طباعة

ملاحظتان على هامش ذكرى النكبة وهامش فلسطينيتنا

ملاحظتان على هامش ذكرى النكبة وهامش فلسطينيتنا

بقلم: النائب محمد بركة

هكذا صمدنا وهكذا نواصل
ليس سهلا أن تكون فلسطينيا.

فلسطينيتنا نحن الباقون في الوطن ليست الأقسى، ولكن فيها من القسوة والعنصرية وظلم ذوي القربى أيضا.. ما يكفي لإدخال بعض الحرج إلى الشامتين بنا.
ويبقى مشروعنا الأول هو البقاء والتجذر في ارض الوطن وبناء القامة واللغة والنهج الدؤوب بمسميات مكاننا في مواجهة التحريض والانتحال الصهيوني.

مشروع البقاء هو حقنا كأفراد وكجموع

مشروع البقاء هو ردنا على الاقتلاع
 

 
مشروع البقاء هو مساهمتنا من موقعنا المختلف والمتميز في أنطاق روايتنا الفلسطينية.

نحن نعلم ان هذا المشروع مكلف.. وحتى أنه الثمن المنوط به قد يعكر المزاج.. ولكن هذا "هي بلادي وإن جارت عليّ عزيزة"... أو بلغة الحب عند محمود درويش: عيونك شوكة في القلب.. توجعني وأعبدها".

تحاول المؤسسة الحاكمة في بلادنا دائما ترسيخ حالة دونية عندنا في الأرض وفي الاقتصاد وفي التعليم وفي الرواية وفي التحريض العنصري.

وهي تحاول تسمين الخوف في قلوبنا "وتلقينا دروسا" من خلال الضرب على حلقات ضعيفة في كينونتنا وفي ادائنا. يدّعون في إسرائيل إننا نمر مرحلة "فلسطنة"، والحقيقة أننا نتمسك ونستعيد ما حاولوا إهداره من فلسطيننا.

إن طريقنا منذ النكبة مرصوف بالمعاناة ومرصّع بالبطولات الصغيرة.. والكبيرة.. من مقاومة التهجير في العام 1948 إلى مجزرة كفر قاسم إلى إقامة الجبهة الشعبية في أواخر الخمسينيات إلى إسقاط الحكم العسكري، إلى الثقة بالمستقبل، رغم هزيمة 1967، (أمس لم نطفُ على حفنة ماء.. ولذا لن نغرق الساعة في حفنة ماء) إلى تشييد مؤسساتنا الوطنية إلى يوم الأرض، إلى مؤتمر الجماهير العربية في العام 1981، الذي حظر رئيس الحكومة الأسبق مناحيم بيغن انعقاده بموجب أنظمة الطوارئ، إلى مآثر مخيمات العمل التطوعي في مدينة الناصرة، ناصرة توفيق زياد، التي خرّجت أجيالا من المناضلين من أبناء شعبنا في الجليل والمثلث والنقب، وحتى من الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى إطلاق حركة الاحتجاج ضد حرب لبنان الأولى، إلى الوقوف الفاعل إلى جانب شعبنا في الانتفاضة الأولى والثانية.

لقد رفضنا ان يكون حالنا كحال فتى المتنبي، حتى عندما أنكرنا شعبنا وأمتنا، لم نشعر أننا مقطوعين من شجرة. عافيتنا وكبرياؤنا وقامتنا وبقاؤنا لم يولدوا في عصر الفضائيات، إنما خرجت من هتاف توفيق زياد (هنا باقون) ومحمود درويش، (سجل أنا عربي) وسميح القاسم (والى آخر نبض في عروقي سأقاوم.. منتصب القائمة أمشي).

إلى جانب هذا الكبرياء عرفنا وما زلنا نعرف ان مواصفات نضالنا غير تلك التي يعيشها أبناء شعبنا في الشتات وفي الضفة والقطاع.

نحن امتداد لشعبنا، ولكن وسائلنا ليس امتدادا لوسائله، إننا نعتقد ان مساهمتنا في إخراج عشرة آلاف متظاهر في تل أبيب ضد حرب لبنان الأخيرة، أهم ألف مرة من مواعظ قومجية في فضائية عربية، وأنا أصر على أن ليس كل العرب حلفائي، وليس كل اليهود أعدائي.

