النكبــة فــي التــار يخ الشفـــوي

النكبــة فــي التــار يخ الشفـــوي

بقلم:ديــانا ك. آلان

صحيح أن  الهوية الفلسطينية لم تنشأ بواسطة تهجير عام 1948؛ ولكن الحدث بقي جزءا هاما من التاريخ والتجربة الجماعية الفلسطينية، وعلامة على ضياع فلسطين ككيان فيزيائي وولادتها كدلالة وطنية. وفي مقالة حديثة للمؤرخ الفلسطيني، الياس صنبر، كتب يقول: "ينعطف التاريخ الفلسطيني المعاصر في وقت حاسم: عام 1948، ففي تلك السنة اختفت البلاد والشعب من الخرائط  والقواميس".[1] ويذهب "صنبر" أبعد من ذلك، ليضع في الصدارة، أهمية دراسة وبيان وفهرسة هذا الاختفاء؛ كوسيلة وكمخزون حضاري وتاريخي  للعلاقات مع فلسطين ما قبل عام 1948.

 

 

ولأن غالبية اللاجئين من جيل عام 1948 كانوا أميين، وكانت توجد القليل جدا من الصحف والمذكرات المكتوبة؛ وبالتالي كان النقل الشفوي هو الوسيلة الرئيسة، التي يتم بها حفظ هذا التراث الحضاري. وبالتأكيد، فرغم دعوات صنبر وآخرين "لتناسب الإحصاءات السكانية مع الأصوات الإنسانية"، وإعادة بناء عوالم الحياة المحلية الضائعة  في الاستيقاظ  على عملية  الطرد  عام 1948؛ فهذه المرحلة الحاسمة من التاريخ الفلسطيني نادرا ما تم الكشف عنها من وجهة نظر أولئك الذي عاشوا خلالها.[2]   ومع أن الضحايا الأساسيين لهذه الحرب، وهم: الفلاحين، لاجئي المخيمات، فقراء المدن، عشائر البدو، ومن على شاكلتهم، قد  جرى التعبير عنهم في الشعر والأدب؛ ولكنهم، وبصورة واسعة، لم يتم تسجيلهم في حقل التاريخ الفلسطيني، مع ملاحظة بعض الاستثناءات.[3]

وفي ضوء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المتواصل؛ وجدت الجغرافيا-التاريخية الفلسطينية نفسها منحازة بشدة لأهداف الكفاح الوطني وهدف إقامة الدولة، كما وجدت نفسها في حاجة لدحض الرواية الصهيونية عن حرب عام 1948. وظلت تدور حول مجموعة من الرموز "المجسدة" والباحثة عن إعادة كتابة وتصوير عام 1948 كعامل مكون لهوية اللاجئين. وتم ترتيب وإعادة ترتيب الجغرافيا-التاريخية الفلسطينية، لتلبية حاجات تقرير المصير الوطني؛ فاعتبارات ومحاذير المشروعية والأخلاقية التي تم إحداثها، وغالبا المسيطر عليها، من خلال فهم رسمي متزايد  لتاريخ 1948. وقد كان لهذه العملية ثمن واضح؛ فهذه القراءات الانتقائية للتاريخ، التي يمكن أن تكون قد امتزجت في أبحاثنا نحن العاملين في هذا الحقل، وبغير قصد، وبالتالي صرفت أنظارنا وحرفت أو شوهت عملنا، وغالبا تركت مجالات بحث أساسية بدون استكشاف.. فالبحث عن حقائق وطنية من نوع معين يستطيع أن يؤثر على أو يسبب النسيان البنيوي لآخرين: في هذا السياق، فإن تنوع التجربة التاريخية يتم انتقاصها أحيانا لمصلحة تجميع وترتيب  وتنظيم الرواية الوطنية.[4]  والسؤال لماذا؟

على سبيل المثال: هل قرر سكان قرى محددة، مثل مجد الكروم، الفرار؟ وفي نفس الوقت بقي آخرون(في عدة حالات أقارب من نفس العائلة)؟. لماذا ظلت المجازر في "عيلوط" و"البصة" بدون تسجيل في الجغرافيا-التاريخية الفلسطينية، وفي ذات الوقت كتب الكثير عن المجازر في "دير ياسين" واللد ؟ لماذا انهارت  عملية التفاوض بين المستوطنات الإسرائيلية ورؤساء البلديات الفلسطينيين قبيل بدء عمليات الطرد الجماعي؟ أية عوامل قررت إلى أين يهرب اللاجئون الفلسطينيون؟ ومع الأخذ بالاعتبار عدد الكتب التي تمت وتتم كتابتها عن هذه المرحلة من التاريخ؛ فإن ثمة قائمة طويلة من الأسئلة لا  زالت بدون جواب وتبدو غامضة مشوشة أيضا.

