الأثــر الإقتصــادي للنكبــة علــى اللاجئيــن الفلسطينييـــن

الأثــر الإقتصــادي للنكبــة علــى اللاجئيــن الفلسطينييـــن

بقلم: أحمــد أبــو غـــوش

تعرض الشعب الفلسطيني في العام 1948 للنكبة، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. فقد احتلت 78% من أرضه، وحُرقت ودُمّرت أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية، وارتكبت المذابح الجماعية، وشرد حوالي 950 ألف فلسطيني من وطنهم (1). ما حدث كان إحلالا. لأنه، وعبر فعل منظم أدى إلى إنشاء كيان استيطاني، أحل سكانا جاءوا من كل بقاع العالم، محل سكان عاشوا فوق أرضهم جيلا بعد جيل، ونفى علاقات انتاجية واجتماعية كانت قائمة منذ مئات السنين، ليحل مكانها علاقات بين المستوطنين على نفس الأرض.

وحين نخوض بالآثار الاقتصادية للنكبة على اللاجئين فإننا لا نقصد مجرد حساب خسائرهم المادية. فهي رغم محاولات البعض تقديرها، لا تقدر بمال (هنالك عدة تقديرات لها ، أعلاها 235769 مليون دولار أمريكي)(2)؛ فالعلاقات الاجتماعية والقيمية وشبكة الأمان التي توفرها للفرد في وطنه لا يمكن تقديرها؛  فالوطن لا يقدر بثمن. الآثار الاقتصادية، ومن زاوية أشمل، تتعدى مجرد حصر الخسائر المادية الناجمة عن تشريد الانسان عن وطنه، لتشمل أيضا المساس بقدرات الناس، وفرص عملهم، والتغييرات البنيوية التي من شأنها أن تؤثر على آفاق تطورهم اللاحق.

الفلسطينيــون والمهجــرون داخــل إسرائيــل

بعد نكبة 1948، وتهجير معظم الفلسطينيين إلى خارج المناطق الفلسطينية التي قامت عليها إسرائيل، بقي ضمن هذه المناطق حوالي 150 ألف فلسطيني، من بينهم 30- 40 ألف من المهجرين (3). لقد عانى المهجرون من مصادرة أملاكهم وأرضهم ( 72% من ملكيات القرى التي ما تزال قائمة وتساوي  مليوني دونم) فتحولوا في غالبيتهم إلى عمال غير مهرة، وعانوا من البطالة التي بلغت في صفوفهم معدلات عالية، (أعلى من 10%). لقد عانى العرب الصامدون في فلسطين في ظل دولة إسرائيل التي أقيمت على أرضهم من فجوة في الخدمات الضرورية للحياة، كالميزانيات المقدمة للمجالس المحلية، وما زال عدد من القرى بدون سلطة محلية أصلا، وعشرات القرى غير معترف بها. كما عانوا من التمييز في الاستثمار، وفي التعليم. وبسبب مصادرة الأرض تقلصت حصة الفرد من المساحة المزروعة من 19 دونما إلى 0.86 دونم. ومنع العرب من زراعة محاصيل معينة، ومن تربية الأبقار والطيور الداجنة. وهم لا يحصلون على مياه كافية للزراعة أو الشرب، لذلك فان الدخل من الأرض الزراعية العربية يعادل 30 % بالمقارنة مع دخل المواطن اليهودي من الدونم الواحد. و"المصالح العربية" في القطاع الخاص عبارة عن ورش لتقديم الخدمات (كراجات، تجارة، حدادة، المنيوم) والمصانع الإنتاجية قليلة جدا.  كما تظل نسبة الموظفين ضئيلة حيث تبلغ 2 % أغلبيتهم العظمى من درجات ومراتب متدنية، ويشكل 77.1 %  ضمن الدرجات الأربع الدنيا و18.2 % في الدرجات المتوسطة ( الخامسة – السادسة). ويحصل الطالب العربي على 37.5 % مما يحصل عليه الطالب اليهودي، و25 % من الأطفال العرب يذهبون إلى الروضات مقابل 90 % من الأطفال اليهود (4). ويبلغ عدد الآكاديميين 1 % فقط من مجموع 5000 آكاديمي ، مع أن العرب يشكلون 15 % من السكان، هذا بالإضافة إلى حرمانهم من الكثير من الوظائف لأسباب أمنية. (5)


