قــراءة في وثائــق التصــور المستقبلــي للفلسطينييــن داخــل إسرائيـــل

قــراءة في وثائــق التصــور المستقبلــي للفلسطينييــن داخــل إسرائيـــل

بقلم:   شوقــي العيســـة

خلفيــــة

 هذه المجموعة من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية هم أناس يعيشون في وطنهم ، كانوا وما يزالوا. قامت حركة أجنبية (الحركة الصهيونية) بنقل مجموعات (إثنية دينية) من أتباعهم إلى فلسطين بالقوة وبمساعدة الحكومة الأجنبية (البريطانية) التي تسيطر على البلاد، دون أن يكون هناك أية أرضية قانونية تسمح لهم بذلك.

وبدون تواطؤ الحكومة البريطانية التي عملت بناء على وعد بلفور البريطاني ما كان لهم القدرة على تحقيق ذلك. من ناحية أخرى استغلت الحركة الصهيونية مجازر النازية ضد اليهود والنزعة اللاسامية في أوروبا في ذلك الوقت لتضليل اليهود وجلبهم إلى فلسطين، ثم قامت الأمم المتحدة التي أسست حديثا وقتذاك، على أنقاض الحرب العالمية الثانية لتحافظ على ميزان القوى العالمي بين المنتصرين في الحرب. قامت هذه المنظمة الدولية باتخاذ قرار حمل الرقم (181) على أساس موازين القوى وليس على أساس قانوني عادل ودون اخذ موقف شعب فلسطين بالاعتبار، بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا القرار والعمل على تنفيذه اندلاع صراع مسلح.

وبما أن الشعب الفلسطيني كان ضعيفا ويعيش تحت الاحتلال البريطاني وقبله التركي، وحلفاؤه من الدول العربية المجاورة كانوا أيضا في حالة ضعف والذي استقل منهم لم يتخلص بعد من الهيمنة الاستعمارية، فقد دار الصراع المسلح بين حوالي 45 ألف عربي بما في ذلك الفلسطينيين وجميع هؤلاء بدون تنظيم جيد وبدون تسليح كافي وبدون تنسيق بل وحتى بخلافات حادة وصلت إلى الخلاف حول إهدافهم، وبين حوالي 95 ألف جندي صهيوني مسلحين بشكل أكثر من جيد ومدربين جيدا ولهم قيادة مركزية مؤهلة ودعم واسع من الدول العظمى وخاصة بريطانيا. ونتيجة ذلك كانت بالضرورة انتصار الحركة الصهيونية وقيامها بتهجير مبرمج لغالبية الشعب الفلسطيني، استخدمت لتحقيقه العديد من الأساليب بما في ذلك المجازر البشعة، وأقاموا دولة اختاروا لها اسم "إسرائيل". ولكن ليس على أساس قرار الأمم المتحدة (181)، بل أقاموها على كل الأراضي التي سيطروا عليها نتيجة النزاع المسلح والتي تمثل حوالي 78 % من مساحة فلسطين التاريخية، وأقاموا داخل هذه الدولة نظام عنصري يضع كل السكان الأصليين الفلسطينيين الذين بقوا في ما أصبح اسمه "دولة إسرائيل" تحت حكم عسكري لمدة تقارب 18 سنة، وبعد ذلك أصبحوا يخضعون لأحكام عنصرية ممنهجة قانونية وعملية وفي كل مناحي الحياة.

 إذا، لا بد من التحديد أن المسؤول عن هذا الظلم الواقع على هؤلاء الفلسطينيين هو أولا الحركة الصهيونية التي أصبحت لاحقا دولة إسرائيل، ثم المملكة البريطانية التي كانت تسيطر على فلسطين كانتداب وعملت ضد مصالح شعب فلسطين بدل الحفاظ على هذه المصالح، وكذلك الأمم المتحدة وباقي الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة. كل يتحمل مسؤولية ما قام به و/أو لا يزال يقوم به، أو ما لم يقم به وكان يجب عليه القيام به، حيث تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بتقديم الدعم والحماية لإسرائيل الخارجة عن القانون والتي ترفض تطبيق قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة والقوانين الدولية وترفض احترام وضمان حقوق الإنسان والمساواة بين مواطنيها، وكذلك مستمرة في احتلال أراضي الغير من الدول المجاورة بالقوة العسكرية.

