طباعة

مــن ظلــم إلــى ظلــم: اللاجئــون الفلسطينيـــون ووسائـــل الإعـــلام

 مــن ظلــم إلــى ظلــم: اللاجئــون الفلسطينيـــون ووسائـــل الإعـــلام

بقلم: شريـــف النشاشيبـــي

في السنوات السبع التي كنت خلالها أرقب تغطية وسائل الإعلام البريطانية للقضايا العربية؛ يمكنني القول بثقة أن اللاجئين الفلسطينيين هم الأكثر ظلما. كما أنهم غير مفهومين، وهم أصحاب القضية التي قليلا ما يتم ذكرها من بين أوجه الصراع العربي–الإسرائيلي. وهذا ليس مجرد سوء حظ؛ بل هو أمر محير، وخاصة بسبب مركزية قضية اللاجئين الفلسطينيين في أي حل عادل ودائم.
قضية اللاجئين مطعونة لأن بعض مالكي وسائل الإعلام  والمحررين والصحفيين يعتنقون وجهة نظر إسرائيل، كما يساء فهم قضية اللاجئين لأنها مستهدفة بضراوة من قبل اللوبي المؤيد لإسرائيل، والذي لا يواجهه لوبي بنفس القوة مؤيد للفلسطينيين، وبخاصة عدم وجود لوبي مؤيد للاجئين الفلسطينيين على وجه الخصوص (ومن المحزن أن الاثنين غير مترادفين)؛ وقضية اللاجئين الفلسطينيين خارج التغطية لأنها كمشكلة سيكون عمرها في السنة القادمة 60 عاما، وقد توقفت منذ زمن بعيد لتكون جديرة بالأخبار.
 

 
وقد أدى ذلك إلى بروز الجهل بقضية اللاجئين الفلسطينيين بين الجمهور البريطاني؛ فعلى سبيل المثال، كشفت دراسة مسحية أجريت قبل سنوات قليلة من قبل البروفيسور "غريغ فيلو" من مجموعة إعلام جامعة "غلاسكو" أن 8 % فقط  من الناس عرفوا أنه تم تهجير لاجئين من بيوتهم وأراضيهم حينما تم تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. وبنفس الطريقة، أناس قلائل جدا عرفوا أن التوسع الجغرافي الإسرائيلي عام 1967 قد تسبب في تهجير موجة أخرى من اللاجئين الفلسطينيين، وحتى هناك بعض من يعتقد أنهم جاءوا من أفغانستان!

ووفقا للبروفيسور "فيلو"، فإن نقص الفهم هذا يعود إلى التغطية الإعلامية التي " تحرز مستوى عال من النقاط في تغطية صور القتال والعنف ومسرح الأحداث؛ لكنها تحرز نقاطا ضعيفة في تفسير ما يجري". ولا بد من أخذ رأي "فيلو" بجدية، فقد ركز في كتابه الرائد "أخبار سيئة من إسرائيل" على التغطية المتلفزة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني؛ حيث تبين أن التغطية المتلفزة هي المصدر الرئيس للأخبار عن القضية بالنسبة لـ 82% من الذين مسحت آراءهم.

وقد كان لوسائل الإعلام فرصة مناسبة مؤخرا من أجل القيام بتغطية صحيحة، لكي تحلل وتسلط الضوء على قضية اللاجئين؛ وذلك خلال مؤتمر القمة العربية في آذار 2007؛ الذي بعث مجددا مبادرة السلام العربية، والتي تعرض على إسرائيل سلاما كاملا مقابل انسحاب إسرائيل من الأرض المحتلة وحل عادل متفق عليه لمشكلة اللاجئين؛ ولكن وسائل الإعلام فشلت مرة أخرى في هذا المجال. لم تكن هناك افتتاحيات، تعليقات أو تحليلات تتعلق بقضية اللاجئين في الصحف البريطانية الشعبية واسعة الانتشار: ذي صن، ديلي ميل، ديلي ميرور، ديلي إكسبرس وديلي ستار. وإضافة إلى حقيقة أن هذه الصحف مسيسة أكثر بكثير مما يدرك العديد من الناس، حيث أن أرقام توزيعها الشهرية تصل لحوالي 8.5 مليون نسخة، أكثر بثلاثة أضعاف من توزيع الصحف اليومية المشهورة (الديلي تلغراف، التايمز، الفايننشال تايمز، الغارديان والاندبندنت) والتي مجموع توزيعها الشهري يصل إلى 2.7 مليون نسخة.

