طباعة

الوكســـة.. مـــا بعــد النكبــة والنكســة

الوكســـة.. مـــا بعــد النكبــة والنكســة

بقلم:عبــد الفتــاح القلقيلـــي

كان ذلك عشية "النكسة" (1967) حين طلب مني أحد الظرفاء الأصدقاء، وهو يبكي، أن أوظف معرفتي اللغوية في تحضير مصطلح للهزيمة القادمة. لقد قال صديقي آنذاك: لقد كانت هزيمة عام 1948 "نكبة"، وهزيمة عام 1967 "نكسة"، فهل في المعجم العربي متسع لمزيد من المصطلحات الصالحة للهزيمة القادمة؟!!
قلتُ، وعيناي مغرورقتان بالدمع: ستكون "وَكْسة"، وبعدها "عَفسة"

اختلطَ نحيبُ صديقي بضحكه، حتي شرب دمعَه...

النكبة في اللغة هي المصيبة إذا كانت قوية وشاملة، لانها اسم مرة من نَكَبََ؛ ونقول نكبَ الإناءَ إذا أراقَ ما فيه؛ وكانت هزيمة عام 1948 جديرة أن تُعتبر "نكبة" لانها أراقت ما في فلسطين من شعب وخير. والنكسة في اللغة هي عودة المرض للمريض بعد أن كاد يُشفى، أو هي طأطأة الرأس خجلا؛ وكانت هزيمة عام 1967 "نكسة" بكلا المعنيين المذكورين آنفا.
 

 
وتقول القواميس العربية "وُكِسَ" التاجر في تجارته أو أصابته وكسة أي خسر في تجارته خسارة فادحة فذهب ماله. وأي تجارة أكثر خسارة من تجارة العرب بقادة فرديين شبه دائمين على صعيد الأقطار والأحزاب وحتى الجمعيات "الخيرية"؟!! وأي تجارة أبشع خسارة من تجارة العرب بجيوش غير مُعَدَة إلا لقمع مواطنيها وحماية عروش مما جعلها تستحق اسم "جيوش العروش" سواء في الممالك أو المماليك؟!! وأي تجارة أسخف خسارة من تجارة العرب بشعارات لا رصيد لها، لا تسمن ولا تغني من جوع؟!!

هذا فيما يخص "وُكسَ"، أما "الوكس" فهو (في علم الفلك) دخول القمر في نجم مكروه، فتقول العربُ "هذه ليلة الوكس" أي ليلة دخول القمر في نجم منحوس. وأي ليلة أكثر نحساً من تلك الليلة، ليلة "حفر الباطن"، ليلة تكأكؤ أقوى الجيوش العربية تحت إبط الجيش الامريكي على "ذي جِنّة" في منتصف "الفاتح من عام 1991".

و"الوكس" أيضاً هو "القيح" الذي يبقى داخل الجرح ويلتئم الجرحُ عليه، فتقول العرب للتعبير عن ذلك "برأ الجرح على وكس". وأي "قيح" أكثر عفونة من ذلك القيح الذي برأ عليه جرح حرب الخليج الثانية كما يسميها البعض، وحرب غزو الكويت وتحريرها كما يسميها آخرون، وحرب "حفر الباطن" كما يسميها فصيل ثالث؟!! وكان مؤتمر مدريد في اكتوبر من ذات العام هو الضماد القذر للجرح العربي الموكوس. أي أن مدريد كانت "وكسة".

ولم يتوقف الانحدار عند الوكسة، بل وصل خلال العام المنصرم الى "العفسة"، والعفسة هي الواحدة من عَفَسٍ، وعَفَسَه صرعه ووطأه وألزقه بالتراب؛ وما حصل في غزة، ألم يكن "عفسة"؟!!!

وسئل محمد عابد الجابري عام 1979 (إثر كامب ديفد) أن يقول شيئا في هذه الاوضاع غير الطبيعية، فأجاب: لا أرى أوضاعاً غير طبيعية، فكل ما أراه طبيعي. لأن الوضع يكون غير طبيعي إذا كانت النتائج لا تتساوق مع المقدمات، أما إذا كانت النتائج متناسبة مع مقدماتها فالوضع طبيعي، سواء كان مقبولاً أو مرفوضاً، وسواء كان حسناً أو سيئاً!!

 "النكبة" كانت مقدمة و"النكسة" نتيجة، و"النكسة" كانت مقدمة و"الوكسة" نتيجة، و"الوكسة" كانت مقدمة و"العفسة" كانت نتيجة...

