التاريخ الشفوي الفلسطيني: الذاكرة، الأهمية والاحتياجات

التاريخ الشفوي الفلسطيني: الذاكرة، الأهمية والاحتياجات

بقلم:د. محمود عيسى

التاريخ الشفوي: من التقاليد الإسلامية إلى الطرق الحديثة

كان التاريخ الشفوي، وسيبقى أحد أهم مصادر تصوراتنا وفهمنا لمختلف الحقائق الاجتماعية والتاريخية في وقت محدد من مرحلة معينة. ويمكن القول بوضوح: أن التاريخ الشفوي قديم قدم التاريخ نفسه، وخاصة قبل اختراع الكتابة كوسيلة للاتصال، وبعد ذلك، كمصدر رئيسي للتوثيق. في السنوات الأخيرة من القرن السابع الميلادي، وما تلاها؛ سيطر جدل عظيم على النقاشات المتعلقة بمدى أصالة وصحة تفسير وتأويل الأحاديث النبوية المجموعة (الأحاديث الشفوية المجموعة المروية عن النبي محمد ص)، وعن سيرة، وتأويلات، واحاديث شفوية وردت على لسان الشخصيات الهامة الأخرى، من صحابة النبي الذين رافقوه في دعوته النبوية. وتمت عملية إعادة جمع الأحاديث الشفوية للرسول (ص) من مصادر شفوية مسندة للصحابة.  وبسبب مرور  فترة طويلة من الزمن، بين فترة حياة النبي (ص) والفترة التي بدأت فيها عملية جمع الحديث ونسخه؛ فقد برز إلى السطح سؤال جدي وخطير؛ يتعلق بمدى دقة وأصالة الروايات  التي تم جمعها. وقضى المفكرون من أهل العلم، العرب والمسلمين سنوات طويلة، في عمليات تحقيق وتحليل ومقارنة تلك الروايات المجموعة، حتى تم الوصول لما أعتقد أنه الصيغة النهائية المضبوطة لكلام النبي (ص)، والتي سميت لاحقا بالأحاديث الصحيحة أو السنة المؤكدة.

 وكان البخاري[1]، المؤرخ العربي الإسلامي، من أبرز الشخصيات وأكثرها شهرة، بين أهل العلم في تلك الفترة الكلاسيكية؛ حيث قام الإمام البخاري بالاستجابة للتحدي المطروح حول مدى أصالة وصحة مئات، بل آلاف الروايات للحديث، والتي تمت روايتها من قبل أشخاص مختلفين بعد وفاة النبي (ص) بفترة طويلة. وقد أمضى سنوات طويلة في عمليات الجمع والتحليل والتحقيق والمقارنة، إلى أن توصل إلى خفض أعداد الأحاديث النبوية إلى أقل من ثلثي تلك الروايات التي تم جمعها من قبل العديدين (أي أنه اعتمد فقط الروايات والأحاديث الصحيحة بموجب طريقة البحث المستخدمة). تلك العملية من التحليل والتحقيق والمقارنة أظهرت لنا في هذه الأيام، ذلك المستوى العلمي الرفيع،  وطريقة البحث العلمية جدا التي استخدمها أسلافنا في معالجة وعرض النسخة الأكثر أصالة للراويات الشفوية عن الرسول (ص) وصحابته. ففي حالات عديدة سافر البخاري مئات الأميال راكبا جوداه؛ من أجل الاستماع لشخص معين، كان آخرون قد أوصوا به، كمصدر موثوق يعول عليه في تذكر أحاديث النبي (ص). ويمكن القول أن البخاري كان من الرواد العرب المسلمين؛ في تأسيسه لطريقة وأسلوب العمل الأفضل، والمناسب لتحقيق الروايات الشفوية والتاريخية قبل كتابتها واعتمادها كمصادر للتوثيق.