ومن بين الخمس صحف اليومية الشهيرة؛ كان هناك فقط حوالي دزينة افتتاحيات أو تعليقات أو تحليلات تذكر اللاجئين الفلسطينيين خلال شهر آذار والنصف الأول من نيسان؛  ولكن أيا منها لم يركز على القضية. ومع ذلك لم ترد نقطة واحدة توضح أن الفلسطينيين قد أصبحوا لاجئون بسبب عمليات التطهير العرقي المنهجية والمنظمة، وفي حوالي 60 % من الحالات؛ فإن القراء ليس لديهم أي فكرة أن إسرائيل، أو القوات اليهودية التي قاتلت من أجل إنشائها، كان لها علاقة بالموضوع، وفي الحالات الأخرى يبدو الأمر وكأن الفلسطينيين تركوا وطنهم بإرادتهم الخاصة، أو أن الأمر كان مجرد تداعيات ونتائج الحرب.

والمقاربة التي وجدناها تقدم تفسيرا مناسبا هي ما كتبه المعلق الدائم في "الغارديان"، الصحفي "جوناثان فريدلاند" الذي تحدث عن "لاجئين فلسطينيين تم تهجيرهم بفعل إنشاء دولة إسرائيل عام 1948". وبالرغم من حقيقة فشله في ذكر موجة اللاجئين عام 1967 (وهذه ذكرت مرة واحدة فقط من قبل "جيمس هايدر" في "التايمز")؛ وحتى هذا يبدو بريئا، إذا لم يكون سوء طالع، وكأن الأمر عبارة تداعيات لقيام دولة إسرائيل، وليس سياسة مدروسة لخلق دولة بأكبر مساحة من الأرض وبأقل ما يمكن من السكان العرب.

رأي واحد غريب؛ إذا افترضنا أنه بيان حسن النية، جاء من قبل "كريس باتن"، مفوض أوروبي سابق للعلاقات الخارجية، حيث كتب في الفايننشال تايمز :"أن استمرار حصار فلسطين بينما حماس تشارك في الحكومة، مع العقوبات المصرفية الأمريكية المؤذية" يدير الخطر "الجدي" الذي يعني أن "فلسطين ستصبح مجرد مخيمي لاجئين محاطين بالجدران". هل "كريس باتن" غير مدرك أن الضفة الغربية مليئة بمخيمات اللاجئين؟ وبأن الأغلبية الساحقة من سكان قطاع غزة هم لاجئون؟

وكان العجز الجدي الآخر في التغطية الإعلامية هو الغياب الكلي للقانون الدولي وقانون حقوق الإنسان؛ اللذان يدعمان حقوق اللاجئين بحزم، بمن فيهم حقوق اللاجئين الفلسطينيين. وفي الحقيقة، ذكر حق العودة مرتين فقط خلال فترة مراقبة استمرت ستة أسابيع (خلال افتتاحية الفايننشال تايمز، ومن مراسل الإندبندنت في القدس، دونالد ماسنتير)، وفي كلتا الحالتين ذكر بين قوسي الاقتباس وكأنه أمر ذاتي ومريب. وقد استخدم "فريدلاند" كلمة "مطلب"، و"التايمز" استخدمت فقط تعبير "عودة" مرتين في افتتاحياتها.

وعلى النقيض من ذلك؛ وجدنا الكثير عن تبريرات إسرائيل في تنكرها لحقوق اللاجئين الفلسطينيين. مثل "تقول إسرائيل أن حق العودة هذا سيغرق طابعها اليهودي"، كما جاء في افتتاحية "الفايننشال تايمز". وكتب فريدلاند "تصر إسرائيل أن مثل هذا الحق سيكون مستحيل التطبيق؛ لأنه يعني النهاية السكانية للبلاد كوطن قومي لليهود: وبدلا عن ذلك، على الفلسطينيين العودة إلى الدولة الفلسطينية المقترحة في الضفة الغربية وقطاع غزة". وأنا أسأله: كيف؟ كيف يستطيع الفلسطينيون "العودة" إلى مناطق لم يجيئوا منها أصلا؟ إن هذا أشبه بطرد أو إخلاء شخص من بيته في لندن، ومن ثم القول بأنه يستطيع "العودة" إلى مانشستر.

