الرواية الشفوية: تفاعل دائم مع الحاضر والمستقبل

 الرواية  الشفوية: تفاعل دائم مع الحاضر والمستقبل

بقلم:د. آمال بشارة

يعرف الذين يستمعون منا لكبار السن، وهم يحدثوننا عن قصص المصادرات والتهجير والكفاح والبقاء؛ يعرفون القوة الفاتنة لهذه الحكايات، وإخبار المزيد منها للسامعين يمكنه  تبصيرهم  ليتخيلوا كيف كانت حياة  قرية فلسطينية  قبل عام 1948، وهي  تكد في جمع الحبوب  في وهج الشمس التي كانت قبل 60 عاما. وعلى خلفية غير رسمية نقول: ان قصص الماضي عبارة عن وسائل ممتعة للوصول إلى المعرفة والقيم. فمنذ  أكثر من عقدين من الزمن؛ يستخدم الفلسطينيون التاريخ الشفوي لتأكيد ارتباطهم بالأرض وبالتاريخ الفلسطينيين. فما هي قيمة  تسجيل هذه الحكايات بالنسبة للدارسين والمثقفين، وخاصة في السياق الفلسطيني؟

في ظل عدم وجود متحف وطني أو مؤسسات تابعة للدولة، التي عادة ما تكون ضرورية لإنتاج التاريخ الوطني، برغم ميل الدولة عادة لاحكام السيطرة الايدولجية على رعاياها؛ الأمر الذي أوجب على الفلسطينيين أن يستذكروا ويسجلوا الأحداث المحورية في تاريخهم الحديث بطرق أخرى. ومن بينها التاريخ الشفوي. وبرغم ان التاريخ الشفوي منهج غير أصولي (غير تقليدي) في البحث التاريخي؛ وذلك لأكثر من سبب؛ الا انه لا يجب عدم التقليل من قيمته لا لكونه يساعد في تعويض بعض الفجوات الناقصة في الجغرافيا-التاريخية الفلسطينية الناتجة عن غياب الدولة الفلسطينية فقط؛ ولكن لانه يفيد الدارسين والمثقفين الذين يطورون طرق البحث في التاريخ الشفوي، ويحللون الروايات الشفوية التاريخية، ويساعدهم في خلق صورة ذلك الماضي من جانب، ويساعدهم بعدة طرق في صياغة طرق جديدة ومنتجة للتقدم تحو الأمام من الجانب الآخر.

تعرض التاريخ الشفوي طويلا، كطريقة للبحث التاريخي  للازدراء من قبل المؤرخين، واعتبروا التاريخ الشفوي غير موثوق، مفترضين أن قصص الناس عن أنفسهم في الماضي غير موثوقة. واستخدام التاريخ الشفوي في تاريخ الشرق الأوسط يطرح المزيد من العقبات، حتى مع وجود تحول في قبول واستخدام طريقة التاريخ الشفوي، كإحدى طرق البحث التاريخي في الولايات المتحدة وأوروبا، ظلت مناهج التاريخ في الشرق الأوسط  تركز على التاريخ السياسي للنخبة، تاركين التاريخ الشفوي خارج البحث. (داموني 1992 فلايشمان 1996)

وقد أنتج الباحثون في علم الإنسان، التي عادة ما  تكون موضوعاتهم وطرقهم أكثر انفتاحا على التاريخ الشفوي، أعمالا أساسية أبرزت ميزات القصص الشفوية (صايغ:1979، سويدنبرغ 1995). وقد أظهرت عدة دراسات حديثة أن التاريخ الشفوي يستطيع إلقاء الضوء على عناوين نظرية مثل الذاكرة، الأمة والهوية، إضافة إلى الماضي الجماعي للفلسطينيين (دافيز،2002؛ الخليلي: 2005، سليموفيكس،1998(. كما يوجد انعكاس جوهري لهذه الأعمال، وهو أن الروايات الشفوية لها قيمتها ليس فقط، عندما تعكس الأحداث الماضية بدقة؛ بل لأنها تعبر عن شيء من العلاقة بين الماضي والحاضر؛ وبهذه الطريقة فهي تشبه المصادر التاريخية الأخرى، وبالتالي هي ليست في العادة غير دقيقة، تماما مثل المواد المؤرشفة التي يجب أن تدرس في ظروف إنتاجها بعقلانية، وتماما مثل النصوص الأكاديمية التي غالبا ما تكون انعكاسا للسياق الذي كتبت فيه عندما صنعوا موضوعاتهم التاريخية. وعليه، هل روايات الأفراد الشفوية عادة تمثل خلفياتهم المعاصرة؟ وعلى سبيل المثال في كتابات (سويدنبرغ) عن مذاكرات ويوميات الفلسطينيين عن ثورة 1936-1939، كتب محللا كيف يعيد المحدثون الأحداث التاريخية للانتفاضة الأولى، في المرحلة التي كان هو  يتابع بحثه (سويدنبرغ، 1995)؛ وقد ساعد هذا التحليل على وضع الروايات التاريخية في نفس مستوى المعرفة الذي تتمتع به  المصادر التاريخية الأخرى.

