فــي الذكــرى التاسعـــة والخمسيــن للنكبــة

فــي الذكــرى التاسعـــة والخمسيــن للنكبــة

بقلم: د. فايـــز رشيــد

المتغيــرات، وتطـــور المفاهيــم العنصريــة فــي إسرائيـــل


في ذكرى النكبة، وبنظرة موضوعية إلى الداخل الاسرائيلي، ليس صعبا على المراقب أن يلاحظ وبلا أدنى شك أن جملة التطورات التي حدثت على الصعيدين الرسمي والاجتماعي في المدى المقارب لستة عقود زمنية منذ الإنشاء، تتلخص في الجنوح مزيداً نحو اليمين. ذلك أن الايديولوجيا الصهيونية، ذات الجذور التوراتية، ما زالت هي الأساس والمنبع للسياسيات الإسرائيلية في المناحي المختلفة.

أي أننا أمام صورة أبقت على المضامين المختلفة التي جرى تشريعها ما قبل وعند إنشاء الدولة، كأهداف إستراتيجية ومنها تلك التي ما زالت تطرح في الإطار الشعاراتي: مثل، يهودية الدولة وعقيدة الأمن الإسرائيلي. أما بعض الأهداف الإستراتيجية الأخرى فقد بقيت تحمل نفس المضمون ولكن مع اختلاف بسيط في نمطية الشعارات المطروحة لتحقيقها مقارنةً مع مثيلاتها لدى ترسيم ولادة الدولة. هذه الشعارات أخذت تبدو وكأنها أكثر مرونة، لكنها المرونة التكتيكية التي لا تتعارض مع الجوهر، بل هي تتواءم وتصل حدود التماهي معه، ولكن مع الحرص على إعطائها شكلاً انتقالياً جديدا للتحقيق، وذلك لاعتبارات سياسية وأقليمية ودولية تحتم هذا الشكل الانتقالي، ولكن على قاعدة الاتكاء على ذات الايديولوجيا. فمثلاً، فإن الهدف في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، والذي كان مطلباً ملحاً ما قبل وعند إنشاء الدولة، أصبح مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة... وبالتالي فان السيطرة تحولت من الشكل المباشر عبر الاحتلال إلى شكل آخر غير مباشر وهو السعي لتحقيق ذات السيطرة من خلال السيادة والهيمنة والتحكم الاقتصادي (على سبيل المثال)، ولذلك فإن هذه الخلفية أصبحت تتحكم في النظرة الإسرائيلية، إن على صعيد رؤية إسرائيل لذاتها كأهم دولة في المنطقة أو على صعيد العلاقة مع الدول العربية والإقليمية، والقائمة أيضاً على نظرية السيادة والتسيّد المطلق.

في نفس السياق، يأتي التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين وقضيتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالولوج إلى شكل توافقي يحقق الهدف الاستراتيجي في "الدولة اليهودية" دون الاصطدام مستقبلاً بالقنبلة الديموغرافية التي يشكلونها مستقبلاً. فمن مبدأ التنكر المطلق لحقوقهم الوطنية، باعتبار أراضيهم تشكل يهودا والسامرة ـ والتي هي جزء من إسرائيل التاريخية إلى إعطائهم ما تتصوره  نمطاً من الحقوق يجمع ما بين بقاء السيطرة الفعلية الإسرائيلية كعامل متحكم في شؤونهم السيادية باستثناء إشرافهم المباشر على القضايا الحياتية، ومن مبداً الترانسفير والتخلص المباشر من معظمهم إلى خلق وقائع اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية عسكرية تدفع بالكثيرين منهم إلى الهجرة الطوعية.