 

العمــل السياســي الفلسطينــي داخــل إسرائيـــل

منذ قيام إسرائيل وبعد أن استقرت الأوضاع، بدأ الفلسطينيون في داخلها بالتحرك للحفاظ على أنفسهم وضمان مقومات بقائهم والحفاظ على هويتهم العربية الفلسطينية، وكان دور فعال وهام للشيوعيين في هذه المقاومة، في ظل غياب للتيارين الديني والقومي أو على الأقل لم يكن دور يذكر كما هو الحال مع دور الشيوعيين، وتركز العمل بالأساس على صراع البقاء وتنمية الشعور القومي وترسيخ الهوية الثقافية وتحقيق مكاسب حياتية، في ظل العزل الكامل الذي فرضته إسرائيل عليهم عن امتدادهم الفلسطيني والعربي الطبيعيين، وذلك من خلال البلديات والمجالس المحلية والنقابات وغيرها من الهيئات الرسمية بما يسمح به النظام الديمقراطي الشكلي، وبما في ذلك البرلمان (الكنيست)، إضافة إلى العمل التطوعي لمناهضة الحصار الذي فرضته الدولة على الهيئات التي يقودها المناوئون لسياسة الدولة العنصرية. ومع الوقت وبعد انتهاء الأحكام العسكرية زادت فاعلية هذه النشاطات وتوسعت إلى أن تحولت إلى عمل كلاسيكي روتيني. لا بد من الإشارة أيضا إلى بعض المجموعات القومية التي عملت بشكل سري وعلني ورفضت الانخراط في العمل الرسمي من خلال الكنيست وغيرها ولكن تأثير هؤلاء بقي محدودا وليس واسع الانتشار. الدولة العنصرية بدورها حاربت كل هذه النشاطات بمختلف تفرعاتها ولاحقت قياداتها بالاعتقال والتعذيب والإقامات الجبرية وغير ذلك.

مــا بعــد 1967

لقد شكل احتلال عام 1967 محطة هامة في حياة ونشاطات الفلسطينيين في داخل إسرائيل، حيث أصبح بإمكانهم التواصل مع الفلسطينيين في الأراضي التي احتلت عام 67، وهذا أضاف على مسؤولياتهم مهمة دعم ومساندة الفلسطينيين تحت الاحتلال، ولاحقا علاقات محدودة مع منظمة التحرير اتسمت بالتنسيق وليس بالانخراط التنظيمي. من جهة أخرى كثفت المخابرات الإسرائيلية من عملها ضدهم وفرضت في كثير من الأحيان على قادتهم منع الدخول إلى الأراضي المحتلة كما منعت توزيع منشوراتهم في هذه الأراضي، وركزت كذلك على اختراق صفوف هؤلاء الفلسطينيين من خلال التفرقة في التعامل والى حد ما الحقوق والواجبات بين الديانات والطوائف المختلفة. وبدأت تظهر إفرازات اجتماعية واقتصادية، وتبلورت امتدادات لأحزاب صهيونية بينهم وان بشكل صغير في البداية لتنافس الوطنيين على قيادة هذه الشريحة من الشعب الفلسطيني. ولكن ورغم كل شيء ظهر جليا التفاعل الكبير بينهم وبين فلسطينيي المناطق المحتلة. وعلى الصعيد السياسي ظهر بشكل واضح موقف عام داعم لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية الداعي إلى قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967 إلى جانب إسرائيل. واستقرت إلى حد كبير نشاطاتهم السياسية والحياتية بأشكالها المذكورة، وأضيف عليها شكل التظاهرات الجماهيرية الكبيرة التي سقط خلالها العديد من الشهداء في مواجهات مع القوى العسكرية الاسرائيلية مثل ما حدث في ما اصبح يعرف بـ "يوم الأرض" عام 1976، ولكن بشكل عام بقي النشاط دون تغيير أو تطوير ودون الخروج على ما يمكن تسميته (الخطوط الحمراء) التي أصبح متعارفا عليها، إلى أن اندلعت الانتفاضة الأولى في الأراضي المحتلة في كانون أول 1987 .

