إسرائيل لم تنتصر في حرب 1948

إسرائيل لم تنتصر في حرب 1948

بقلم: النائب عيسى قراقع
قراءة في الهجوم الإسرائيلي على المفكر الفلسطيني عزمي بشارة
لماذا عزمي بشارة؟
منذ بروزه كشخصية وطنية ونضالية ذات أفق ديمقراطي وعلماني وليبرالي، شكّل عزمي بشارة مأزقاً كبيراً لإسرائيل بسبب ما لقيت أفكاره من قبول واسع واستقطاب جماهيري ويقظة متجددة وتحدياً حقيقياً للسياسات الإسرائيلية من خلال فضحه لطبيعة وكينونة الدولة العبرية كدولة عنصرية استعمارية، بإصرارها على طابعها كدولة يهودية، وكونها تستمد تشريعاتها من الديانة اليهودية[1].
لقد فضح بشارة التناقضات التي تكتنف الدولة الإسرائيلية، حيث لا يمكن التوفيق بين كونها دولة يهودية وديمقراطية أو بين كونها دولة علمانية ودينية، وبين كونها دولة لمواطنيها وتمييزها ضد مواطنيها العرب أصحاب الأرض الأصليين[2].

 
الهجوم على الدكتور عزمي يستهدف أيضاً العرب الوطنيين داخل إسرائيل، ومع أنه أختير عنواناً لتنفيذ سياسة أعدتها الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على يهودية الدولة ولوضع حد للمطالب العربية ولانتشار ثقافة الاستقلال الذاتي عن مؤسسات الدولة[3].

لقد تنامت الحركة القومية من خلال الأحزاب العربية داخل إسرائيل، ومنها حزب التجمع الديمقراطي بقيادة المفكّر عزمي بشارة، حيث اشتدت الحملة ضد هذه الاحزاب بصورة واضحة بعد انتفاضة أكتوبر في الداخل، وهي انتفاضة قمعتها إسرائيل بالقوة وسقط خلالها 13 شهيداً وعشرات الجرحى، وكانت نقطة تحوّل في السياسة الإسرائيلية تجاه العرب الفلسطينيين الذين لم يترددوا في إظهار انتمائهم للعالم العربي وفي تضامنهم مع كل القضايا العربية القومية والوطنية[4].

الفلسطينيون العرب داخل الخط الأخضر أصبحوا "قنبلة موقوتة" داخل دولة إسرائيل وفق التحليلات الإسرائيلية الاخيرة، وأن دمجهم في الدولة العبرية وبصورة كاملة لم تنجح، كما أن المساواة في المواطنة بين العرب واليهود لم تتحقق، وأصبحوا يشكلون عبئاً كبيراً على الدولة الإسرائيلية التي تحاول تذويبهم وتذويب هويتهم.

إن المقصود من الحملة المسعورة على الدكتور بشارة هو ضرب نمو وطموح الهوية الوطنية الفلسطينية داخل إسرائيل التي لم تستطع نتائج حرب 1948 أن تنتزعهم من انتمائهم و"تؤسرلهم" في غمار الأمر الواقع المفروض بالقوة المادية والافكار العنصرية.


مجدد في الفكر السياسي الفلسطيني.

اعتبر بشارة مجدداً في الفكر السياسي الفلسطيني عندما تمايز في طرحه: "فكرة دولة لجميع مواطنيها". الداعية إلى تحويل إسرائيل إلى دولة لكل المواطنين العرب واليهود بغض النظر عن الدين، أي دولة ديمقراطية علمانية، وبذلك نقل بشارة فكرة المساواة من الحيّز الفردي إلى الحيّز الجماعي القومي[5].

أما على صعيد حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي فقد طرح فكرة الدولة ثنائية القومية رداً على الحل الإسرائيلي القائم على الانفصال، معتبراً أن حل الانفصال في دولتين لن يلبّي حقوق الفلسطينيين، وأن الشعب الفلسطيني سيجري تقسيمه ولن يستوعب حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق قرار 194، ولأن الدولة الفلسطينية المفترضة لن تكون كاملة السيادة وربما لن تكون قابلة للحياة على ضوء الاجراءات والأعمال الإسرائيلية في الضفة وغزة من استيطان وبناء الجدار وأن هذا الواقع سيؤدّي إلى قيام نظام الفصل العنصري "الابارتهايد"[6].

