الدولانيـة

بقلم:د. لــوري أليـــن

ثلاثة مراهقين من مخيم بلاطة للاجئين في مدينة نابلس الواقعة في الضفة الغربية؛ قاموا مؤخرا بزيارة جامعة هارفارد، كجزء من جولة لهم تحت عنوان "صورة بلاطة". وقد كان هدفهم بيان توجهاتهم ونظرتهم للجمهور الأمريكي، ولو جزئيا، وأن يعرضوا صور الحياة اليومية في المخيم. إحدى البنات، هديل، تحدثت إلى طلاب وإلى جزء من العاملين المقيمين في كامبردج، حول ذكريات جدتها عن الحياة في فلسطين قبل أن يصبحوا لاجئين. بالنسبة لجمهور أجنبي كان في كلامها مشاهد شاعرية تفيض بالأمان والطمأنينة، الكثير منها صيغت ومررت من الجدة إلى الحفيدة؛ حيث أخبرت الجدة حفيدتها عن ذكرياتها الشابة في أيام "البلاد" القديمة التي كانت الوطن، ، وعن تربية الأطفال في فلسطين،  وكيف كانت تلهو في البساتين، وكيف تصورت مستقبلها الذي اندثر في لحظة خاطفة من الزمن.

 عرف كل من كان في تلك الغرفة، من خلال حديث الفتاة المراهقة الحسن، أن رؤى الأجيال السابقة حول المستقبل تحولت، بشكل مثير وبشدة، بسبب تأسيس دولة إسرائيل على أراضي الفلسطينيين في عام 1948، حيث تم طردهم من الحدائق الخصبة الغنية، تماما كما في القصص التراجيدية القديمة قدم الإنسانية ذاتها؛ عرف الجميع أن مأساتها صعبة النسيان، وخاصة حينما يكون سبب السقوط من الجنة هو قوة الاحتلال الأجنبي.

إن أي شخص أتيحت له فرصة حضور مثل هذه العروض، أو تكلم مع اللاجئين في الضفة الغربية وغيرها من مواقع اللجوء، يمكنه أن يجد المغزى من حديث هديل: إن الماضي كان مكانا أفضل، وان عملية فصل الفلسطينيين عن أراضيهم المسلوبة هو ظلم مستمر، وان أبناء الجيل الأقدم الذين أجبروا على الهروب أثناء النكبة، تركوا هذه الذكريات الحية والحنونة في قصص هي أشبه "بالتعاليم المقدسة" يتم تمريرها لأطفالهم وأحفادهم.

مثل هذه القصص، هي بالطبع أكثر من تذكر وحنين الشيوخ إلى الماضي من اجل إشغال وقتهم؛ ولكنه أحد الوسائل التي يحافظ اللاجئون الفلسطينيون، من خلالها، على الاتصال بأرضهم التي طردوا منها وحياتهم التي حرموا منها.  إن عبارات الصبية التي تؤكد على حقها في العودة إلى أرض عائلتها التي هي الآن إسرائيل، أظهرت كم هي مهمة هذه القصص عن الماضي، ﻻ للذكرى وحسب، بل لأنها تمثل مقياس الإحساس بالعدالة والتمتع بالحقوق. وقد كان لدى هديل الثقة بان تراثها وتاريخها وحنينها الموروث نحو ماض مزدهر أهل لان يشكل الأفق لإمكانية العودة. إن هذه الإمكانية مهما بدت خافتة تبقى مركزة بحدة في نفس الوقت، حيث تعكس رؤية هديل المستقبلية، بأنها سوف تعود إلى الأرض التي أجبرت جدتها على تركها في عام 1948. الشيء الذي كان مبهما، على أية حال، هو كيف؟ أو إذا كان من الممكن لذلك أن يحدث حقا؟

تشكل الوثائق وخطابات المجتمع الدولي مرتكزا لهذه المعتقدات، فحق العودة هو حق تكرر ذكره في العديد من قرارات الأمم المتحدة. ولعل القرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون أول/ديسمبر1948أكثر ما يتم الاستشهاد به من بين تلك القرارات. وبينما يصر الكثيرون، وهذا صحيح أيضا، بأن خطابات وإعلانات المجموعة الدولية لن تقدم حلا للفلسطينيين، ما لم تتوفر الإرادة السياسية لفرض تطبيقها، اﻻ أنها ليست بدون قيمة، فإعلانات وقرارات المجتمع الدولي ذاتها تشكل تركيبة استطرادية ايجابية تساعد على بقاء الإصرار على المبادئ الأخلاقية للعدالة.