خلال الانتفاضة، وجد الفلسطينيون في داخل إسرائيل أنفسهم أمام مهام ومسؤوليات كبيرة وهامة تمثلت في القيام بنشاطات دعم ومساندة سياسية ومالية وقانونية وغير ذلك للفلسطينيين المنتفضين ضد الاحتلال. وقاموا بها بشكل مشرف فاق بعض التوقعات، وأظهر فشل الأمن الإسرائيلي في تدجينهم وتطويعهم رغم كل ما قام به على مدى أربعين عاما. التأثير والتأثر المتبادل الذي حصل أثناء الانتفاضة كان ظاهرا بجلاء وأدى إلى خروج العديد من السياسيين هناك من الأحزاب الصهيونية وتشكيل أحزاب فلسطينية في محاولة لتنظيف أنفسهم، وكذلك بسبب الدفعة التي أحدثتها الانتفاضة للفلسطينيين في كل مكان وليس فقط في داخل إسرائيل، إضافة إلى بدء ظهور تيار الدين السياسي، وقد كبرت هذه الهويات السياسية الجديدة وبدأت بالانتشار مع التطورات التي حدثت في المنطقة (اتفاقية اوسلو وظهور حماس كقوة ومعاهدة السلام مع الأردن وإمكانية قيام علاقة علنية مع منظمة التحرير بما في ذلك الجانب المالي إضافة إلى رضى إسرائيل عن قيام البعض بدور الوسيط أو حلقة الوصل مع منظمة التحرير أو مع غيرها من أطراف الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام) وهذا أدى إلى ظهور خارطة سياسية جديدة بين الفلسطينيين في إسرائيل، أنهت إحتكار (إذا جاز التعبير) الشيوعيين على قيادة الجماهير، وأبرزت قوة التيار الديني، وأظهرت دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني، ووجود لتعبيرات سياسية للبرجوازية المحلية، وكذلك للقوميين اليساريين، وظهور مفكرين وأكاديميين يطرحون ما يريدون بدون التزام بسقف برامج الأحزاب والتنظيمات السياسية، وأصبح هناك انفتاح على العالم العربي من خلال الأردن ومصر وبعض دول الخليج، كما لوحظ الشعور المتزايد بالقوة، والبحث عن دور مشارك في الدفاع عن المقدسات الدينية في القدس، وجاءت إحدى التعبيرات عن هذا الشعور بالقوة والانتماء للشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة الثانية، في المظاهرات القوية التي قمعت بدموية وأدت الى سقوط العديد من الشهداء، وأصبحت قضية حقوق الفلسطينيين في إسرائيل بندا حاضرا على أجندات المؤتمرات الاقليمية والدولية.

في الجانب الآخر، أدى كل ذلك إلى حالة استنفار لدى المؤسسة الرسمية الصهيونية الإسرائيلية وبين الأحزاب الصهيونية بكل أنواعها، وأصبح الحديث عن هذا (الخطر) حاضرا في كل المحافل وعقدت المؤتمرات وأجريت الأبحاث والدراسات لمواجهته، وبالتأكيد وضعت الخطط والاستراتيجيات السرية والعلنية لمواجهته، والتي ظهر منها إقرار بعض القوانين العنصرية الجديدة ومواصلة العمل بما كان موجودا منها، والبدء بالقمع السياسي والتجهيز لـ "خطوط حمراء" جديدة، خاصة وان الايدولوجيا الحاكمة في إسرائيل لا تريد الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية في هذه المرحلة أو في المستقبل القريب، اعتمادا على أن موازين القوى الإقليمية والدولية تميل لصالحها أمام ضعف وانقسامات فلسطينية وعربية.