ويتابع فريدلاند "لو أن اللغة في قضيتي اللاجئين والحدود [في مبادرة السلام العربية] كانت مرنة؛ لأفقدت أولمرت السبب ليقول لا، ولكان ذلك أفضل". ولهذا فالمسئولية ليست على إسرائيل التي كان عليها قبول اشتراطات فقط؛ ولكن المسئولية تقع على العرب الذين عليهم تخفيف الاشتراطات في عرضهم حتى تجده إسرائيل مقبولا. وجاء في إحدى افتتاحيات التايمز: "قال السيد أولمرت أن إسرائيل لا تستطيع أن تقبل الرزمة كاملة، وخاصة القسم المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين". ووفقا لدونالد ماسنتير، مراسل "الإندبندت" في القدس، فإن قضية اللاجئين "هي أكثر قضايا الجدل المؤلمة لأعصاب معظم الإسرائيليين"، ويمكن "أن تكون السبب وراء رفض أولمرت للمبادرة".

وفي الحقيقة فقط "ماسنتير" و"الفايننشال تايمز" عرضا حججا مضادة لرفض إسرائيل، وحتى هذه الحجج كانت منقوصة. "الحجة السعودية – وتلك الخاصة بالسيد محمود عباس – هي أن هذه الصيغة ما زالت تعطي مجالا واسعا للمناورة خلال مفاوضات فعلية؛ لكنها يجب ألا تكون متغيرة أمامهم"، كما قال ماسينتير. "الصيغة العربية تؤشر باتجاه التعويض بدلا من العودة للوطن"، كما جاء في "الفايننشال تايمز".

وهكذا فإن حق العودة موجود فقط لكي يتم التفاوض من أجل استبعاده، بدلا من العمل من أجل تنفيذه. وأنه يتوجب عرض التعويض بدلا من حق العودة، الذي هو حق شرعي بذاته ومن ضمنه العودة للوطن. وعلاوة على ذلك، كان هناك إشارة واحدة أثناء فترة المراقبة، من قبل "توم بورتياس" لمراقبة حقوق الإنسان في "الاندبندنت"، حول محنة الفلسطينيين في العراق، الذين هم عبارة عن لاجئين مرتين: المرة الأولى على يد إسرائيل، والثانية نتيجة الفوضى التي تلت غزو واحتلال العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003.


النقائص في تقديم التقارير حول اللاجئين الفلسطينيين والتي برزت خلال فترة المراقبة، هي نقائص نموذجية في التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية بشكل عام، ليس فقط في بريطانيا. فإذا كان البريطانيون جاهلون بالقضية بسبب عجز وسائل إعلامهم؛ لنفكر فقط كيف وكم هم الوضع أسوأ بكثير في الولايات المتحدة، على سبيل المثال فقط.

وفي مقالة ممتازة حول مواطني إسرائيل العرب في "الديلي تلغراف"، وهي صحيفة غير معروفة بأنها تنشر وجهات نظر متعاطفة مع الفلسطينيين، كتب "مايك سميث":"على مدى عقود، انشغل انتباه العالم بإخوانهم وأخواتهم العرب الذين يدعون أنفسهم بالفلسطينيين، ويعيشون في الأراضي المحتلة أو لاجئين في الشتات حول الشرق الأوسط". فيما لو كانت هذه هي الحالة؛ أبدا، فإنه ليس متأخرا جدا للبدء بمحاولة الحصول انشغال الناس بقضية اللاجئين الفلسطينيين، والطريقة الأفضل للوصول للجماهير هي وسائل الإعلام؛ ذلك من خلال تقديم المعلومات، إشراك وتصحيح وتعليم وسائل الإعلام، وهكذا، يتم تنوير الجمهور بصورة تلقائية.

وإن لم تحظ قضية اللاجئين الفلسطينيين بمستويات مناسبة من الدعم؛ فإن ذلك يعود إلى كون الناس لا يعرفون الحقائق. وكما يقال فإن الحقيقة يمكنها أن تجعل القلوب المتحجرة غير قادرة على منع العيون العمياء من النظر إلى الظلم عندما تكشف حقيقته لها. دعونا جميعا نضمن أن الذكرى الستين للنكبة لن تمر بدون ملاحظتها؛ وليس أقل من ذلك؛ هو ما يمكن أن نفعله من أجل أولئك الذين لا يعرفون شيئا، لكنهم لا يملكون؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.

___________________

شريف النشاشيبي هو رئيس المرصد الإعلامي العربي  (Arab Media Watch) وهي منظمة مستقلة غير ربحيه انشئت فى عام 2000 بهدف السعي الى تغطية القضايا العربية بصورة موضوعية في وسائل الاعلام البريطانية. يحمل النشاشيبي شهادة الماجستير في الصحافة الدولية. هجّر والده من القدس في العام 1948 الى لبنان.