في النقب، تم تهجير ثلاثة أرباع السكان بمن فيهم سكان مدينة بئر السبع وحصرهم في مناطق مغلقة، ثم صودر 38 % من أراضيهم الصالحة للزراعة فيها بعد ذلك. هذا بالإضافة إلى تقليص عدد الماشية ومصادرتها بين فترة وأخرى. فقد تم تقليص عدد الماعز من 220 ألف في العام 1977 إلى 80 ألف عام 1980، كما تم طرد 800 عائلة بدوية من النقب خلال تلك الفترة (6).

اللاجئــون فـي مخيمــات الوطــن والشتــات


تشير الإحصائيات إلى أن نسبة اللاجئين المسجلين في المخيمات ظلت قريبة من النسبة المسجلة في السنوات الأولى من النكبة مع أن عدد اللاجئين تضاعف عدة مرات، (فهي 34.6 % سنة 1953 و 39.1% سنة 1965 و 33.4% سنة 1975،  و38% سنة 1985، و31% سنة 1995، و32% سنة 2002 )(7) .

قبل النكبة كان المجتمع الفلسطيني زراعيا على الأغلب، حيث 53 % منهم قرويون و34 % مدينيون و 13% بدو (8). وقد عمل في القطاع الزراعي ما بين  60-62 % وعمل جزء من سكان المدن في هذا القطاع، وعمل ما بين 30-35 % من سكان المدن في الصناعات الخفيفة و15-17% في النقل و 20-23% في التجارة و 5-7% في الخدمات العامة و6-9% في قطاعات أخرى (9). ومن خلال دراسة تقارير التعويض المقدمة من قبل الأمم المتحدة عام 1948 تبين أن البيوت والأرض بأنواعها، قدرت بطريقة مختلفة على أساس استخدامها أو موقعها. والأهم أن هذا التقرير أكد أن عدد اللاجئين الذين شملهم التقرير يصل الى 556 ألفا شكلوا 158 ألف أسرة، وتبين أيضا أن المالكين أصحاب الأراضي الزراعية هم 37 ألف أسرة وعدد أفرادها 142 ألف نسمة، والأسر التي لا تملك عقارات بلغ عددها 45 ألف أسرة وعدد أفرادها 150 ألف نسمة (10). من هذا التقرير يمكن الاستنتاج بسهولة أن 29 % من الأسر التي  شملها التقرير لم تكن من المالكين، هؤلاء على الأغلب هم من سكنوا في المخيمات، بالإضافة إلى عدد من الشرائح الأخرى. وبشكل عام، فإن سكان المخيمات هم الأكثر تأثرا بالنكبة لأنهم عاشوا بسببها ظروفا صعبة وكان اندماجهم، بسبب انخفاض مستوى تعليمهم وعدم امتلاكهم مهنة، أصعب، وفرصهم في تحقيق قدراتهم أكثر صعوبة (11).

أما إذا أردنا أن ندقق أكثر، سنلاحظ أن سكان المخيمات في لبنان هم الأكثر معاناة بسبب فرض القيود عليهم في مجال السكن والعمل والتأهيل، وبسبب تدهور العملة اللبنانية، وتفشي البطالة (38 %) والهجمات على المخيمات والمذابح التي حدثت فيها، حيث استشهد حوالي 30 ألف من سكانها (12). أما في الأقطار الأخرى فوضع اللاجئين يتوقف على المناخ السياسي السائد في ذلك القطر، وموقف النظام من القضية الفلسطينية عموما.