التصــور المستقبلــي: منطقــه ووثائقـــه

امام هذه المعطيات والواقع الناشئ أصبح واجبا على الفلسطينيين في إسرائيل تحديد وحسم تصورهم للمرحلة وماذا يريدون وكيف يحققون ما يريدون، وهذا وضعهم أمام مفترق طرق (إذا جاز التعبير) وأمام خيارات إستراتيجية يمكن إجمالها في التالي: أولا: إعداد تصور على أساس الحل الشامل المبني على العدالة النسبية والذي يحل قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي برمته من خلال قيام دولة واحدة ديمقراطية (علمانية او ثنائية القومية ) على كل فلسطين من البحر الى النهر. ثانيا: تصور على أساس حل يطبق قراري الأمم المتحدة رقم (181) (194). وثالثا: تصور على أساس الحل المطروح على نطاق واسع وهو قيام دولتين في حدود 1967.

وقد قامت الهيئات الممثلة للفلسطينيين في إسرائيل بما في ذلك التنظيمات السياسية وبعض مؤسسات المجتمع المدني والأكاديميين والمثقفين والنشطاء في مختلف الميادين بالتداعي للبحث والنقاش واستمر هذا العمل المكثف إلى أن تمت صياغة وثيقة التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل والتي أدارت العمل عليها اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل وهي الأوسع تمثيلا ويرأسها رئيس لجنة المتابعة العليا التي تضم إضافة إلى اللجنة القطرية أحزاب ومؤسسات، وصدر في أوقات متقاربة مقترح دستور ديمقراطي لإسرائيل عن مركز عدالة، ووثيقة حيفا عن مجموعة من قادة الرأي والباحثين والناشطين ومبادرة من مركز مدى الكرمل.

تأرجحت التصورات في الوثائق بين الحديث عن حقوق مواطنين فردية وجماعية إلى حقوق بإدارة ذاتية لأقلية إلى (حكم ذاتي) بشكل أو بآخر لأقلية قومية في داخل دولة إسرائيل وذلك من خلال ديمقراطية توافقية.

جميع الوثائق انطلقت من الخيار الثالث أعلاه وهو دولة إسرائيل في حدود عام 1967، إلى جانبها دولة فلسطينية إضافة إلى حل لقضية اللاجئين على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194، وبذلك أزاحت عن كاهلها الخوض في الخيارين الأول والثاني أعلاه، كونهم لا يدعون تمثيل الشعب الفلسطيني، وكون هذا الخيار هو البرنامج الرسمي لمنظمة التحرير الممثل الرسمي المعترف به للفلسطينيين، وكذلك خيار حركة حماس إلى حد كبير، وخيارهم هذا يعني أيضا أنهم أرادوا أن يكونوا عمليين يتعاملون مع الواقع القائم وموازين القوى الإقليمية والدولية الحالية، وأضيف هنا إن الخيارين الأوليين لا يوجد بين الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم قوة فاعلة على الأرض (حزب أو تنظيم أو جماعة مقاومة فاعلة) تتبنى هكذا برنامج ويقتصر الحديث في هكذا خيارات على مفكرين وأكاديميين ونشطاء (وأنا منهم إلى حد ما) دون امتداد جماهيري ولذلك لن يكون هذا الطرح عاملا يؤخذ في الحسبان ويحسب له حساب إلى حين قيام هؤلاء بالتعبير عن أنفسهم وبرنامجهم من خلال إطار سياسي جماهيري وعدم الاكتفاء ببذخ نقاشات الصالونات السياسية.