وبذلك، فإن الدكتور عزمي حمل مشروعاً سياسياً تجديدياً وجريئاً، محاولاً تحرير العقلية الإسرائيلية من عنصريتها وعنجهيتها، لتشكّل أفكاره هجوماً على الداخل الإسرائيلي بكل مركّباته وعناصره، مما جعل أوساط يمينية إسرائيلية تشبهه "بحصان طروادة"[7].

تتلخّص أفكار الدكتور عزمي بشارة بما يلي:

1.       قيام دولة لجميع مواطنيها في إسرائيل.

2.       إقامة حكم ثقافي ذاتي للفلسطينيين في الداخل.

3.       إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطينيين التاريخية.

4.       شرعية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

5.       تفنيد شرعية الصهيونية وأطروحاتها على المستويين التاريخي والاخلاقي.


الخطر الاستراتيجي وسؤال الشرعية

وصفت حكومة اسرائيل افكار عزمي بشارة بالخطر الاستراتيجي، وبدت مهزومة تماماً امام هذه الافكار، فلجأت الى الوسائل الامنية القذرة.

وأعتبر الشاباك الاسرائيلي أن افكار بشارة تستهدف نزع الصفة الصهيونية عن دولة إسرائيل من خلال مشروع الديمقراطية الذي يطرحه عبر فكرة دولة لجميع مواطنيها. وقد اعلن جهاز الشاباك الاسرائيلي أن فكرة دولة المواطنين هي فكرة تآمرية على إسرائيل[8]، ودعى "يعقوب بيري" رئيس جهاز الشاباك السابق الى وضع حد لظاهرة عزمي بشارة التي تدخل الى كل بيت فلسطيني بالداخل[9].

إن فكرة دولة لكل مواطنيها طرحت بشكل ساخن سؤال الشرعية على الكيان الاسرائيلي من جديد وبعد ستين عاماً من قيامه، وقدت استند بشارة الى رؤية تقول: ان التفرقة ضد المواطنين العرب تنشأ اساساً من الايدولوجية الصهيونية، ومن التعريف الذاتي الرسمي للدولة التي تعرف نفسها بأنها دولة الشعب اليهودي وليست دولة لجميع مواطنيها.

وعلى هذا الاساس فأن أي فرد من فلسطينيي 1948 يعارض قانون العودة الاسرائيلي الذي يعطي كل يهودي حقاً بالاستقرار باسرائيل بالمقارنة مع إنكار حق العودة الى البلاد على اللاجئين الفلسطينيين يتم اتهامه مباشرة بعدم الولاء لدولة إسرائيل وبتحدي وجودها.

وهذا ما عبر عنه وزير التعليم في حكومة نتينياهو "زفلون هامر" بقوله: إن مفهوم فكرة المواطنة غير متوفر في الصهيونية وإسرائيل وينجم عن ذلك ان المواطنين العرب يعاملون باعتبارهم اجانب أو محتلين في وطنهم[10].

فطرح بشار دولة لكل مواطنيها قد أصاب عصب الايدولوجية الصهيونية وخرافاتها واساطيرها حول أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ولكل الاطروحات التي بنيت على اساسها دولة اسرائيل، وهو تفنيد للحق التي تدعيه اسرائيل في هذه الارض، وان فيها سكاناً اصليين واسرائيل ليست سوى دولة محتلة.

وقد جاء في تقرير مدار الاستراتيجي لعام 2007: انه بعد اندلاع انتفاضة الاقصى وهبت أكتوبر وتغير ما في الخطاب السياسي وسقف المطالب من قبل الاقلية الفلسطينية وبالاساس عدم الرضى من صيغة النظام القائم، وتنامي المطالبة باقامة دولة لكل مواطنيها، والمطالبة باوتونوميا ثقافيه والاعتراف بهم كأقلية قومية، أخذ المجتمع الاسرائيلي وقيادته يعتبر ذلك شكلاً من أشكال التهديد المباشر على الطابع اليهودي للدولة، أي على الهيمنة اليهودية في الدولة[11].   