ومع اختراع وتقدم الطباعة، اتخذت الوثائق المكتوبة مصداقيتها، وقد اتخذ الاستشهاد بها، غالبا، مدلولا دينيا في مدى تصديق معقوليتها، وأصالتها كمصدر حيوي وموثوق للتاريخ. ولكن في السنوات الأخيرة، ومع تطور دراسات ثقافة الاستعمار والثقافات البديلة؛ بدأت تطرح علامات استفهام حول مدى صحة استخدام الوثائق المكتوبة كمصدر وحيد لاستعادة الأحداث التاريخية. وقد بدأ مؤرخو "ما بعد الحداثة" يتساءلون حول  "موضوعية" "الحدث"، وعن مدى تأثير "الذات" عند تسجيل وكتابة الرواية عن الحدث "الموضوعي" . وأخيرا، نحن ملزمون بالإجابة على السؤال الأساس: من يصنع التاريخ؟ وماذا عن تجارب وروايات الناس الأميين، "المهمشين"، المستعمَرين والمضطهَدين. وهل تعتبر هذه القوى مشمولة كجزء من تاريخنا الحديث؟ وما هي أفضل الطرق لكتابة وحفظ روايتهم لتواريخهم؟

لا شك في أن "الذاتية" والميول الشخصية، لأولئك الذين في موقع القوة والسلطة، تتدخلان في عرض روايتهم للحقائق، بل ويضعان فكرة "الموضوعية الكاملة" في بحر من الشكوك. ومؤخرا فقط، بدأ التاريخ الشفوي يؤسس لنفسه، كأحد الفروع المستقلة للمعرفة، مع نظرياته وطرق البحث الخاصة به؛ وخاصة عندما لاحظ الناس عدم كفاية الطرق التقليدية في بحث التاريخ.

ففي شهر تشرين ثاني من عام 2003، وخلال زيارة لجنوب أفريقيا، من أجل دراسة ماذا فعلت جنوب أفريقيا في موضوع استعادة الأراضي والأملاك، في عشر سنوات ما بعد نظام الفصل العنصري "الأبارتهايد"؛ أخبرنا السيد توزي غوانيا مفوض هيئة الأراضي في العاصمة بريتوريا، بأنهم سيستخدمون تقنية التاريخ الشفوي، من أجل تحديد أراضي "السود" (السكان الأصليين) الذين لم يكونوا يملكون وثائق مكتوبة أو سجلات لأراضيهم المصادرة؛ التاريخ الشفوي مع طرق أخرى مثل شجرة النسل للعائلة، ويوميات وحكايات أسلافهم.

التاريخ الشفوي لفلسطين الريفية

 


إن عملية استخدام التاريخ الشفوي تعتبر قضية أساسية وأكثر حيوية، عندما يدور الحديث عن الجغرافيا- التاريخية الفلسطينية، وتحديدا لوجود نقص هائل في المعلومات المتعلقة بالجغرافيا والتاريخ الماضي والحديث، وعلى وجه الخصوص؛ بسبب الخطاب القوي والمسيطر للحركة الصهيونية، التي نجحت، وعلى نطاق واسع، في طمس وتهميش رواية الشعب الأصلي وحكايته. الجانب الغائب هو بالتحديد، عملية تسجيل التاريخ مباشرة من أصواته الأصلية أو  بلغة أكاديمية استقائه من "الفاعل الأصلي".

تكتب على الدوام المئات، إذا لم يكن الآلاف من الكتب، من أجل تحليل الوضع الفلسطيني من جميع جوانبه تقريبا: التاريخية، الاجتماعية، الاقتصادية، النفسية والسياسية...الخ؛ ولكن يوجد جانب أساسي،حاسم وخطير، لا زال غائبا حتى الآن، مع بعض الاستثناءات التي سأشير إليها لاحقا، وهذا الجانب الغائب هو بالتحديد، عملية تسجيل التاريخ مباشرة من أصواته الأصلية أو  بلغة أكاديمية استقائه من "الفاعل الأصلي". فغالبية الشعب الفلسطيني من الفلاحين الذين عاشوا جميع جوانب الحياة الحقيقية، سواء في الحياة اليومية، في حقولهم وبيوتهم، أو في الحرب التي فرضت عليهم من قبل قوى خارجية، غائبون من وثائق التاريخ، أو بالنسبة للسلطات: "الغائبون الحاضرون"؛ ليس فقط الرجال، بل الأصوات النسائية غائبة أيضا؛ مهملة ومهمشة بطرق عدة، بالرغم من كونهن نصف المجتمع. ان حكاية المهمَلين، المهمَشين، المستبعَدين تكاد تكون غائبة تماما من تاريخنا وجغرافيتنا. وحتى الآن لدينا فقط التوثيق  الفلسطيني الرسمي، والرواية الإسرائيلية للأحداث. ولكن السؤال الذي لا يزال يفرض نفسه حتى الآن هو: لماذا لم ينجز الفلسطينيون المهمة الرئيسية لكتابة تاريخهم الخاص، وأحاديثهم وروايتهم بأنفسهم مباشرة، وليس بالطريقة غير المباشرة، والتي تطرح غالبا بصورة انتقائية من قبل آخرين؟