"وثيقــة التصــور المستقبلـــي"

في اعتقادي أنها أهم الوثائق من حيث المشاركين في إعدادها واقصد تنوعهم الفكري والسياسي والاجتماعي وكون الإشراف عليها كان من جهات تمثيلية منتخبة، كما أنها جاءت موسعة ومفصلة وفي مختلف ميادين الحياة بتفاصيل وليس فقط تحديد مواقف، وكأنها برنامج حكومة تقدمه في بداية عملها. وحدد القائمون على التصور أنهم يضعون بين أيدينا خطط إستراتيجية قابلة للتطبيق خلال عشرين سنة، في ثمانية مواضيع في ميادين الحياة المختلفة: وهي أولا: العلاقة مع الدولة، وثانيا: المكانة القانونية للفلسطينيين في اسرائيل؛ وثالثا: الأرض والمسكن؛ ورابعا: التنمية الاقتصادية؛ وخامسا: التنمية الاجتماعية؛ وسادسا: التربية والتعليم؛ وسابعا: المبنى الثقافي؛ وأخيرا: عمل المؤسسات والعمل السياسي المحلي والقطري. وقد خلص أصحاب التصور إلى اعتباره يقدم الإمكانية لاستعمالات مستقبلية عديدة ذكروا منها:

- منتديات وقنوات فكرية للتطوير الاستراتيجي.


- رافعة حوارية جماهيرية تتحدى المجتمع الاسرائيلي بصدق موقفها.


- حملة إعلامية في وسائل الإعلام المحلي والإسرائيلي والعالمي.

- وسيلة ضغط أمام وزارات الدولة ومؤسساتها.

- وبالأساس محرك أولي لتطوير مراحل تطبيقية مستقبلية لتغيير واقع العرب الفلسطينيين في إسرائيل.


وبعد ان انهوا صياغة التصور في المجالات المختلفة قاموا بالاتفاق على نص المنطلق والذي جاء يؤكد : إن تعريف الدولة باليهودية يقصيهم ويضعهم في تصادم مع طبيعة وماهية الدولة، وبعد أن حددوا أنهم الباقون في وطنهم من أبناء الشعب الفلسطيني بعد النكبة أرغموا على حمل الجنسية الاسرائيلية وتحولوا الى اقلية في وطنهم التاريخي ، فإنهم وبعد كل ما حصل لخصوا مطالبهم بالمطالبة بنظام ديمقراطي توافقي يمكنهم من المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار والسلطة لضمان الحقوق القومية والتاريخية والمدنية والجماعية، ويمكن القول أن ملخص المطالب هذا أوردته لاحقا بنفس المحتوى تقريبا الوثائق الأخرى. وأوضحوا في المنطلق ان عملهم على هذا التصور المستقبلي الاستراتيجي يهدف الى الاجابة على السؤال المصيري "من نحن وما الذي نريده".


الورقة الاولى في وثيقة التصور: العرب الفلسطينيون في اسرائيل وعلاقتهم بالدولة. بعد اللمحة التاريخية التي أدت إلى الوضع القائم تم التأكيد هنا أن الدولة أثنية عنصرية دون استخدام مصطلح عنصرية إلا أن الوصف يؤدي إلى هذا الفهم وذلك من خلال ذكر المبادئ التي توجه النظام الاثنوقراطي، ثم تم تحديد ما الذي يتطلع العرب الفلسطينيون اليه كجزء من الدولة والمواطنة الاسرائيلية وهو تحقيق المواطنة الكاملة في الدولة ومؤسساتها وتحقيق ادارة ذاتيه مؤسساتية تضمن لهم حق ادارة شؤونهم الخاصة كمواطنين في مجالات التعليم والثقافة والدين (تم الابتعاد عن تسميتها حكم ذاتي ) وان هذا النظام مبني على اساس الديمقراطية التوافقية ويجسد وجود مجموعتين قوميتين اليهود والفلسطينيين، وينتهي بتحديد سبعة أهداف، تؤدي اذا طبقت الى اعتراف اسرائيل بالمسؤولية عن ( جرائمها ) ابتداء بالنكبة وحتى الان وإصلاح ما حدث ، وفي المحصلة قيام دولة ثنائية القومية بكل ما تعنيه دون تسميتها بهذا الاسم.