ذلك المبدأ، حفظ الذاكرة، يبقى حيا في أماكن متعددة خصوصا في السجلات القصصية؛ وقد ازدهرت في السنوات الأخيرة؛ الممارسات المبدعة في الطريقة التي تحفظ وتنتج بها هذه القصص والذكريات. فبالإضافة إلى مجموعات الناشطين في الولايات المتحدة التي تدعو أطفال مثل هديل لجولات لتقديم أحاديث، وفي تناسب عكسي، ربما مع حجم الأراضي التي بقيت لهؤلاء الذين يحاولون أن يتذكروا أنها سرقت، يوجد تزايد  في أعداد مشاريع الفيديو – أرشيف التي تتم في الضفة الغربية، ولبنان وأماكن أخرى. وهناك مشاريع مثل تعاونية فلسطين الشبابية الإعلامية التي مقرها بوسطن(http://www.tawassul.org/ ) وعلى الانترنت – مثل فلسطين في الذاكرة PalestineRemembered.com ، ومشروع عبر الحدود الذي انطلق عام 1999 تحت مظلة جامعة بير زيت، والتي تتيح للاجئين الفلسطينيين إبداع قصصهم الشخصية ومشاركتها مع الناس في فلسطين والخارج.

مسلسل المنار "عائدون" الذي يدور حول حياة اللاجئين هو منتدى فيديو آخر يتم من خلاله حفظ التاريخ وآمال اللاجئين والتعبير عنها، ويمكن للمرء أن يضيف صناعة الأفلام من قبل وحدة الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات؛ الأفلام الوثائقية التي أنتجها طاقم الوحدة حيث يقوم بعضهم الآن بإعادة جمعها؛ بعد أن تضررت وتشتت مواد الأرشيف جراء العديد من الحروب الإسرائيلية، والتي تسجل وتوثق الظروف القاسية لحياة اللاجئين في المنفى.

وقد أصبح العلماء والفنانون من الخارج امتدادا آخر لهذه الشبكات من الناس، ماضيهم وتخيلاتهم حول المستقبل، يقدم علماء الانثروبولوجي "الإنسانيات" والمصورون مهاراتهم من أجل مهمة توثيق حياة اللاجئين.[i] إن هذا يفيد في تحقيق مزيد من التعاطف الدولي الذي يساعد على ثبات تركيز الفلسطينيين على حقوقهم الخاصة، من خلال إيصال قصصهم إلى جمهور عالمي أوسع سواء من خلال اللغة المرئية للصور، أو عبر صفوف التلاميذ من خلال كتابة القصص المحلية. إن دورة الإنسانيات التي قمت بتدريسها قبل سنوات في مركز لاجئ في مخيم عايدة القريب من بيت لحم؛ قد تحولت عفويا إلى صف للتاريخ الشفوي، في البداية بناء على رغبة طلابي الذين كانوا متلهفين لمعرفة تفاصيل الحياة اليومية في "البلاد"، المسجلات كانت في متناول اليد، وقد انتزعوا قصصا من شيوخ المخيم جعلتهم يعيشون خارج أرض المخيم؛ لقد جمعوا أغان شعبية ووصفات للعلاج الشعبي من عماتهم الكبيرة في السن وجداتهم؛ وقد سجلوا شهادات عن الترحيل المؤلم خلال حربي عامي 1948 و1967. لقد تبين أن هوية اللاجئ لدى هؤلاء الطلاب؛ وهم أشخاص محرومون من الموارد والحقوق ويتمسكون بالأمل لاستصلاحها واستعادتها، متجذرة  في معرفة  الحياة ما قبل النكبة، وإنها تتعزز عبر التمارين المتصلة بتلك الدورة. ومثل الكثير؛ تلك الهوية ﻻ تنفصل عن المستقبل المنشود والذي تتضح تفاصيله عبر ممارسات جمع وتسجيل المعرفة، من خلال التصوير والخضوع للتصوير، ومن خلال المفاتيح الصدئة الضخمة الخاصة بالبيوت المهدمة، والمحفوظة منذ مدة طويلة، ومن خلال جمع قصص تاريخهم وتحويلها إلى كتب.

إن كل هذا التاريخ الشفوي والأرشيفات الشعبية تظل وتبقى تجارب ملازمة للمهمشين والفقراء، الذين لا صوت لهم في المفاوضات السياسية، ومثلما كتبت لالا خليلي عن ممارسة الذاكرة للاجئين الفلسطينيين في لبنان:

الممارسات التذكارية في المخيمات أصبحت إدعاءات عامة تعكس الوعي الذاتي للاجئين وإعادة التأكيد على شرعية مطالبهم في دخولهم في الحكومة الوطنية على قاعدة انتمائهم لجالية وطنية فرعية. ومن خلال وضع القرية في قلب الأمة، فإن الطابع المحلي للممارسات التذكارية الشعبية - والتي تشهد القرية في تواريخ وقصص الأسرة، صور إثنية شعبية، وروايات محكية – وتحديات التهميش السياسي في مرحلة ما بعد أوسلو.[ii]