أما الخطر الاستراتيجي الثاني الذي رأته إسرائيل في اطروحات عزمي بشارة هو اتهامها بالتفرقة العنصرية وتشبيهها بنظام الابرتهايد، بسبب التمييز الشامل ضد العرب في إسرائيل لأبقائهم في أسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي، ولدفعهم نحو الهجرة أو الاستسلام للسياسة الاسرائيلية.

إن دولة إسرائيل ما فتئت تبذل الجهود لترسيخ دونية الاقلية الفلسطينية سياسياً وأقتصادياً وأجتماعياً، وما زالت تمارس كافة الوسائل لاعاقة بناء المؤسسات الوطنية والسياسية، وتحاول بشتى الطرق شرذمة أبناء الاقلية بهدف ترسيخ تبعيتهم بدولة إسرائيل في كافة مجالات الحياة وقد اعترف رئيس الوزراء الاسرائيلي أولمرت بوجود تمييز يؤدي الى الاجحاف بحق المواطنيين العرب في إسرائيل[12].

وكان آخر القوانين التمييزية قانون الجنسية القاضي بمنع منح الجنسية للفلسطينيين المتزوجيين من إسرائيليين بذريعة أنها تشكل خطراً على امن إسرائيل[13].

إسرائيل لم تنتصر في حرب 1948      

إطروحات الدكتور عزمي بشارة أوضحت أن إسرائيل رغم سيطرتها العسكرية على المناطق الفلسطينية في حرب 1948 وطرد الفلسطينيين بالقوة والمذابح، لا زالت هويتها في قلق وإستقرارها يشوبه الرعب وينتابها حسابات صعبة حول مستقبلها.

فهي لم تنتصر على إرادة وروح الانتماء الوطني للفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم وقراهم صامدين يقاومون سياسة شطبهم ومحوهم الانساني والثقافي. كأن حرب 1948 لم تنته حتى الان، والصراع يتجدد ويزداد تعقيداً، وهذا ما دفع رئيس جهاز الامن الاسرائيلي "ديسكن" الى القول علناً: ان العرب في إسرائيل باتوا يشكلون خطراً على دولة إسرائيل[14].

إطروحات عزمي بشارة أوضحت أن حكومة إسرائيل تعيش حالة من الهوس الامني والوجودي من خلال قضيتين أساسيتين باتتا الشغل الشاغل الان لدى المحلليين والخبراء الاسرائيليين وهما:

الاولى: دعوة عزمي بشارة الى إقامة دولة ثنائية القومية بعد ان اتضح عدم جدية حكومة إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية بحدود عام 1967 وفي ظل تحويل الاراضي المحتلة الى معازل وكانتونات وإنكار حق العودة للاجئين الفلسطينيين كحق تاريخي مقرر أممياً ودولياً. ولهذه الاطروحة إسقاطات على الخطاب السياسي للأقلية الفلسطينية في إسرائيل وعلى علاقتهم بالدولة وببقية أبناء الشعب الفلسطيني.

الثانية: هاجس القنبلة الديموغرافية بسبب تنامي نسبة السكان الفلسطينيين في إسرائيل وفي الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 مما يهدد باختفاء الدولة اليهودية الصيهونية وانتهاء الحلم الصهيوني.

ومنذ سنوات عديدة تناقش في الأوساط الاسرائيلية الرسمية قضية ما يسمى"الخطر الديموغرافي" وضرورة الحفاظ على الاغلبية اليهودية كشرط أساسي لبقائها، ويلقى هذا التوجه إجماع صهيوني يصاحبه تنفيذ سياسيات تهدف الى تكريس حالة اللامواطنة للعرب الفلسطينيين في الداخل، وتهديدات بترحيلهم من إسرائيل الى مناطق السلطة أو ما يسمى بتبادل السكان مع المستوطنات.