الورقة الثانية: المكانة الحقوقية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل. تنطلق من حقيقتين الأولى أنهم أهل البلاد الأصليين والثانية أنهم جزأ لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني، وتؤكد على وجود بعدين أساسيين في تعامل الدولة معهم، البعد الرسمي – القانوني (تمييز مقونن) والبعد الاقتصادي – الاجتماعي. وتتحدث هذه الورقة عن البعد الأول – الحقوقي، الوضع القائم تمييز رسمي على أساس قومي. وتطالب بالمساواة الجماعية – التحولية وتحقيق مساواة وشراكة فعليتين على المستوى القومي – الجماعي، وللوصول إلى ذلك وضعت عشرة مطالب ركزت على أن تتبنى الدولة قوانين مناهضة للتمييز في كافة مناحي الحياة وان تشمل مفوضية أو مفوضيات مستقلة للمساواة وحقوق الإنسان وان تتبنى المواثيق الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان والالتزام بها وذلك في كل المجالات، وكذلك ضمان أن يكون التمثيل والمشاركة على أساس قومي يتضمن حق الفيتو للفلسطينيين في القضايا المتعلقة بهم وإدارة ذاتية في مجالات مختلفة لحياتهم وحق تقرير المصير فيما يتعلق بشؤون حياتهم.

الورقة الثالثة: الأراضي والبناء. تفصل هذه الورقة أشكال التمييز المفرط ضد الفلسطينيين في ملكية الأراضي وفي البناء وتوضح أهداف الدولة العنصرية التي تؤدي الى ذلك. وتوصي من اجل جسر الفجوة في مجالات الأرض والتخطيط والبناء، بتبني مبدأ العدل التوزيعي ضمن ديمقراطية توافقية وإلغاء كل القوانين التي تميز ضدهم، وإلغاء دور الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي واليهود غير الإسرائيليين بشكل عام. ويلاحظ هنا ان هذه الورقة خطت إلى الإمام في الحديث عن الآليات وأشكال النضال اكثر من غيرها وحددت بوضوح ان الآليات والأشكال النضالية السياسية والقضائية المستخدمة حاليا يمكن ان تحقق بعض الأهداف الآنية، ولكن التغيير الشامل البنيوي والوصول الى الأهداف الإستراتيجية مقرون بتغيير أهداف الدولة وتعريفها وهذا يتطلب تبني وسائل نضال مختلفة وعلى رأسها تصعيد النشاط الجماهيري وغير ذلك من اشكال النضال.


أما باقي الأوراق فتؤكد على نفس المعطيات وتصف الواقع القائم كل في مجاله وتقترح بالأساس تشكيل هيئات ولجان متخصصة على أساس قومي للقيام بالأعمال المقترحة، وصولا إلى الورقة السياسية والتي تقدم وصفا للعمل السياسي القائم وتقترح تشكيل هيئات ولجان تنسيقية وتمثيلية وتطوير برامج العمل السياسي لتصل الى مقترح يكرس الحقيقة وهي وجود اقلية قومية ويطالب بتشكيل هيئة تمثيلية وطنية منتخبة للفلسطينيين في اسرائيل.


"الدستـــور الديمقــراطي"