هل يعود ذلك لأسباب تتعلق بانتشار الأمية في أوساط سكان الريف الفلسطينيين إلى جانب أسباب أخرى؟ لا أتفق مع هذا التفسير من حيث المبدأ؛ ولكن، لنفترض جدلا أن هذا صحيح! بعد ذلك، يجب أن نسأل أنفسنا: أين كان مثقفونا وثوريونا؟ وكيف ولماذا كتب المثقفون الفيتناميون والصينيون كتبا عن مشاركة الفلاحين الفيتناميين والصينيين في ثوراتهم؟؟  وكيف ولماذا لم يفعل المثقفون الفلسطينيون ذلك؟

والسؤال الأولي الأساسي الذي تتوجب إجابته هو: هل نريد فعلا أن نعرف تاريخنا الحديث أم لا؟ والسؤال الثاني: هل نحن مؤمنون ومقتنعون بتعريف جديد للحضارة والثقافة والتاريخ، بعيدا عن أفكار النخبة ورؤيتهم وروايتهم للتاريخ؟

فبعد ثمان وخمسين عاما من الاقتلاع والمنافي، في واحدة من أكبر عمليات التطهير العرقي في الأزمنة الحديثة، لا زال لدينا أقل من أربعين كتابا عن القرى الفلسطينية المدمرة، في حين أن البقية عديدة جدا: حوالي 531 وفقا لأحد المراجع. يذكر هنا انه ولمدة خمسين عاما تبنى أكاديميونا الرقم 418 للقرى المدمرة خلال وبعد حرب 1948، حتى خرج أبو ستة[2] ومصادر إسرائيلية أخرى بخارطة موثقة جيدا تظهر 531 محلية وتجمعا سكانيا، بما في ذلك المضارب والخرب في صحراء النقب. والشكر لغسان الشهابي على مشاركته الشخصية، الذي أخذ على عاتقه  نشر أكثر من عشرة كتب عن القرى المهدمة: دار الشجرة- دمشق. ويمكن أن يكون هناك المزيد التي تنتظر مكانها في التاريخ الحديث.

وعند الأخذ بالاعتبار الضياع الهائل للوثائق بسبب الاقتلاع المفاجئ للسكان من بيوتهم وأراضيهم؛ يوجد طريقة واحدة فقط لجسر هذه الفجوة: تسجيل حياة الجيل السابق لحرب 1948،  من خلال طرق وأساليب التاريخ الشفوي وبالسرعة الممكنة. فوفقا للتقدير الأخير لأحد الديموغرافيين الفلسطينيين: فإن عدد الفلسطينيين الأحياء فوق سن الـ 68 سنة، يشكلون فقط ما بين 3.3 -3.9% من مجموع السكان، وهذا يجعل العدد  حوالي 210,000 (بتعداد فلسطين والدول العربية المضيفة للاجئين فقط، كما كتبت روزماري صايغ، مركزة  في افتتاحيتها لمجلة الجنى،[3] بصورة كلية على قضية التاريخ الشفوي الفلسطيني).

وبالرغم من أنه خلال الممارسة فقط؛ يستطيع المرء أن يراقب بدقة عملية التسجيل والتحرير اللاحق وإعداد الاسطوانات المصورة  للمقابلات؛ توجد حاجة ملحة لتدريب أشخاص على هذه الطريقة الجديدة. وهكذا مشروع، يحتاج إلى جهة تتبناه مثل: جامعة أو مؤسسة من أجل تدريب القلة المهتمة باستكمال هذا العمل. والقرى المدمرة هي فقط أحد العناوين المحتملة، وهناك العشرات، إذا لم تكن المئات من المشاريع؛ التي يمكنها إزالة الغطاء عن أحداث تاريخية قريبة لا زالت ملقاة في الظلام.[4] ومثلما أن تاريخنا الحديث لم يكتب  كما ينبغي، ستستمر الأخطاء على ذات المنوال، وعملية تقديم/تمثيل الشعب الفلسطيني لن تكون أبدا كما ينبغي أن تكون.