هناك انعكاس ملازم آخر متصل باستخدام التاريخ الشفوي، ناتج عن أن الروايات الشفوية يتم الإخبار بها في ظروف اجتماعية معينة، والحكايات تتبع القواعد الخاصة بهذه الظروف؛ وهذا الأمر يمكن أن يشكل مرشدا لكيفية استخدامنا لهذه الروايات الشفوية؛ على سبيل المثال: لاحظت  روزماري صايغ أن "النساء في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لديهن مادة غنية للتجربة التاريخية في شكل قصص، وغالبا يجري تناقلها عندما تجتمع النساء في الجلسات العائلية؛ وقصصهن متشظية أو مبعثرة وخاصة، ولكنها محددة في ما شهدته المحدثة أو سمعته مباشرة؛ ولأن دقة وصدق الرواية ضرورية فإن صايغ كانت على ثقة بأن هذه الروايات صادقة لأن قيم وقواعد حياتهن لا تسمح بالأدب الخيالي.

وبعد الحديث عن مشكلة عدم دقة التاريخ الشفوي، يمكننا التحول إلى مسألة أهمية التاريخ الشفوي وكيف يمكنه أن يساهم؟ نجد أن له  فائدة مزدوجة فيما يتعلق بالبحث الفكري في المجتمع الفلسطيني: الأولى، انه يعطينا الفرصة لتضمين سجل التاريخ الفلسطيني بالأصوات والتصورات المهملة. وثانيا، يعطينا الفرصة لتحليل عناوين وقوى كانت مغمورة وغامضة في الراويات التاريخية الأخرى عموما.

أولا: التاريخ الشفوي يمكن أن يتضمن أصواتا لم تكن في العادة جزءا من صفحات التاريخ السياسي التقليدي، والتاريخ الشفوي يؤكد أهمية المنظور والتصورات والتجربة النسائية، والتي غالبا ما تكون مستبعدة من المصادر الأرشيفية مثل الصحف والإحصاءات الاقتصادية. (فلايشمان 1996؛ غوركن وعثمان: 1996؛ صايغ: 1988) ، التاريخ الشفوي يمكن أن يحمل وجهات نظر الفقراء واللاجئين (سويدنبرغ 1995؛ صايغ: 1979، 1998)، كما أن الروايات الشفوية طريقة فعالة لدراسة السجن السياسي، وخاصة أن إمكانية الوصول للسجون محدودة تماما (الناشف: 2004)، ولو وضعنا السجناء جانبا، لوجدنا أن جميع هذه المجموعات مهمشة في الكتابات التاريخية الفلسطينية. وهكذا تقول روزماري صايغ أن "قصص الحياة لنساء المخيمات من فئة الدخل المنخفض لا "تعكس التاريخ الوطني"؛ ولكنهن يقدمن المواد اللازمة لتاريخ متكامل وحقيقي أكثر واقرب للتاريخ الوطني، الذي لا يركز فيه المرء على الرجال أو الأحزاب السياسية والنخبة الوطنية فقط؛ ولكنه يحتوي على النساء والبيت والعائلات والطبقات الخفية، وتجمعات الشتات المتنوعة" (صايغ: 1998:43)

 

ثانيا: تفتح القصص التاريخية الشفوية مواضيع روائية للدراسة؛ أشير لثلاثة من بينها هنا: القصص الشفوية تسعى لإدراك المكان والتجربة أكثر من تركيزها على  الموضوع الوطني أو الأيديولوجيات الاستعمارية ، في حين أن التاريخ التقليدي غالبا يتناول الإمبراطوريات والدول القومية كمواضيع للدراسة. والتاريخ الشفوي غالبا ما يكون يركز على توضيح وفهم الناس في الواقع، وكيف يتعاملون، وتصوير الأماكن التي يعيشون فيها. وكتب اليوميات ليست مقصورة على الفلسطينيين، ولكنها وجدت أيضا في لحظات انفجار العنف والمصادمات؛ وغالبا ما تروي قصة قرية محددة أو حتى قصة بيت واحد أو أسرة واحدة (سليموفيكس 1998)، وجهات النظر هذه، قد تصور ماذا كان عليه الحال عندما تم انتزاع الناس من أماكنهم، أكثر بكثير مما تصوره الروايات السياسية؛ وقد تساعدنا هذه القصص على تخيل حلول غير حصرية، ولكنها عادلة لمشكلات التهجير.