ورغم أن الروايات المنقولة عن تلك الحقبة، وعلى شكل تاريخ شفوي وشهادات؛ يمكنها  أن تقدم المعطيات التجريبية الضرورية للاستجابة لهذه التساؤلات؛ فغالبا ما يتم رفضها على أنها "ذاتية"، أو تصويرها على أنها تهديد محتمل لتماسك التاريخ الوطني. والانحياز الدائم لتأييد وضرورة وجود دليل أرشيفي "موضوعي"، يجرى التعامل معه على أنه أدنى من المستوى المطلوب، ومجابهته بالفرضية القائلة أن سلطة المثقف – كما هي معرفة في التقاليد التاريخية الغربية- تتشكل أرضيتها في المراجع النصية أكثر من الكلمة المحكية.

وفي مراجعة لعمليات تنقيح حديثة للتواريخ الفلسطينية، ولبعض الانتقادات الإسرائيلية للجغرافيا  التاريخية الصهيونية، ولأرشيف وثائق من مرحلة ما قبل الانتداب، وسجلات عسكرية، ومذكرات شخصيات سياسية أساسية؛ نجد أنها كلها تعبر عن امتيازات معيارية تقفز فوق تجارب الناس المدنيين العاديين،[5]  وفي كلتا الحالتين، يتم استبعاد التواريخ والرواية الشفوية على أساس أنها أقرب لأن تكون غير دقيقة.[6] ولكن هذا الخطاب عن الموضوعية التاريخية فشل في الاعتراف بأن التاريخ نفسه، وبصورة حاسمة، عبارة عن رواية منتشرة ومصنوعة، كما  في التعبير المثير للعاطفة لـ "جان فرانسوا" في "غيوم القصص".[7]

إن الاهتمام المتنامي بالروايات التاريخية الشفوية عن النكبة، من قبل باحثين ومؤسسات تمثل مصالح واهتمامات اللاجئين وشبكات عالمية للناشطين، كما تعكس الوعي بالحاجة لتسجيل روايات شهود العيان على هذه الأحداث قبل فوات الأوان؛ ويجب أن يفهم ذلك أنه مرتبط بالسياسة وبالبعد الزمني. فخلال العقد الأخير، اشتدت المعركة حول تفسير النكبة الفلسطينية بين المثقفين والناشطين الداعين إلى المزيد من البحث في المأساة الإنسانية التي حدثت في عام 1948 من منظور أكثر أخلاقية، وبين المثقفين التقليديين الصهاينة الذي يواصلون تصوير وقائع عام 1948 بعبارات "السياسة الواقعية".[8]

ولكن انهيار عملية أوسلو للسلام، اندلاع انتفاضة الأقصى، واستمرار التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية، ومبادرات السلام الأخيرة التي لم تعترف بأي مفهوم حقيقي  وشامل لحق العودة؛ كل ذلك ابرز المعضلات  التاريخية، وأهمية إدراك ضرورة الربط  بين الرواية الفلسطينية وبين السؤال حول المسئولية عن عمليات التهجير عام 1948.

إن الاهتمام المتجدد بالشهادة الشفوية- في لحظة محددة جدا وفي أوقات معينة- يكون عندما تبدو "فلسطين" كدلالة تاريخية مهددة بفقدان هذه الدلالة؛ وهكذا تبدو العملية بمثابة استرجاع للتاريخ، ومتطلعة للمستقبل في نفس الوقت؛ فهي تنظر للخلف إلى نكبة عام 1948، وتنظر للأمام نحو إمكانية المزيد من الوقاية من أحداث مستقبلية محتملة.[9] وفي بلوغ الشهادة الشفوية كطريق للاعتراف بماض عنيف، والدعوة للعلاج والإنصاف، أو الوقاية من المعاناة في  المستقبل، نحن بحاجة للانتباه للطرق التي تقوم من خلالها المنفعة السياسية بإعادة تشكيل الماضي، والتي يمكنها أن تحجب ميزات هامة؛ فعلى سبل المثال: هناك افتراض بأن اللاجئين من أجيال مختلفة، ومع الاختلاف الواسع في التجارب، يواصلون الانتساب لفلسطين على طريقة آبائهم وأجدادهم؛ والحقيقة أنهم  ربما يتحدثون أكثر مع مشاركتنا الوجدانية كمثقفين وناشطين متضامنين مع الأهداف الوطنية الفلسطينية ومع حقوق اللاجئين، أكثر من حديثهم عن الواقع التجريبي.