إذا، النكبة ما زالت مستمرة. من المؤكد ان اللاجئين هُجّروا، بشكل مباشر أو غير مباشر، بسبب الحرب العربية الصهيونية عام 1948. ولكن بعد ان تبلورت القضية الفلسطينية تداخلت الاسباب بالنتائج بحيث صار الخلط: هل مشكلة اللاجئين هي سبب القضية الفلسطينية ام أنها نتيجة لها؟ أي، هل حلّ قضية اللاجئين يؤدي الى حل القضية الفلسطينية ام العكس؟ وتطور هذا التعقيد لينتقل من الاعتقاد السائد بأن حل مشكلة اللاجئين هو مفتاح "السلام"، ولا سلام بدونه، الى الوهم بان "السلام" هو مفتاح حل مشكلة اللاجئين ولا حل لها بدونه.

مما لا شك فيه أن الحروب غالبا ما يترتب عليها مشكلة لاجئين. والتسويات التي تُنهي الحروب تشمل بالطبع حل مشكلة اللاجئين. وفي الحروب التي نعرفها، كانت تلك المشكلة ثانوية عند فض النزاعات الا مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. فبعد ثلاث وخمسين عاما يرى السوسيولوجي الفلسطيني ساري حنفي ان موضوع اللاجئين الفلسطينيين وعودتهم هو من أكثر المواضيع سخونة، وسخونته هذه جعلته موضوعا تطلبُ اسرائيلُ تاجيلَ بحثه (حنفي 2001: 15).

وتعنّتُ اسرائيل في هذا الموضوع عائد لكون الحركة الصهيونية حركة عنصرية استعمارية طردية احلالية، لا تحبّذ بقاء المواطنين الاصليين فوق الارض المحتلة ولا حتى كخدم كما فعل الاستعمار الابيض في كل من روديسيا وجنوب افريقيا.

ويعتبر المؤرخ الاسرائيلي "بيني موريس" في كتابه "كريستاليزيشن" قرية "حوج" في النقب الشمالي بالقرب من كيبوتس "دوروث" رمزا للسياسة الصهيونية تجاه أرض الفلسطينيين. فقد حصل على معلومات دقيقة من الوثائق العسكرية في حينه تفيد بأن سكان هذه القرية تعاونوا مع سكان الكيبوتس عام 1941 فقدّموا المأكل والملبس لجموع اليهود الذين تدفقوا من أوروبا. وفي عام 1946 قدّموا المأوى لليهود المطاردين من السلطات الانجليزية، كما أخذوا الطعام لليهود الذين اعتقلوا آنذاك. ولكن القوات الصهيونية المسلحة أجْلت سكان القرية في أيار 1948 عن قريتهم الى مكان يسمى "دِمرا".

وفي ايلول من نفس العام تقدم سكان القرية بعريضة الى السلطات الاسرائيلية يطالبون بالسماح لهم بالعودة الى قريتهم. وأحيلت العريضة من دائرة الشرق الأوسط الى القيادة العسكرية مع التوصية التالية من يعقوب شمعوني رئيس دائرة الشرق الاوسط، يقول فيها: "ينبغي أن يلقى سكان "حوج" معاملة خاصة لأنهم كانوا "موالين ومتعاونين" مع اليهود، كما أنهم طُردوا من قبل القوات المسلحة، ولم يهربوا بمحض إرادتهم، وهم ما زالوا يعيشون على مقربة من قريتهم". وفي 26 أيلول 1948 رد وزير الاقليات باخور شالوم شطريت على رسالة شمعوني محذرا بأن "مثل هذه الخطوة قد يصبح من الممكن تعميمها، وبذلك نفتح الأمل أمام الفلسطينيين ليعودوا الى مواطنهم الأصلية داخل حدود اسرائيل". وحتى إعداد بني موريس لكتابه (1986)، ما زال سكان حوج لاجئين داخل اسرائيل رغم "موالاتهم وتعاونهم" (ليليو باسّو 2001 : 58 ). ونؤكد من طرفنا أنهم ما زالوا كذلك حتى يومنا هذا.

ويذكر دافيد بن غوريون في مذكراته يوم 14 تموز 1949، ان آبا إيبان نصحه بأن لا يلهث وراء السلام، وتكفي اتفاقات الهدنة "لأننا اذا ركضنا وراء السلام فإن العرب سيطالبوننا بالثمن، والثمن هو تحديد الحدود أو عودة اللاجئين أو الإثنين معا" (ليليو باسّو 2001 : 63).