إن الذهنية الاسرائيلية فيما يتعلق بالحكم الذاتي، والذي يتم تقديمه من خلال مشاريع "سلامية" وتحت مسميات مختلفة، كلها تضمن لإسرائيل السيادة الفعلية على نصف أراضي الضفة الغربية والقطاع، وتبقي السيادة الإسرائيلية حتى لو جرت تسمية شكل الحكم في هذه المناطق بـ "الدولة" أو "الإمبراطورية"! وذلك لن يغير الواقع الفعلي في شيء. فالإسرائيليون هم المتحكمون في سماء هذه الارض ومعابرها الحدودية، وما تحتها (منهم يعتقدون أن لهم حقوقاً أساسية في المياه الفلسطينية)، ولذلك فإن اللاءات الإسرائيلية الخمس أو الست (والتي ممكن أن تتطور إلى عشر) هي التي تتحكم في الحل الإسرائيلي بالنسبة للفلسطينيين. وقد أخذت إسرائيل لهذه اللاءات رسالة ضمانات من حليفتها الإستراتيجية، الولايات المتحدة، ومن الرئيس جورج بوش شخصياً. ثم انتقل أريئيل شارون، في بعض القضايا السياسية المطروحة كحلول للصراع من قول "لا" الى قول "نعم...ولكن"، وذلك في القضايا خارج خطوطها الحمراء. فعلى سبيل المثال تقول "نعم" لخارطة الطريق، ولكن تفجرها من داخلها من خلال التحفظات الاربعة عشر التي تضعها على بنودها. كذلك الامر تجاه العديد من القضايا.

هذا المبدأ قدم خدمات كبرى لاسرائيل. فاتفاقيات أوسلو، مثلا، جرى اعتبارها دولياً بأنها أنهت وقطعت معظم أشواط الصراع الفلسطيني- العربي مع إسرائيل، رغم تأجيل الحل للقضايا الصراعية الأساسية، وجرى اعتبارها قضايا عادية، يمكن الوصول إلى حلول لها من خلال الحوار، الذي أصبح مجرد انعقاده  محكوماً بشروط إسرائيلية، يتوجب على الفلسطينيين تنفيذها وتحقيقها والالتزام بها! على نفس القاعدة، يجرى التعامل إسرائيلياً مع الدول العربية، فبعد اتفاقيتي كامب ديفيد، ووادي عربة، والممثليات الإسرائيلية في دول عربية تحت مسميات مختلفة، فإن إسرائيل ارتأت أنها في وضع مريح يسمح لها بممارسة الابتزاز السياسي والتنازلات التدريجية من الدول العربية، ولذلك تعاملت وتتعامل براحة كبيرة مع المبادرة العربية. فهي ترفض ما تشاء منها، وتخضع للبحث ما تشاء منها أيضاَ. وبرغم إدراكها لعدم دعوة المبادرة إلى عودة اللاجئين وفقاً للقرارات الدولية، وانما دعت إلى حل عادل لهذه القضية فهي تسعى إلى تنازلات عربية حول قضايا أخرى: الانسحاب من كافة المناطق المحتلة في عام 1976، الانسحاب من القدس الشرقية، سحب التجمعات الاستيطانية الكبيرة من الضفة الغربية، السيطرة على غور الأردن.. باختصار، تسعى إلى تحقيق اقتراب عربي من وجهة النظر الإسرائيلية تجاه هذه القضايا الخطوط الحمراء بالنسبة لها.

أما بالنسبة لكيفية التعامل الإسرائيلي مع فلسطيني الخط الاخضر، والتي تعتبرهم إسرائيل (مواطنيها)، فإن 59 سنة من وجود الدولة لم تكن كافية لان يحصل العرب على حقوقهم وان يتساووا مع اليهود. بل ارتفعت هذه العنصرية الممارسة تجاههم، إلى الحد الذي جعل المحامية الإسرائيلية، فيليتسيا لانغر، التي اشتهرت بدفاعها عن المعتقلين الفلسطينيين، أن تتخذ قراراً بمغادرة إسرائيل (في أواخر الثمانينات) والعيش في المانيا نتيجة لعدم تحملها لعنصرية الدولة. نفس القرار اتخذه الكاتب الإسرائيلي التقدمي، أيلان بابيه مؤلف كتاب (التطهير العرقي الفلسطينيين النظرة الجديدة/ القديمة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي منطقة 48، تمثلت في جوهر الاجتماع الذي عقده في أوساط مارس بين أولمرت ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، يوفال ديسكين والذي نشرت هآرتس نتائجه، والتي تتلخص بجملة واحدة وهي: أن هؤلاء يشكلون خطراً استراتيجيا على الدولة الإسرائيلية، ولذلك ومن المتوقع ازدياد حدة الهجمة الإسرائيلية على أبناء شعبنا داخل الخط الأخضر، ولم يكن التصعيد الإسرائيلي تجاه المناضل عزمي بشارة سوى أحد وجود هذه السياسة.

