازية. وهذا الاكتشاف الجديد الذي لم يتم نشره حتي الآن بشكل مفصل، يضيف مصداقية جديدة للرواية الفلسطينية.

لقد أقامت اسرائيل 4 معسكرات اعتقال وعمل رسمية في معسكرات الجيش البريطاني اثناء الانتداب وهي: إجليل، عتليت، صرفند (الرملة)، تل لوينسكي. وفي نوفمبر 1948 زار الصليب الأحمر هذه المعسكرات، ووجد فيها خمسة آلاف معتقل فلسطيني معظمهم قرويون من القرى التي احتلتها إسرائيل، استعملتهم كعمال سخرة مخالفة اتفاقيات جنيف.

وثاني المصادر هو التقارير الداخلية لمراقبي الهدنة عن  الفظائع والمخالفات التي أرتكبتها اسرائيل والتي حقق فيها المراقبون فهي ايضا مصدر هام لتاريخ النكبة، ولم يستشهد بها أولاً حسب علمي الإ بالمبو، وقد سبق أن نشر الكاتب تفاصيل بعض هذه التقارير.

وأهم هذه التقارير الموجودة في مكتبة داج همر شلد في بناية الأمم المتحدة تحت رقم DAG –13/3.3.1:10  بعنوان Atrocities  تحتوي على مراسلات مراقبي الأمم المتحدة في الميدان إلى رؤساهم في المكتب الرئيسي وإلى نيويورك. ورغم أنها غير كاملة، الإ أنها تعطي صورة لم تنشر من قبل عن جانب معروف لدي العرب (كثرة الشكوي لمراقبي الهدنة ضد جرائم اسرائيل)، وغير معروف لهم (كيفية التحقيق في هذه الشكاوي). ويوجد في نفس الملف تقارير عن مختلف التحقيقات بالانجليزية والفرنسية عن حوادث في العدسية والباقورة والطيرة (حيفا) وفي المشبة قرب غزة وعيلبون والبعنة ودير الأسد ومجد الكروم والنقب والدوايمة. ويبدو أن هذا الملف، على الرغم من المعلومات الكثيرة المتضمنه به، ناقص الاوراق أو أنها سحبت منه.  وعلى سبيل المثال يوجد ملف: "الادعاء بحرق 28 عربياً أحياء" من أهالي قرية الطيرة (حيفا).

 


أما المصدر الثالث لتاريخ النكبة فهو أرشيف جمعية خدمات الاصدقاء الامريكية (AFSC) المعروفة باسم الكويكرز، الموجود في مقرها بمدينة فيلادليفا بالولايات المتحدة. ورغم أن الكويكرز حضروا إلى غزة بعد أحداث النكبة مباشرة إلا أنهم كانوا أهم شهود على عواقبها وأقربهم إلى اللاجئين نظراً للمعيشة اليومية معهم، وهم الذين انشأوا معظم المخيمات في قطاع غزة، كما نظموا قائمة مفصلة باسماء اللاجئين وقراهم، مبنية جزئياً على قوائم عمومية للصليب الأحمر. وقد أورث الكويكرز قوائمهم التفصيلية إلى وكالات الأمم المتحدة المتعاقبة التي استقرت عام 1950 على وكالة الاونروا.

وتكشف وثائق الكويكرز حقيقة أخرى، هي أن الولايات المتحدة التي كانت عضوا في لجنة التوفيق الدولية المكلفة بتطبيق حق العودة حسب قرار 194 قررت في منتصف 1949 الخضوع لمشيئة اسرائيل في منع عودة اللاجئين، وهو القرار الذي أعلنته اسرائيل رسمياً مباشرة بعد إعلانها الدولة أي قبل سنة من هذا التاريخ. ولذلك فقد بدأت الولايات المتحدة في إتخاذ الخطط السرية للتخلص من اللاجئين بتوطينهم في بلاد أخرى، رغم أنها كانت تعلن رسمياً للدول العربية وفي الامم المتحدة التزامها بقرار 194.

لقد كشفت ملفات الكويكرز هذا السر. هناك تقرير عنوانه: "سري: تقرير عن اجتماع مع وزارة الخارجية، واشنطن، في 15/6/1949حول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين". يقول التقرير أنه دعي إلى هذا الاجتماع 35 شخصاً يمثلون جمعيات الاغاثة والكنائس والكويكرز و12 شخصاً يمثلون شركات البترول في المنطقة وشخصان يمثلان شركات المقاولات والشحن وعدد من موظفي وزارة الخارجية، للتخطيط لتوطين اللاجئين في دول عربية بعيدة عن فلسطين.

مصادر جديدة

لا يزال تاريخ النكبة يحتاج إلى توثيق أعمق وأشمل. ونحن نحتاج اليوم إلى دراسة موسعة للمراسلات الانجليزية والامريكية بين السفارات والحكومات، التي أصبحت متاحة الآن. كما نحتاج الآن إلى دراسة المراجع العبرية، المنشورة في كتب أو الموجودة في الارشيف، وبعضها يسرد بصراحة جرائم اسرائيل. وكانت اللغة العبرية عند العرب طلسماً اشبه بشفرة سرية، ولكن لدينا الآن عدد كبير من الباحثين الذين يتقنون العبرية.

وهناك عبر كثيرة نقتبسها من المصادر الجديدة المتاحة. ولست أجد أبلغ مثال على ذلك من رسالة مدير الكويكرز الصادرة من غزة في اكتوبر 1949 إلى الرئاسة في فيلادلفيا، تذكر حنين اللاجئ إلى وطنه وعزوفه عن إطعامه وايوائه من أجل العودة إلى الوطن، وعمق مشاعره الانسانية نحو بيته بعد 16 شهراً من النفي، ومقارنة ذلك بمشاعر ابنه وحفيده بعد ثلاثة اجيال أو أربعة، بعد 58 عاماً من النكبة، تلك المشاعرالتي تكاد تكون نسخة من مشاعر الجد، وإن زاد عليها انتشار التعليم، وارتفاع الوعي السياسي، وانتظام الفلسطيني في مؤسساته الوطنية والشعبية في فلسطين وفي شتي بلاد العالم، وارتفاع عدد المطالبين بحقهم في العودة من 900,000 إلى نحو ستة ملايين.

لقد طالت الغربة ولكن زاد معها العزم على العودة أضعافاً. ومن أجل هذا الهدف السامي، يجب توثيق النكبة، ليس فقط لتسجيل الماضي، بل ايضا من أجل وضع الخطة لتحقيق العودة إلى الوطن في المستقبل القريب.

_______________________

د. سلمان أبو ستة هو المنسق العام لشبكة التاريخ الشفوي الفلسطيني والمنسق العام لمؤتمر حق العودة. هذا المقال مقتبس من ورقة مطولة مقدمة الى مؤتمر التاريخ الشفوي، غزة، أيار  2006.