على أهميته إلا انه صدر عن مؤسسة واحدة هي مركز عدالة/ المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، وبالتالي فإن هذه الوثيقة تعبر بالدرجة الأولى عن وجهة نظر القائمين عليها ومن يتفق معهم. وقد احتوى "الدستور الديمقراطي" على صياغات قانونية تعبر عن جزء مما ورد في الوثائق الاخرى، وجاء على شكل دستور مقترح لدولة (اسرائيل) بحلة جديدة وعلى أسس جديدة تتناقض عمليا مع ما هو قائم الآن. وفي اعتقادي، فإن مقدمته كان يجب أن تبقى مقدمة ولا تحمل ترقيم الباب الأول لأنها تتحدث من ضمن ما احتوته عن سبب قيام عدالة بإعداد هذا الدستور وتتحدث عن تجربة جنوب أفريقيا، وعن الانسحاب من المناطق المحتلة عام 67. ثم أبقاء الباب الأول محتويا على المواد والمبادئ والمواقف الأخرى التي تعدد المواثيق الدولية التي تضمن حقوق الإنسان والمساواة والمبادئ التي يقوم الدستور عليها الحرية والمساواة والعدالة، وخصوصية هذه الدولة وضرورة اعترافها بالمسؤولية عن جرائمها وعن النكبة والاحتلال والاعتراف بقرار 194. كذلك يثبت هذا الباب المكانة القانونية لفلسطينيي إسرائيل ويصفهم بالعرب الفلسطينيين مواطني دولة اسرائيل ويطلق عليهم مصطلح (أقلية وطن) (دون أن يوضح المقصود بهذا المصطلح بشكل جلي سواء في المتن أو الحواشي) ويطالب بالاعتراف بحقوقهم على هذا الأساس ويفسر بعد ذلك أنها تشمل إعادة أراضيهم وأملاكهم ومشاركتهم في اتخاذ القرارات وإحقاق حقهم في الحكم الذاتي الثقافي (حصرا) والاعتراف بلغتهم كلغة رسمية، وفي المادة الأخيرة من هذا الباب يعرف الدولة أنها ديمقراطية ثنائية اللغة ومتعددة الثقافات. رغم عدم اطلاعي على النقاشات التي أدت إلى صياغة هذه المواد فإنني اعتقد أنهم صاغوه بهذه الصياغة للابتعاد عن القول أن يهود إسرائيل يشكلون قومية وان الفلسطينيين في إسرائيل يشكلون الإقلية القومية، رغم أنه نص أن الفلسطينيين جزء من الشعب الفلسطيني وامتداد للأمة العربية والحضارة الإسلامية ويتشبثون بهويتهم القومية إلا انه حين يأتي لتعريف الدولة ينص أنها ثنائية اللغة، أعتقد أن ما اتفق عليه في صياغة هذا الباب بحاجة الى مزيد من الدراسة والوضوح.


وفي الباب الثاني في المادة السادسة يطالب بضمان تمثيل لائق للمجموعات القومية مع انه لم يسبق هذه المادة أي ذكر وتحديد للقوميات التي تتكون منها هذه الدولة، خصوصا وانه في شرحه للمادة 20 في الحواشي (6) يفرق بين أقلية وطن وأقلية قومية وأقلية لغوية. واضح أن جهودا كبيره بذلت في العمل على هذا المقترح ودراسات لدساتير دول كثيرة فيها أوضاع مشابهة إلى حد ما، ويجب الإشارة إلى انه ركز على ضمان الحريات الفردية بكل تشعباتها معتمدا على عالمية حقوق الانسان ومتجاوزا القيود الدينية وبعض القيود الثقافية، وظهر واضحا التركيز على خصوصية الدولة (تاريخ مليء بالغبن والظلم ) وضرورة تصحيحه بإعادة أملاك وحقوق لمن حرم منها. في كل الأحوال ورغم أهمية العمل إلا أن الدستور بهذا الشكل هو الخطوة الأخيرة التي لا تزال بعيدة ولا يمكن بدء الحوار فيها قبل تحقيق الاتفاق أو فرضه على الأسس والمطالب الواردة في وثائق التصور الأخرى ونزع السمة العنصرية عن الدولة.


"وثيـــقة حيفـــا"


صيغت "وثيقة حيفا" من قبل مجموعة عمل أعضاؤهما يمكن القول أن مشاربهم الفكرية والاجتماعية والسياسية متقاربة وذلك مما ظهر من عدم احتياجهم إلى التلاعب باللغة والمصطلحات أو البحث عن نقطة التقاء وسطية، ويمكن الملاحظة بوضوح أن الوثيقة سمت الأمور بمسمياتها حسب قناعاتهم ، مثل:


"تؤسس لحوار صريح مع الذات ومع الآخر"


"نقدم تصورنا لمصالحة تاريخية ( ليس مرحلية )"

"علاقة بين الشعب الفلسطيني والشعب اليهودي الإسرائيلي" (أي عدم اعتراف ان اليهود غير الإسرائيليين جزء من الشعب اليهودي الإسرائيلي واعتراف بان يهود إسرائيل يشكلون شعب)

"الاعتراف بحق الشعب اليهودي الإسرائيلي بتقرير مصيره" (في إسرائيل)

وعي بالتاريخ المأساوي لليهود في أوروبا والذي ذروته المحرقة ، رؤيا بان تسخير الكارثة ونتائجها لشرعنة حق اليهود في إقامة دولتهم على حساب الشعب الفلسطيني يختزل قيمة العبر الكونية الإنسانية والأخلاقية من الحدث .