كذلك أصبح البحث جارياً في إسرائيل عن كيفية التخلص من معظم هؤلاء! وقد جرى طرح العديد من المبادرات التي تقود الى هذا الاتجاه ومنها إمكانية تبادل منطقة المثلث، ذات الكثافة السكانية العربية العالية مع مستوطنات في الضفة الغربية، وهذا ما جرى طرحه في مؤتمرات هرتسيليا، إضافة إلى إمكانية تعويض سوريا والسلطة الفلسطينية بأراض أردنية، وغير ذلك من الرؤى المتحكمة في الجغرافيا العربية، بعيداً عن احترام السيادة من هذه الدول، أي أن إسرائيل أصبحت تقرر للارض العربية كما تشاء!

بعد 59 عاماً من وجود الدولة الإسرائيلية، يلاحظ مدى التطور الحاصل في مفهوم العدوان على قاعدة من النظرة الاستعلائية، الشوفينية، العنصرية، التي تفترش الشارع الإسرائيلي طولياً وعرضياً، والمتمظهرة في التربية والتعليم الإسرائيليين، من رياض الأطفال، مروراً بالمدارس الدينية، والمراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية، وصولاً إلى الجامعات، في تناسق وتناغم تامين في إنتاج وإعادة إنتاج الاشكال المطورة الجديدة من ممارسة العدوان. فكلنا يلحظ ويلاحظ حجم التدمير القاسي الذي مارسته إسرائيل في حربها وعدوانها على لبنان (2006) وما تمارسه حالياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الإسرائيليون بعد 59 عاما، على إنشاء دولتهم لم يغادروا مفهوم القلعة المحصنة التي يجب أن يتواجد فيها الإسرائيلي، ولذلك فأن كافة مستعمراتهم التي أقاموها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاخرى العربية، كانت وما تزال تحتل رؤوس الجبال. وهذه المسألة لم تأت مصادفةً. كما أنهم لم يغادروا مفهوم حصار الاخر، والجدار الحديدي الذي دعا اليه جابوتنسكي في مؤلفه في بداية القرن العشرين، هذا الستار يتوجب أن يحيط بأعداء إسرائيل.

هذه التربية ليست قادرة على إنتاج سوى المزيد من المفاهيم اليمينية والدينية المتطرفة، ولذلك ليس من الصدفة بمكان ازدياد حجم المقاعد التي تحققها أحزاب اليمين الديني، واليمين الفاشي في الانتخابات التشريعية للكنيست مرة بعد اخرى ـ وأصبحت قادرة على فرض المزيد من تعاليمها في الحياة الإسرائيلية اجتماعياً وسياسياً.

أما المؤسسة الأخرى التي تحكم في الواقع الإسرائيلي، فهي العسكرية التي أيضاً تفرض على الواقع السياسي الإسرائيلي حقائقها. ففهم إسرائيل من الداخل مسألة أساسية، ليست فقط لطبيعة أهمية معرفة العدو، وإنما أيضاً لتحديد الملامح الإستراتيجية والتكتيك السياسي العربي في التعامل مع مجمل الأهداف والسياسات، والإمكانيات الفعلية للحدود التي قد تصل اليها إسرائيل في أية تسوية، سواءً مع الفلسطينيين أو مع الدول العربية.

__________________

د. فايز رشيد هو كاتب وباحث فلسطيني خبير في الشؤون الإسرائيلية، وله العديد من الكتب حول الصراع العربي-الإسرائيلي. رشيد من مواليد قلقيلية في العام 1950، وسجن في سجون الاحتلال لمدة سنتين ثم جرى إبعاده إلى الأردن في العام 1970.