كنت أعمل منذ العام 2002 في مخيمات اللاجئين في  لبنان، في مشروع أرشيفي لتسجيل شهادات مصورة في أفلام مع جيل اللاجئين الأول  وتجاربهم مع التهجير، وتمت إدارة أرشيف النكبة بالتعاون بيني وبين الزميل محمود زيدان (مجموعة عائدون)، وتم توجيهه في مخيمات لبنان الإثني عشر، وكذلك في تجمعات اللاجئين غير المسجلين، ويضم الأرشيف حوالي 500 فيلم تحتوي على تسجيلات للاجئين من 132 قرية.[10]  والطريقة الانتقائية التي تم بها تذكر أو نسيان  أحداث عام 1948 في سياق مقابلاتنا جلبت إلى مركز الاهتمام  التجارب السكنية لأجيال متعددة من اللاجئين؛ سواء بالصمت أو عدم وصفها من خلال هذا التاريخ الوطني؛ وقد أصبح واضحا الانجذاب باتجاه الوصف المجازي الوطني الذي يجهد الذاكرة الشخصية؛ حيث تسقط القصص الفردية  متجهة داخل وخارج عملية استطراد منحازة أو مرتبطة بالأهداف الوطنية، وتلقي الضوء على الظروف العارضة وعملية صناعة  التاريخ من رحم المجتمع الفلسطيني في لبنان.

وكما أنشأ المؤرخ الشفوي، "اليزاندرو بورتلي"، أن المنفعة من الحكايات الشفوية للناس "ليست موجودة كثيرا في قدرتهم على الحفاظ على الماضي كما ترد في التغييرات الكثيرة والمنمقة جدا من قبل الذاكرة؛ ولكن هذه التغييرات تتيح  لجهود  الرواة في البوح بما لديهم أن يجدوا معنى للماضي ولإعطاء شكلا لحياتهم..."[11]

وفي سياق الحديث مع كبار السن وعائلاتهم؛ غالبا ما برزت فلسطين ما قبل عام 1948 أو أحداث التهجير، على شكل ذكريات قصصية ماضية أكثر من ظهورها كرواية تاريخية متماسكة؛ وفي إحدى الفرص، أشعلت نكهة الزعتر سلسلة من الذكريات المتداخلة، أخذت أم صالح في البداية إلى الجش وذكريات قطف الزعتر في الجبال مع جدتها؛ ذلك قبل أن تتحول فجأة إلى زيارتها الأخيرة لشقيقتها في مخيم "عين الحلوة" حيث شاهدت العائلات وهي تدق زعترها الخاص. وهذا النسيج غير المنتظم للأحداث والأماكن، يقترح رفض الحياكة الجزئية للذكريات في إطار مخطط  تفسيري؛ ولكن قيمة هذه الذكريات الماضية الممزقة قد تكون في قدرتها على إيجاد شهادات مزدوجة ومكررة، لا تنقل التفاصيل التاريخية فحسب، بل  الآثار التحطيمية التي خلفها هذا التاريخ على حياة اؤلئك الذين عاشوه.[12] وفي حالة عائلة أعرفها في مخيم "شاتيلا"؛ كان الجد ينشط  "ذاكرة الخرائط" لديه حيث يتذكر  قريته "الصفصاف" مشيرا إلى أماكن الآبار، المساجد، المدرسة وبيوت العائلات الأساسية.

هذه الحكايات مع إستراتيجية لانجازها على الطريقة التي يظهر بها التاريخ، هي عملية فعالة لبناء معنى للتاريخ أكثر من المخلفات السلبية للحقائق؛ وبوضوح إنها تسجل تاريخا آخر، أنها تصف الوسائل التي بواسطتها تصبح السيرة الذاتية للفرد سياقا اجتماعيا وماضيا عاما.

هذه لحظة فريدة من زوايا متعددة من أجل دراسة وتشكيل ونقل الروايات الفلسطينية في المنفى؛ وخاصة مع التضاؤل المتواصل لعدد الأفراد من جيل نكبة عام 1948، كما يوجد قيمة ثقافية متزايدة باستمرار لرواياتهم، في مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في الشتات. والشعور بإلحاحية هذا العمل هي حقا مضاعفة، وكنت قد أشرت إلى أن هذه الروايات يجب أن لا تعتبر جامدة، بل متلونة ومتقلبة وتتم عملية إعادة تعريفها وتوضيحها كما هي خلال الممارسة الثقافية في الحاضر. وفي ضوء ذلك،  فإن المدهش جدا حول الفلسطينيين في لبنان هو أن الشعور بتصعيد المطالب من الماضي نابع من حاضر ملح بصورة متزايدة. إن تجميع وتنظيم ماض مؤلم؛ أصبح يعاد تنقيته بصورة دائمة، من خلال عدسات غير مستقرة أساسا في الوضع الراهن. وبعبارة أخرى، إن سياق الرواية هو الذي يعطي معان لهذه القصص والحكايات، ويشتمل على الحاجة ليس فقط للشعور بإحياء الماضي، ولكن أيضا، لمحاولة الإمساك ب وإعطاء شكل لحاضر ومستقبل غير واضحين وقريبي الحدوث.