وفي استطلاع أجرته صحيفة معاريف يوم 6/10/2000 جاء فيه أن 60% من المستجوبين اليهود يريدون ترحيل "ترانسفير" كل عرب إسرائيل الى خارج إسرائيل، وترى النسبة ذاتها أن المواطنيين العرب يشكلون خطراً على أمن الدولة[15].

وفي نتائج مسح قام به مركز" مدى الكرمل" في حيفا سنة 2005 أفاد بتزايد عملية التشريع العنصرية التي تمس بالاقلية العربية في الكنيست الاسرائيلي[16].

يبدو أن المعركة التي تقودها اسرائيل ضد أفكار بشارة أشد قسوة من المعركة العسكرية، فهي معركة الوعي بين هوية وطنية متجذرة في الارض والذاكرة وبين هوية زائفة مسلحة بالقوة والعنصرية.

واضح حتى الان أن حرب 1948 لم تضع أوزارها، ولم تصبح النكبة ذكرى وصدى في النسيان، فعلى الارض تتفتح قوى وعي قومي جديدة لم يحسب الاسرائيليون حسابها.

إن خطورة أفكار بشارة على الكيان الاسرائيلي وما أحدثته من تحولات في المجتمع الاسرائيلي دفعت عضو الكنيست "عتنئيل شنلر" الى إرسال رسالة الى رئيس جامعة "بار إيلان" يطالب فيها بالغاء تدريس مقالات عزمي بشارة في كلية العلوم السياسية للطلاب اليهود في هذه الجامعة[17].

لم تجلب حرب 1948 التي أسماها الاسرائيليون معركة الاستقلال استقلالاً فعلياً للاسرائيلين الذين بدأوا من جديد يخوضونها مع عزمي بشارة وأجياله وتلاميذه وأفكاره.

وقد أعترف بذلك نائب رئيس الشاباك السابق "يسرائيل حسونة" بقوله "إذا لم نستيقظ من سباتنا فإننا سنضطر إلى محاربة العرب في إسرائيل من أجل الحصول مرة أخرى على إستقلالنا، وستكون هذه الحرب بالنسبة لنا حرب الاستقلال الثانية ضد عرب إسرائيل"[18].

هذه الحقيقة تؤكد ما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش: ليس الاقوياء وحدهم من يكتب التاريخ.
________________________________
المراجـــع
[1] ماجد كيالي، قضية عزمي بشارة وتناقضات الهوية الاسرائيلية، القدس، 26/4/2007، ص 19.
[2] المرجع السابق.
[3] أمير مخول، في قضية عزمي بشارة والحملة على فلسطيني 48، الايام، ملحق المشهد الاسرائيلي، 17/4/2007، ص 2.
[4] علي الخليلي، قضية عزمي بشارة، الايام، 19/4/2007، ص 9.
[5] المرجع السابق.
[6] ماجد كيالي، مرجع سابق.
[7] نائب رئيس الشاباك السابق: علينا التحضير لحرب الاستقلال الثانية ضد عرب إسرائيل، القدس، 28/4/2007، ص 4.
[8] المرجع السابق.
[9] عزمي بشارة في مواجهة حرب التصفية السياسية، أفاق برلمانية، 30/4/2007، عدد 2، ص 1.
[10] نور الدين مصالحة، أرض اكثر عرب اقل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1997، ص 174.
[11] تقرير مدار الاستراتيجي 2007، ص 166.
[12] أولمرت يعترف بوجود تمييز يؤدي الى الاجحاف بحق المواطنيين العرب في إسرائيل، القدس، 11/5/2007، ص 1.
[13] تقرير مدار الاستراتيجي 2007، ص 172-173.
[14] عزمي في مواجهة حرب التصفية السياسية، مرجع سابق.
[15] تقرير مدار الاستراتيجي 2005، ص 274.
[16] الكنيست الـ 16 الاكثر عنصرية إتجاه الأقلية الفلسطينية، الايام، ملحق المشهد الاسرائيلي، 17/4/2007، ص 2.
[17] مطالبة بحذف مقالات بشارة التي تدرس في الجامعات الاسرائيلية، فصل المقال، عدد 516، 11/5/2007، ص 8.
[18] نائب رئيس الشاباك، مرجع سابق.