أما في الضفة الغربية وقطاع غزة فلم يواجه اللاجئون نفس المشاكل في الإندماج في محيطهم لأنهم عاشوا بين أبناء شعبهم. ولكن في في ظل الاحتلال تعرضوا لقمع جديد، وتعرض بعضهم لتهجير جديد، وعانوا من العقوبات والتدمير والقمع والتنكيل (تم تدمير 16.6 % من بيوت اللاجئين، 8.8 % من سياراتهم، وقلع 24.4 % من شجرهم) (13).        

التحـــولات البنيويــة في صفــوف اللاجئيــن

إن من أبرز الآثار الاقتصادية للنكبة على اللاجئين هو إحداث قطع بنيوي في علاقات انتاجهم وتطور قواهم الانتاجية على الأرض الفلسطينية، مما أدى إلى تجريدهم  من مواردهم الإقتصادية، وبالتالي من نمط حياتهم الاقتصادي، وبذلك أعادهم  تهجيرهم  إلى ما يمكن وصفه بطبقة واحدة معدمة من وسائل الإنتاج أو الموارد. إلا أن اللاجئين، وكما سبق وأشرنا، لم ينحدروا في فلسطين من طبقة واحدة، وهذا خلق تفاوتا بينهم في مستوى القدرات التعليمية والمهنية. وكما لوحظ، فإن عددا قليلا منهم هاجر سنة 1947 بعد أن باع أملاكه بخسارة 25% (14). هؤلاء تمكنوا من التأقلم بشكل أسرع وأفضل في محيطهم أينما أتيحت الفرصة لهم. بينما الطبقات المسحوقة عانت من عدم القدرة على التأقلم، وظلت في غالبيتها في المخيمات.

لقد حدث تبلور بنيوي في صفوف اللاجئين بسبب نزع ملكياتهم الزراعية أساسا واضطرار معظمهم للسكن في المدن أو حولها، ولكون المناطق الفلسطينية التي سكنوا فيها كانت على الأغلب بعيدة عن المناطق الزراعية. لذلك يمكن ملاحظة التطورات البنيوية في صفوفهم بطريقة انقلابية.

أولا: لقد لوحظ أن اللاجئيـن في أغلبهم اضطروا للعمل بعد هجرتهم في أي عمل يدوي يمكنهم من الاستمرار في الحياة.

ثانيا: يمكن الملاحظة بسهولة أن العاملين في قطاع الزراعة أصبحوا أقلية في تصنيف العاملين من اللاجئين، ففي التسعينات، أي بعد مضي أكثر من خمسين عاما على النكبة لاحظنا أن نسبة العاملين في الزراعة من اللاجئين وصلت إلى 2.5 % في أحسن الأحوال، كما هو الحال بين لاجئي سوريا، بينما كانت نسبتهم في حقبة فلسطين التاريخية تفوق الثلثين. وعمل نصفهم في الصناعة أو كعمال مهرة في معظم أقطار اللجوء. وعمل كموظفين نحو 7.5- 8 % منهم. وكانت نسبة العمال غير المهرة  عالية في الأردن 10 % وفي فلسطين 15.6 %.  وكانت نسبتهم بين سكان المخيمات طبعا أكبر حيث بلغت في الأردن 33.1 % (15).

ثالثا: من خلال دراسة لمخيم عايدة (16) تبين أن نسبة العمال في المخيم وصلت الى 71.6%، ونسبة الموظفين 21.8 % من مجمل العاملين في المخيم. بينما شكلت نسبة من يملكون مشروعا يشغل آخرين 1.3% من العاملين فقط.

رابعا: لقد لوحظ أن الموظفين يعملون في مجالات التدريس والطب والهندسة والتعليم والمحاماة والتمريض والإدارة مما يعني أن اللاجئين توجهوا نحو التعليم للتعويض عن فقدان أراضيهم الزراعية ليتمكنوا من العمل والحياة. لقد لاحظنا أن 28 % من العاملين أنهوا دراستهم الجامعية أو المتوسطة (17).