ويتناول التاريخ الشفوي كموضوع له الحياة اليومية (دافيز 2002)، الروايات عن الاقتصاد وصلات القربى، والحركة التي تركز على الحياة اليومية؛ يمكنها المساعدة على ربط الماضي بالحاضر بطريقة ملهمة. فعلى سبيل المثال أستخدم كل من آداكي، كاثرين كوك وآدم هنية روايات الأشخاص الشفوية حول قيود الحركة في الجليل أثناء الحكم العسكري بين 1948- 1966،  لتوفير سياق للقيود على الحركة في الأراضي الفلسطينية المحتلة هذه الأيام. وخاصة في ظل غياب الأبحاث عن الحكم العسكري للجليل؛ فإن التاريخ الشفوي يساعد على الربط والتواصل بين الفلسطينيين في الجليل مع إخوانهم في الأراضي المحتلة عام 1967، الذين غالبا ما يرون تجربتهم مختلفة.

وأخيرا، يمكن للتاريخ الشفوي أن يساعد في معرفة أعمال مقاومة ووجهات نظر لم تتم ملاحظتها في الغالب. أبحاث سويدنبرغ في يوميات ومذكرات من مرحلة ثورة 36-1939، احتوت على روايات ليست فقط متعلقة بالنخبة الوطنية السياسية، والقضايا الرسمية وثورة 1939،  ولكن أيضا على روايات أكدت على المشاركة الشعبية في الثورة، وحتى لأولئك الذي انتقدوا الثورة.  هذه الروايات غالبا ما أهملت أو لم تتم  ملاحظتها؛ معفية الرواية الرسمية من التحديات. وحتى عندما لا تكون هذه الروايات الشفوية من بين الروايات الأكثر ضعفا؛ فإن للروايات الشفوية قيمتها بطريقة فريدة؛ فقد استعارت "راشيل ديفيز" في مقالة عن التعليم في فترة الانتداب، مستخدمة الشهادات الشخصية كمصادر لها _استعارت شعارا تم استخدامه في الاحتجاجات على وعد بلفور؛ وهي توضح مدى القوة النوعية لهذه الروايات الشفوية التي تتناقلها الأجيال من خلال الذاكرة الفردية، " هذه الحكايات تذكرنا بذاكرات أخرى، وما نقله أفراد آخرون، وبمساهمة كل شخص في تشكيل الصورة العامة" (دافيز 2003: 12)، كما أكدت على أنه باستخدام مصادر التاريخ الشفوي "يمكننا تقدير الدور الذي تلعبه الشهادة الفردية في فهمنا للروايات السائدة" (دافيز 2003 :13)

 وفي النهاية، فإن التاريخ الشفوي هو طريقة مناسبة لتناول التاريخ؛ وإذا ما تم استخدامها بعمق وتبصر، مع استبعاد المحورية، ومع تشجيع التفكير النقدي في العلاقة ما بين الحاضر والماضي، وترويج وتعزيز التعددية والتنوع في التصورات. وبواسطة تشكيل الماضي الذي يشتمل أكثر على النساء والفقراء، وعلى هؤلاء الذين يحملون أفكارا بديلة بشأن التاريخ؛ وأيضا من خلال التأكيد على أماكن محددة وأصوات أشخاص محددين؛ من خلال كل ذلك يستطيع التاريخ الشفوي أن يكون مرشدا للتصورات عن المجتمع الفلسطيني، وأن يكشف عن التداخل مع الماضي ويكشف عن المخاطر والاحتمالات المستقبلية.
___________________________________________
د.امال بشارة محاضرة في علم الانسان (انثروبولجيا) في جامعة شيكاغو.

المراجع:

Davis, Rochelle
2002     The Attar of History:  Palestinian Narratives of Life before 1948. University of Michigan.
2003     Commemorating Education:  Recollections of the Arab College in Jerusalem, 1918-1948. Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East 23(1&2):3-17.
Doumani, Beshara
1992     Rediscovering Ottoman Palestine:  Writing Palestinians Into History. Journal of Palestine Studies 21(2):5-28.

Fleischmann, Ellen

1996     Crossing the Boundaries of History:  Exploring Oral History in Researching Palestinian Women in the Mandate Period. Women's History Review 5(3):351-371.

Gorkin, Michael, and Rafiqa Othman
1996     Three Mothers, Three Daughters:  Palestinian Women's Stories. Berkeley: University of California Press.
Khalili, Laleh
2005     Citzens of an Unborn Kingdom:  Stateless Palestinian Refugees and Contentious Commemoration. Columbia University.
Nashif, Esmail
2004     Identity, Community, and Text:  The Production of Meaning Among Palestinian Political Captives. University of Texas.
Sayigh, Rosemary
1979     Palestinians:  From Peasants to Revolutionaries, A People's History. London: Zed Press.
1988     Palestinian Camp Women as Tellers of History. Journal of Palestine Studies 27(2):42-58.
Slyomovics, Susan
1998     Object of Memory:  Arab and Jew Narrate the Palestinian Village. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
Swedenburg, Ted
1995     Memories of Revolt:  The 1936-1939 Rebellion and the Palestinian National Past. Minneapolis: University of Minnesota Press.