تشكل تجربة غسان الشهابي، في دار الشجرة في مخيم اليرموك مثالا جيدا لقرويين فلسطينيين ينشرون كتبا بأنفسهم عن تجاربهم الخاصة. فقد نشر الشهابي كتابا عن "الطنطورة" قبل أن يكتب "تيدي كاتس" دراسته عن المجزرة.[5] ولأن كتاب الشهابي بالعربية؛ لم يعرف أحد عنه، بينما أصبحت دراسة "كاتس" مشهورة، أصبحت دراسة "كاتس" مشهورة، حتى بالرغم من تراجعه لاحقا عن اتهاماته ضد الجيش الإسرائيلي.، علما أن "تيدي كاتس"، أكد لي في آخر مرة قابلته فيها في القدس، بأنه سوف يواصل ادعاءاته حول المجزرة التي ارتكبت في "الطنطورة".

لا يوافق الناس دوما على هذه أو تلك من الروايات لنفس القصة أو الحدث؛ وسأقدم مثالا على ذلك: كتب إبراهيم الشهابي كتابا عن "لوبيا"؛ مما استثار وحرك رجلا آخر من عائلة أخرى من ذات القرية؛ هو يوسف أبو دحيس، لكتابة كتاب آخر عن القرية نفسها؛ لأنه اعتقد أن كتاب إبراهيم كان غير مكتمل. وأعتقد أن هذا الأمر طبيعي، وعلامة ايجابية. أيضا، نستطيع معالجة هذه المشكلة من خلال الدفع باتجاه تشكيل لجنة مختصة ومؤهلة للمساعدة والتنسيق، ومن أجل دعم مشاريع مستقبلية، ولتصنيف وأرشفة ما تم نشره بالفعل حتى الآن.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى؛ أن معظم وثائقنا الحديثة موجودة في الأرشيف الصهيوني، وأرشيف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (UNRWA)، وأرشيف لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين (UNCCP). والسؤال سيبقى مفتوحا: متى نستعيد تاريخنا؟ وهل يمكن أن تكون هذه وظيفة أعضاء ولجان ائتلاف حق العودة؟ أم ستكون مهمة لمؤسسة تختص بالتاريخ الشفوي؟ أم تقوم بذلك جامعة فلسطينية معروفة جيدا؟

لقد فعل المؤرخون الإسرائيليون الجدد الكثير لإماطة اللثام عن سياسات التطهير العرقي في الرواية الإسرائيلية المتعاقبة/المتوارثة؛ ولكن بقية العمل في صفوف الفلسطينيين لا زال ينتظر الفلسطينيين انفسهم لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني الحديث، الذي لم يكتب بعد!

______________________

 د. محمود عيسى هو باحث متخصص بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وناشط في ميدان الدفاع عن حقوقهم.


 هوامـــش

[1] البخاري: هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، ولد في بخارى سنة 194هـ، وتوفي سنة 256 هـ. ويعتبر أبرز أهل العلم في ذلك العصر، حيث قام بجمع السنة النبوية وتحقيقها من حيث السند والنص، والشهير بـ "صحيح البخاري".

[2] أبو ستة، سلمان: سجل النكبة 1948 (بالعربية)، لندن: مركز العودة الفلسطيني، 1998.

[3] الجنى، المركز العربي لمصادر الفنون الشعبية، بيروت، لبنان، 2002.

[4] هذا المشروع للقرية المهدمة سيستمر في السنوات القادمة، مع عرض لمتحف يحتوي على جميع الوثائق، والاسطوانات المصورة لحوالي 700 مقابلة، صور فوتوغرافية، ونموذج لقرية لوبيا قبل تدميرها عام 1948، هذا العرض سيتنقل من مدينة لأخرى والى متاحف أخرى في أوروبا، مع الأمل بنقله إلى فلسطين في نهاية المطاف. آخرون من نفس القرية أو نفس المنطقة سوف تتم دعوتهم للمساهمة في المعرض عندما يصل إلى مدينتهم. وهذا مشروع تثقيفي لطلبة الجامعات، وللناس الذين يهتمون بحضارتنا، وللفلسطينيين الذين ولدوا بعد نكبة 1948؛ من اجل يعرفوا أصولهم وجذورهم.