خامسا: لقد لوحظ أن من يستطيع الخروج من المخيم بسبب ضيق المساحة ونوعية السكن وعدم توفر الفرص والظروف الصحية فعل ذلك. فيما بقي الكثيرون منهم مسجلين في المخيم، للحفاظ على هوية اللجوء . كما لوحظ أن دخل 37% من العاملين في مخيم عايدة يصنفهم تحت خط الفقر (18) ولاحظنا أيضا أن المخيم لم يوفر فرص عمل، وأن غالبية العاملين منه يعملون خارجه. وبالمقابل لاحظنا أن نسبة عالية ممن يمتلكون محلات تجارية في مدينة رام الله في غالبيتهم لاجئين (19).

وأخيرا: وهو أن توزيع اللاجئين جغرافيا تغير بشكل ملحوظ، فبينما كانت غالبيتهم تتمركز في فلسطين ودول الطوق سنة 1948، أمكن ملاحظة أن 16.2 % من اللاجئين تعيش في العام 2002 في دول لم يكونوا فيها سنة 1948، ومنها السعودية والولايات المتحدة وأوروبا (20).




--------------------------------

أحمد أبو غوش هو باحث وشاعر، وهو رئيس جمعية عمواس ورئيس جمعية الأسرى المحررين- فلسطين، المحافظات الشمالية. لأبو غوش عدد من المؤلفات الشعرية والبحثية


الهوامــش
1) هنالك اختلاف حول تقديرات أعداد اللاجئين ـوقد اعتمدنا هنا على الرواية الفلسطينية. من أجل المزيد من المعلومات حول هذا الموضوع راجع: د. يوسف كامل إبراهيم. دراسة من منظور ديموغرافي جغرافي. اللاجئون وحق العودة . ص 25؛ د. عادل ح. يحيى. قصة مخيم الجلزون. تاريخ شفوي. رام الله: المؤسسة الفلسطينية للتبادل الثقافي. 2006. ص 9- 14.
2)      صفحة الإحصائيات على موقع مركز بديل على شبكة الانترنت: www.badil.org/statistics
3)      مأمون كيوان. دورية دراسة باحث. اللاجئون الفلسطينيون في وطنهم. بيروت. ربيع 2003. ص127.
4)      د. عزيز حيدر. الفلسطينيون في إسرائيل في ظل إتفاق أوسلو. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 1997، ص60- 61.
5)      إيليا زريق. دليل إسرائيل العام ـ أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 1997، ص318.
6)      د. غازي فلاح. الفلسطينيون المنسيون ـ عرب النقب ـ 1906- 1986. الطيبة: مركز إحياء التراث. 1989، ص152. 
7)      موقع مركز بديل على شبكة الانترنت، مصدر سبق ذكره.
8)      المصدر السابق.
9)      بني موريس. طرد الفلسطينيين وولادة مسألة اللاجئين. عمان: دار الجليل، 1993، ص 18.
10)   علي فيصل. اللاجئون الفلسطينيون ووكالة الغوث. بيروت: دار التقدم. 1996، ص148.
11)    لمزيد من المعلومات عن أوضاع اللاجئين في بدايات التهجير راجع: د. عادل ح. يحيى. مخيم الجلزون، مصدر سبق ذكره.
12)    إيليا زريق. اللاجئون الفلسطينيون والعملية السلمية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ط 2، 1998، ص54- 55.
13)   موقع مركز بديل على شبكة الانترنت، مصدر سبق ذكره.
14)   بني مورس، مصدر سبق ذكره.
15)   موقع مركز بديل على شبكة الانترنت، مصدر سبق ذكره.
16)   أحمد أبو غوش. مخيم عايدة. رام الله: مركز القدس لدراسة اللاجئين. 1992، ص 12.
17)   المصدر السابق ، ص 12.
18)   لا يكاد يوجد اختلاف بين مخيم عايده ومخيم الجلزون.
19)   مركز القدس لدراسة اللاجئين، رام الله، بحث عن إندماج اللاجئين في محيطهم.
20)   موقع مركز بديل على شبكة الانترنت، مصدر سبق ذكره.


.