"مجتمعنا يخضع لبنى اجتماعية عائلية وطائفية ومحلية تحد من حريات الأفراد".

"نحترم العائلية، الحق في العبادة، شريطة الا تستغل للمس بحرية الفرد وحقوقه".


"نرفض التعصب بكل أشكاله، الذي يعيق التكافل الاجتماعي وبناء الهوية الوطنية".


"التعصب يخدم الحكومات الإسرائيلية ، ينتج مجتمع تابع وغير مكترث بالصالح العام".

هذه الأمثلة وغيرها تدلل على فهم ومنحى اجتماعي تقدمي وإيديولوجيا غير دينية وقناعات سياسية راسخة لا تحتاج إلى محاولة عدم قولها بوضوح وصراحة، لدى معدي هذه الوثيقة. كذلك حددوا أن الحركة الصهيونية تحمل مشروع كولونيالي – استيطاني وهي تتساوق مع الاستعمار العالمي وان الرجعية العربية تواطأت معها، وأنها ارتكبت مجازر بحق الشعب الفلسطيني، وان إسرائيل دولة عنصرية.

اما ما تضمنته الوثيقة من مطالب وما حددته من حقوق وأسس للمصالحة ومن آليات ومفاهيم ومصطلحات فهي نفسها التي وردت بصيغ قانونية في مشروع عدالة للدستور الديمقراطي (أقلية وطن ، لغتين بالتساوي، إدارة ثقافية ، حق الفيتو (حاول الدستور تضمينه في المادة 20) ، استعادة حقوق ... الخ). وتضيف الوثيقة أن استيفاء كل شروطها للمصالحة التاريخية في إسرائيل سوف يخلق ظروفا سياسية تمكن من بناء الثقة والتعاون والاحترام بين دولة إسرائيل ودولة فلسطين ( في حدود 67)، ويفتح آفاق نحو بناء معاهدات اقتصادية وعلمية وثقافية بينهما وحرية حركة وسكن وعمل بين الدولتين.


خاتمـــة


في اعتقادي، فإن هناك تشابها كبيرا بين كل الوثائق من حيث وصف الواقع والتأكيد على الثوابت والحقائق وتتشابه في المطالب إلى حد كبير ولكن وثيقة التصور المستقبلي مفصلة أكثر وتقترح خطوات محددة مرحلية وإستراتيجية وتتميز بالمطالبة بتغيير وتطوير أشكال النضال لتحقيق الأهداف الإستراتيجية.


وبالمجمل، فإن كل المطالب والتصورات المطروحة على الصعيد الاستراتيجي غير قابلة للتحقيق ضمن موازين القوى الحالية، لأنها تتطلب تغييرا جوهريا في طبيعة دولة إسرائيل يبعدها عن الايدولوجيا الصهيونية العنصرية والتوسعية. لان المطروح باختصار يؤدي إلى قيام دولة ديمقراطية غير يهودية ، ثنائية القومية (جزء من الشعب الفلسطيني ويهود إسرائيل) مع حق الفيتو، وهذا يتطلب تغييرا في أساليب وأشكال النضال لتحقيقه، والاهم تغييرا في موازين القوى الإقليمية والعربية، وهذا سيحدث بحكم الحتمية التاريخية ولكن لا ادري لماذا اختار أصحاب التصور المستقبلي فترة العقدين من الزمان وليس أقل أو أكثر.


__________________


شوقي العيسة هو محام وخبير قانوني ومدير مركز إنسان لحقوق الانسان