إما إصرار كافة الفصائل الفلسطينية على حق العودة وتعنتها في هذا المجال، فلعله عائد الى أن الغالبية العظمى من المناضلين الفلسطينيين هم من اللاجئين، وكذلك معظم قيادات الصف الأول في المنظمات الفلسطينية والسلطة الوطنية وأجهزتها الأمنية. وإذا تجاوزنا المراتب التنظيمية باتجاه القاعدة الشعبية نجد أن نسبة اللاجئين في الشعب الفلسطيني هي 63،5 % (سلمان ابو ستة، سجل النكبة: القرى والمدن التي احتلت وطُرد اهلها أثناء الغزو الصهيوني- خارطة تم توزيعها من قبل مركز العودة الفلسطيني، لندن 1998). وإذا أضفنا النازحين الذين ما زالوا محرومين من حق العودة أو (على الأقل) من الإقامة في مناطق السلطة الوطنية واعتبرناهم لاجئين، فإن نسبة اللاجئين تتجاوز 75% من مجمل تعداد الشعب الفلسطيني. وهذه أعلى نسبة لاجئين في أي ثورة معاصرة من الجزائر الى جنوب أفريقيا.

دون الخوض في مصطلحي "اللجوء و الشتات" الذي أثارهما ساري حنفي، فقد أقرت مجموعة الرواة الذين قابلهم الباحثون من "المؤسسة الفلسطينية للتبادل الثقافي" بالفروق القائمة بين فئات اللاجئين المختلفة، خاصة لاجئي المخيمات واللاجئين خارجها، وبين اللاجئين على الأراضي الفلسطينية واللاجئين خارجها، إلا أنهم "رفضوا جميعا منطق البحث عن حلول منفردة لكل فئة على حدة"، على اعتبار ان المشكلة هي مشكلة سياسية، والفروق الاقتصادية والاجتماعية لا تبرر الحديث عن حلول فردية ( يحيى 1998 :23).

يبدو أن التهجير أصبح من الخصائص الفلسطينية، فهو لم ينته رغم مضي ما يقارب الستين عاما على بدايته، ورغم تاكيد هيئات الأمم المتحدة أكثر من 110 مرات على حق عودتهم.

 يضاف الى ذلك أن "منهم من هجّر مرة ومنهم من هجّر مرتين"، وبعضهم هجّر عدة مرات. فبعض اللاجئين في قطاع غزة و الضفة الغربية، وعلى أثر الاحتلال الاسرائيلي في العام 1967 هُجّروا مرة أخرى الى الضفة الشرقية الأردنية، وإثر مجزرة أيلول 1970 هُجروا مرة ثالثة الى لبنان وسوريا، وإثر الاجتياح الاسرائيلي للبنان 1982 هُجروا للمرة الرابعة الى تونس أو اليمن أو السودان أو الجزائر. وإثر اتفاق اوسلو 1993 عاد قسم منهم الى الضفة الغربية وقطاع غزة موطن هِجرتهم الاولى.


هذا بالإضافة الى اللاجئين الذين كانوا يعيشون في دول الخليج عامة والكويت خاصة الذين هُجّروا الى الاردن إثر اجتياح القوات العراقية للكويت وطردهم منها 1991، وأما اللاجئون الذين كانوا يعيشون في العراق فقد هُجّروا محليا إثر إجتياح القوات الأمريكية للعراق 2003، حيث اضطر هؤلاء للسكن مرة اخرى في الخيام، وما زالوا حتى أعداد هذا المقال (نيسان 2007) يعيشون في ظروف أبأس من بائسة على الحدود الاردنية والسورية مع العراق.

 وفي ليبيا كان اللاجئون الفلسطينيون آمنون حتى وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق اوسلو مع اسرائيل 1993 فحاولت ليبيا طردهم، ولعدم استعداد اي بلد لاستقبال هؤلاء المهجّرين، بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية، اضطرت الحكومة الليبية لاعادتهم من الصحراء الليبية على الحدود المصرية بعد ان قضوا هناك عدة اشهر في ظروف معيشية سيئة.