_________________________

ديانا ك. آلان: هي المديرة المساعدة لمشروع أرشيف النكبة ومديرة "عدسات على لبنان"، وهي مجموعة إعلامية شعبية تعمل على توثيق الآثار بعيدة المدى للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ديان علان هي مرشحة لنيل شهادة الدكتوراة في الأنثروبولوجيا والفيلم (علم الإنسان) في جامعة هارفارد.ولها عدد من المؤلفات البحثية والأفلام الوثائقية حول النكبة.

[1] أنظر:

 Elias Sanbar, ‘Out of Place, Out of Time,’ Mediterranean Historical Review, vol 16, 2001, pp 87-94.

[2]  انظر:

 Rosemary Sayigh, “The History of the Palestinian Oral history: Individual vitality and Institutional  Paralysis,” in Al-Jana, 2002, p4.

[3] من الدارسين البارزين الذين قاموا بتطوير  التاريخ الشفوي في إطار الدراسات الفلسطينية، هم: روزماري صايغ، رندة فرح، صالح عبد الجواد، سونيا النمر، شريف كناعنة، عادل يحيى، مي سيكلي وسليم تماري.

[4] على سبيل المثال، يلاحظ تيد سويدينبيرغ في دراسته لحركات المقاومة الفلاحية ما قبل عام 1948؛ كيف يظهر التاريخ الوطني لامعا فوق الانقسامات الطبقية والإقليمية في أوساط المجتمع الفلاحي من خلال الاعتماد على  صدارة النخبة المتعلمة (طبقة الأفندية)، وفيما بعد على القيادة الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية. أنظر:

Ted Swedenburg, ‘Popular Memory and the:  Palestinian National Past’, in Golden Ages, Dark Ages, eds. Jay O’Brien and William Roseberry, University of California Press: 1991, p167.

5 يخبرنا بأنه حتى في أعمال منقحي التاريخ التي تبحث عن السؤال الناشئ من مطالعة الهوية والتاريخ الفلسطيني، مثل هؤلاء رشيد الخالدي  في "الهوية الفلسطينية" (1997)، أو الأكثر حداثة:

Eugene Rogan and Avi Shlaim’s edited volume, The War for Palestine: Rewriting the History of 1948, no oral histories are cited.

[6] : انظر: Benny Morris in The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947-1949 (1997)

[7]ـ Jean-François Lyotard, Instructions païennes, Paris, 1977, p39

[8] كثافة الجدل حول نكبة عام 1948 والارتباط الجلي للتاريخ مع الأحداث السياسية الجارية تم إيضاحه بجلاء في الصراع الذي نشطته أطروحة تيدي كاتس حول مجزرة الطنطورة، والفعل المنظم الذي أتخذ ضد مرشده، د. إيلان بابيه، في جامعة حيفا بين شهري كانون أول 2000 وتشرين ثاني 2001؛ وأيضا من خلال ارتداد بيني موريس في عام (2002) عن موقفه السابق بشأن حرب عام 1948 في "تغيير في القلب" الذي نشر في صحيفة الجارديان البريطانية، في 21 شباط 2002، ورد د. آفي شلايم المنشور في نفس الصحيفة في اليوم التالي.

[9] في ورشة عمل حديثة قادتها د. كرمة نابلسي، حول أهمية التاريخ الشفوي في السياق الفلسطيني؛ ربطت بوضوح بين أهميتين: ترى أن التاريخ الشفوي يمكن أن يوفر أساسا لـ "مطالب استعادة حقوق ضحايا التطهير العرقي خلال النكبة، كما يوفر أساسا لتنظيم حملات ضد أخطار مماثلة.

 Karma Nabulsi, “Draft Summary of Workshop on Oral History, Nuffield, September 15/16th, 2002.”

[10] للمزيد من المعلومات عن هذا المشروع يرجى زيارة الموقع الالكتروني: www.nakba-archive.org.  

 .[11]انظر: Alessandro Portelli, op, cit, p52

[12]  انظر:

 For more on this notion of doubling of witness see Samera Esmeir’s article “!948: Law, History,  Memory,” in Social Text 21.2 (2003).