لقد تزايدت مثل هذه المشاريع من حيث العدد والمجال في التسعينات، وتلاحظ خليلي، أنها جاءت بشكل كبير ردا على القيادة الوطنية التي حاولت أن "تجس النبض " حول التخلي عن حق العودة".[iii]

والذي يبرز في هذا الدليل القصير جدا حول أنواع المشاريع التي أكد فيها اللاجئون على حضورهم، والإصرار على حقوقهم، والتعبير عن الأهمية السياسية والثقافية لتجاربهم، وعلى شخصيتهم الدولية العميقة، هذه "الدولانية" تعتمد بوضوح، جزئيا، على الحقيقة ذاتها، وهي إن اللاجئين الفلسطينيين هم منتج عالمي؛ لكن السياسة الفلسطينية، وحتى الهوية الثقافية الفلسطينية، كانت دولية منذ فترة طويلة، في أحد الأجزاء بسبب الظروف الفريدة التي تطورت فيها القومية الفلسطينية. فلقد تم إحباط التطلعات الفلسطينية من أجل الاستقلال ببصمة عالمية – وبضمنها الإمبراطورية البريطانية، إسرائيل والولايات المتحدة – والصيرورة القومية الفلسطينية كانت أيضا موجهة إلى جمهور دولي، كما تجسدت في عصبة الأمم، ومن ثم في الأمم المتحدة، و"الرأي العام العالمي"، وكذلك العالم العربي والإسلامي. إضافة لذلك، اقتصاديات اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية وبلدان أخرى، وفي الأراضي المحتلة التي كانت معتمدة على الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية العالمية الأخرى.

وقد لعب التطور التكنولوجي في وسائل الإعلام دورا أيضا؛ فقد عرضت القومية الفلسطينية وأعلنت على المسرح الدولي، في البداية عبر وسائل الإعلام العالمية المطبوعة، وأخيرا عبر الراديو ووسائل الإعلام الالكترونية المعولمة، وخاصة التلفزيون، الفضائيات والإنترنت. ومع تنامي القدرة على الوصول للإنترنت والتكنولوجيا ذات العلاقة في أوساط الفلسطينيين، وبين النشطاء الشعبيين والباحثين؛ كلها شكلت أساسا للتمكن من تطوير أرشيفات اللاجئين، وتسهيل الربط فيما بينهم، ووجود صيغ متعددة للتفاعل الإعلامي لإنتاج إمكانيات جديدة من الفعل السياسي، وامكانية الوصول إلى أنواع جديدة من اللاعبين السياسيين – بما في ذلك اللاجئين والشباب – تماما مع مجموعات التضامن الدولية.

مع كل مرحلة جديدة من تاريخهم، ومع كل صيغة جديدة لتشتيتهم، ومع الاضطهاد والحكم الذاتي؛ طور الفلسطينيون أنماط جديدة من وسائل الإعلام، تقنيات مبتكرة للإرسال، وصيغ إبداعية من التمثيل، وكل تغيير في مصفوفة دائرة السفر الوطنية والعالمية وفي الاتصال أنتجا الإمكانيات لتشكيل مجموعات تضامن جديدة، واتصالات دولية جديدة، طرق جديدة لاستدعاء العامة والتعجيل بتحقيق أهداف سياسية وثقافية.

ومع دخول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس سنته الأربعين، ومع عبور الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة، لا زال مصير أكثر من ستة ملايين لاجئ عالقا بدون حل. وقد كتبت عالمة الإنسانيات آنا سينج: "الثقافات تشترك في الإنتاج بشكل مستمر.. في النوعيات المبدعة وغير المستقرة وغير المتساوية والتفاعلات الصعبة للاختلاف."

وإذا كان مستقبل اللاجئين غير واضح؛ فمن المؤكد ان هذه التفاعلات المبدعة ﻻ زالت تتفتح وتزهر، والجهود المتواصلة ستؤكد في كل مكان وبكل تعبير ممكن ومتوفر، بأن حالة الوضع الراهن العالقة غير مقبولة.
 _________________

د. لوري ألين هي عالمة أنثروبولوجية، حصلت على درجة الدكتوراة من جامعة شيكاغو، وتعمل حاليا محاضرة في أكاديمية هارفارد للدراسات الدولية.

 

هوامـــش

[i]            أنظر/ي، على سبيل المثال، Alessandra Sanguinetti’s photography at http://www.arteeast.org/

[ii]           لالا خليلي: "الذكريات الشعبية: تذكر الأرض في مخيمات لبنان"، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 34، رقم 1 (خريف 2004) ص ص. 6-22.

[iii]           المصدر السابق ص 10.