ورغم هذه المعاناة المتواصلة المتجددة ما زال الفلسطينيون يرفضون الاستراحة الا في وطنهم وعلى ارضهم. ففي مشروع مخيم جنين، ضمن برنامج التاريخ الشفوي، الذي نفّذه مركز "شمل"، سُئل 26 راوٍ من الجنسين ومتبايني القرى والمستوى الاقتصادي والأعمار، عن رأيه وموقفه من العودة أو التعويض. اثنان منهم فقط وافقوا على التعويض. الاول، انطلاقا من أنه فقد الأمل تماما بالعودة خاصة بعد التسوية الحالية وهدم اسرائيل للقرى والبيوت في المدن. والثاني وافق على التعويض بشرط التوطين وتحسين أحوال اللاجئين في كل المجالات. وثلاثة كانوا مترددين بين القبول والرفض: الأول لأنه يحس أنه لا حول له ولا قوة، ولذلك لا يدري أيهما أفضل له ولأولاده وأحفاده. و الثانية لا رأي لها فحيث يذهب ابناؤها واحفادها تذهب معهم، فإن قبلوا قبلت وان رفضوا رفضت. أما الثالث فيقول أنه يرفض مبدئيا، ولكن لأنه يائس، وبعد أن رأى الأوضاع الحالية، فربما يلجأ للحكمة التي تقول "الذي منهم احسن منهم".

أما الباقون ال 21 (أي 80% من المستجوبين)، فيرفضون التعويض رفضا باتا وقاطعا، ويتمسكون بالعودة. حتى اليائس منهم، محمد الخطيب (من الغبية)، والذي ليس له أمل في العودة، يقبل ان يموت شريفا رافضا التعويض. وأطرفهم كانت مريم ابو لبدة، "فلا تقبل اموال الدنيا كلها بدل خبيزات صبارين، حتي عقارب صبارين لاتقبل عنها عوضا. أما الحجة فاطمة فلا تزعم ان عودتها الى بلدها ستجعلها تعيش في نعيم، ولكنها قالت: "اعيش في مُغُر أبو غوش أحسن من قصور خارجها". أما جمال الشاتي، وهو عضو المجلس التشريعي عن منطقة جنين، فيرى ان "حق العودة مقدس، وغير قابل للتصرف ولا يمكن التفاوض عليه، وقرار الامم المتحدة رقم 194 ليس منشئا لحق العودة، ولكنه كاشف له، وهو حق فردي وجماعي في ان واحد" (القلقيلي 2004: 75)

تشمل الحلول الدائمة الشاملة لقضايا اللاجئين (ومنهم الفلسطينيون) ثلاثة خيارات: أولها حق العودة الطوعية الى بلدهم ومنازلهم، والثاني التوطين والإندماج الطوعي في الدولة المضيفة، والثالث نقلهم الى بلد ثالث وتوطينهم ودمجهم هناك. وتظل العودة الطوعية هي الخيار الوحيد المعترف به كحق فردي في مواثيق القانون الدولي والاتفاقات المختلفة. وإضافة للخيار الطوعي الذي يختاره اللاجئون من بين هذه الحلول، هنالك حقوق اضافية للاجئين وهي استعادة ممتلكاتهم والتعويض عن الاضرار والخسائر التي المّت بهم. ويبقى القول الفصل، للفلسطينيين أنفسهم في تثبيت حق العودة أو شطبه.. ويبدو أن الفلسطينيين بعد مرور نحو ستين عاما على تهجيرهم قد حسموا هذه المسألة.

 __________________________________

عبد الفتاح القلقيلي هو كاتب وباحث، ومسؤول في المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية. القلقيلي هو مؤلف كتاب "الأرض في ذاكرة الفلسطينيين- إعتمادا على التاريخ الشفوي في مخيم جنين" (2004).

المراجـــع
(1) حنفي، ساري (2001). هنا وهناك – نحو تحليل للعلاقات بين الشتات الفلسطيني والمركز- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديموقراطية "مواطن" ومؤسسة الدراسات المقدسية.
(2) مؤسسة ليليو باسّو الدولية (2001). حقائق واسرار عن نكبة 1948 (طرد الفلسطينيين من ديارهم)، ترجمة المهندس نور الدين حميد، دار الاقصى للدراسات والنشر – دمشق – ايلول.
(3) يحيى، عادل(1998). اللاجئون الفلسطينيون 1948-1998 (تاريخ شفوي)، المؤسسة الفلسطينية للتبادل الثقافي -رام الله.
(4) القلقيلي، عبد الفتاح (2004). الارض في ذاكرة الفلسطينيين- إعتمادا على التاريخ الشفوي في مخيم جنين.

_______________