العرب المتصهينون والمتأمركون ليسوا جزءا من مشروعي الوطني، رغم أنني أعمل جاهدا ليلتحقوا بهذا المشروع، أما اليهود الذين يتظاهرون ضد الجدار وضد حصار الشعب الفلسطيني وضد حروب إسرائيل وإن كانوا قلة، فأولئك إخوتي.

النكبة لم تكن قدرا.. وعقلية النكبة ليست غضبا سماويا، لنكون مسكونين فيها متلفعين بضوضاء عاجزة، قلنا ونقول: نحن لا نسكن في هذا الوطن وحسب، وإنما نحن مسكونون فيه إلى يوم الدين.

أدلجة اليأس وقلة الحيلة والدولة الواحدة

لا شك أن خارطة الاحتلال وممارساته في الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967، تحاول تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة في كامل الضفة والقطاع والقدس العربية.

إن الجدار والحواجز والمستوطنات والحصار والعزل ترسم بالدم والقمع واقعا جيو- سياسياً، يثقل على النضال لإحراز الاستقلال الوطني للشعب الفلسطيني، يجعله شاقاً أكثر، ومُمضا أكثر ويحتاج إلى تضحيات أكثر.

لا بل فإن الواقع الإقليمي والدولي وأهزوجة الارهاب الأمريكية وتفاني الأنظمة العربية في خدمة رؤية بوش (الأغبياء لا يحملون رؤية إجمالا) تثقل أكثر وأكثر على هذا النضال.

هذا الإثقال قد يولد إحباطا ويأساً عند البعض، ولكن إعلان اليأس والنكوص عن المواجهة قد يبدو محرجاً، فيقوم بعض هذا البعض بأدلجة اليأس على نحو يجري فيه الإقرار بالواقع الجيو -سياسي، الذي فرضه الاحتلال كقدر لا مفر منه، وكحال يستوجب وقفة صياغة الشعار السياسي، والهروب إلى أمام نحو شعار الدولة الواحدة.

الدولة الواحدة حلم مفعم ومثقل بتضاريس الوطن ومسمياته، وهو حلم الماركسيين واليساريين.

ولكن ثمة إلحاح لأسئلة لا تحتاج إلى أجوبة:

هل وقف الفلسطينيون مائة عام في وجه المشروع الصهيوني من أجل اختزال حلمهم الوطني في مواطنة متساوية في دولة واحدة.

هل الاستقلال الوطني ليس سوى إحدى الوسائل للخروج من المعاناة الفلسطينية، وعليه لا في اعتماد بدائل أخرى، أم أنه القيمة الأولى لشعب يعاني من الاستعمار والاحتلال؟

هل سيكون أسهل على الأيديولوجية المهيمنة في إسرائيل (الصهيونية)، التي ترى في الفلسطينيين عبئا ديمغرافيا، أن تقبل بمشروع المشاركة المدنية مع الفلسطينيين؟

هل يكفي إعلان المواطنة المتساوية لتجاوز مسألة الهيمنة الإسرائيلية على القوة العسكرية، وعلى القوة الاقتصادية (معدل الدخل للفرد الواحد في إسرائيل 18 ألف دولار، وفي الضفة والقطاع 800 دولار) أم أن المقصود بالدولة الواحدة أن يلعب فيها الفلسطينيون دور العبيد بمحض ارادتهم.

بين الابتهال للفرج الأمريكي، وبين التوغل في اتفاق عبثي، هناك الطريق الكفاحي الطويل المتعب، ولكن الذي يقود إلى الحرية، هكذا في الجزائر، وهكذا في فيتنام وهكذا في جنوب لبنان، وهكذا في جنوب أفريقيا، وهكذا في كوبا وهكذا في فنزويلا.

كل ما في الأمر هو أن علينا الاستفادة من الدروس، وأن يكون عملنا دافعا عنها وعن عدالتها وعن قيمها.

شعبنا ليس أفضل شعب في العالم، ولكن لا يوجد شعب في العالم أفضل من شعبنا.. هذا ما قاله توفيق زياد.
_______________________________

النائب محمد بركة
رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة