التهجير القسري المستمر: الخان الأحمر نموذجاً

التهجير القسري المستمر: الخان الأحمر نموذجاً
بقلم: ولاء شاهين*
تنفذ إسرائيل منذ عام 1948 ولغاية يومنا هذا مجموعة من السياسات الممنهجة، التي ترمي إلى تهجير وترحيل الشعب الفلسطيني من أراضيه بشكل مستمر. وفي سبيل ذلك، تفرض مجموعة من القوانين والسياسات التي تهدف إلى خلق بيئة قهرية تجعل من صمود الفلسطيني أمراً أشبه بالمستحيل.
 
وتبرز هذه السياسات في منع الفلسطينيين من الوصول الى أراضيهم وحرمانهم من الانتفاع بها، وهدم المنازل وترحيل أصحابها، والتمييز في سياسية التخطيط والتنظيم، وحرمان الفلسطينيين من الإقامة والسكن، وسياسات الفصل العنصري وغيرها. هذه السياسات تولي المستعمرين اليهو معاملة تفضيلية مقابل فرض ظروف معيشية قاسية على الفلسطينيين المتواجدين في نفس المنطقة. بذلك، نستنج بأن إسرائيل تستخدم وسائل وآليات غير مباشرة لتهجير السكان الفلسطينيين على عكس سياسات العنف والقوة التي استخدمتها عام 1948 و1967.

وتعتمد اسرائيل اتباع سياسات التهجير القسري الصامت بشكل مستمر لأنها لا تلفت الانتباه، انما تحقق من خلالها التهجير بشكل تراكمي وتدريجي. فعلى سبيل المثال، تتبع اسرائيل استراتيجية منع سكان المناطق "ج" من بناء المنازل والمباني السكنية، دون الحصول على تصريح بناء من الحكومة الإسرائيلية، وتقوم بهدم وإزالة المباني الجديدة المقامة على أراضي المنطقة "ج" بحجة البناء غير المرخص. بجانب ذلك، تمنع أيضاً الخدمات الأساسية عن السكان من ماء وكهرباء والطرق المعبدة، أو إخلاء المنطقة السكنية لفترات قصيرة بحجة التدريبات العسكرية للجنود الاسرائيليين.

تخلق هذه السياسات بيئة معيشية صعبة لسكان مناطق "ج" الامر الذي يؤدي الى تهجيرهم من منازلهم الى مناطق اخرى بحثاً عن بيئة معيشية أفضل، تتوفر فيها خدمات معيشية أفضل. وقد يظهر هذه التهجير على أنه طوعي، إلا أن دراسة السياق الكامل لعملية التهجير تُظهر بأن حرمان الانسان من أدنى مقومات الحياة تأتي ضمن سياق التهجير القسري. ان خلق هكذا بيئة عبر حرمان السكان من حقوقهم الانسانية، يحرم الانسان الفلسطيني من حرية الاختيار، وبالتالي عندما يقرر الانتقال الى منطقة اخرى فان هذا الانتقال لا يعد طويعا، انما شكلا من اشكال التهجير القسري. وتشكل سياسات التهجير القسري التي تتبعها اسرائيل انتهاكاً كبيراً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص في المادة (49): "يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو الى أراضي أي دولة اخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه"
[i]
في العام 2017، قام الكنيست الإسرائيلي بتمرير ما سمي قانون التسوية والذي يقضي بتشريع 40,000 وحدة سكنية في 55 بؤرة استعمارية بنيت على الأراضي التي صادرتها قوات الاحتلال من أصحابها في المنطقة المصنفة "ج" حسب اتفاقات أوسلو. وتشكل هذه المنطقة 60% من مساحة الضفة الغربية. هذا القانون هدف الى توسيع دائرة المصادرة والاستيلاء حيث يجيز للمستعمرين الاستيلاء على الاملاك الفلسطينية الخاصة. وبناءً على هذا القانون قامت اسرائيل بهدم العديد من القرى البدوية الفلسطينية وتهجير سكانها من أراضيهم في مناطق مختلفة في النقب والضفة الغربية وشرق القدس.[ii]

وتسعى اسرائيل في الوقت الحالي إلى تمرير مخطط E-1: المخطط الاستيطاني الاسرائيلي "4/420" الذي أُقر عام 1999 ويقوم على ترحيل جميع التجمعات البدوية الفلسطينية. ويهدف المخطط الإستيطاني E1 الى دمج مستوطنة معالي أدوميم ومدينة القدس معاً، وإحاطة المدينة بالمستوطنات الاسرائيلية، مما يؤدي الى فصل الضفة الغربية الى منطقتين[iii]، الأمر الذي يشكل انتهاكاً لأحكام المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.

وتعتبر قرية الخان الأحمر واحدة من القرى التي تستهدفها اسرائيل وتسعى الى تهجير سكانها وترحيلهم. وتقع قرية الخان الأحمر على امتداد الطريق السريع شرق القدس – أريحا، بالقرب من مستوطنة معالي أدوميم، ضمن منطقة E1، وتضم قرية الخان الأحمر 180 لاجئ فلسطيني، من قبيلة الجهالين البدوية التي تعود أصولها الى منطقة تل عراد في النقب وهي من القرى الفلسطينية المحتلة 1948 الذين هجرهم منها الجيش الاسرائيلي.

ومن أجل تهجيرهم مرة أخرى، فرضت إسرائيل جملة من السياسات الممنهجة تجاه سكان قرية الخان الأحمر بهدف إجبار الأشخاص والعائلات على مغادرة منازلهم وقراهم، حيث منعت السكان من الرعي في بادية القدس، وحرمتهم من مصادر المياه في وداي القلط القريب من القرية، والخدمات المعيشية الأساسية كالكهرباء والماء وشبكات الإتصال والطرقات، ومنعت سكان القرية من إدخال أي مستلزمات تساعد في تخفيف حرارة الصيف على السكان، وتقوم بتفتيش المركبات التي تدخل وتخرج بدقة، هذا وقد هدمت قوات الاحتلال 35 منشأة بين عامي 2015 و2017.[iv]

وقد أدت مجموعة هذه السياسات إلى خلق بيئة معيشية قاهرة لا تُحتمل والى حرمان سكان القرية من حقوقهم بشكل كامل، الأمر الذي يتنافى مع جميع القواعد والضوابط القانونية الدولية.

وفي الوقت الذي يواجه فيه سكان الخان الأحمر سياسات التهجير والبيئة القهرية التي خلفتها إسرائيل وبصمدون في أرضهم، يتعرض سكان الخان الأحمر لعمليات هدم للتجمع والاعتداءات المستمرة من جيش الاحتلال منذ العام 2012، حيث كان من المقرر هدم القرية من قبل الاحتلال بحجة البناء غير القانوني. وفي عام 2017 قامت السلطات العسكرية الاسرائيلية في الضفة الغربية بإخطار سكان الخان الأحمر للخروج من القرية والانتقال الى منطقة الجبل، - وهو موقع قريب من مكب النفايات في بلدة ابو ديس-، وتم تجميد قرار المحكمة العليا الاسرائيلية في تاريخ 25 تموز 2018. وفي شهر أيلول 2018 أصدرت المحكمة قرار إخلاء وهدم قرية الخان الاحمر والمدرسة مع إمهال سكانها مدة شهر للخروج من تاريخ إصدار القرار، ويعاني سكان الخان الأحمر بعد قرار محكمة العدل العليا للاحتلال من الطرد والإخلاء من القرية لتوسيع المشاريع الاستيطانية في تلك المنطقة. كما قام الاحتلال بتسليمهم إخطار لمدة شهر لهدم منازلهم ذاتياً أو سيقوم الاحتلال بهدمه بموجب قرار محكمة العدل العليا.

لاقى قرار محكمة العدل العليا للاحتلال بخصوص هدم قرية الخان الأحمر رفضاً شعبياً فلسطينياً بشكل عام، ومن سكان قرية الخان الأحمر بشكل خاص، حيث اعتصم سكان القرية يساندهم في ذلك مجموعات شبابية من الفلسطينيين في موقع القرية من أجل مواجهة تهجير السكان.

إن سياسات التهجير القسري التي تنفذها إسرائيل ضد السكان الفلسطينيين، لا تقتصر على الخان الأحمر، حيث تأتي هذه السياسات ضمن نطاق يسعى الى السيطرة على اكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السكان الفلسطينيين. وعليه ومن أجل مواجهة السياسات الاستعمارية الإسرائيلية، يجب تطوير برنامج وطني يعالج جذور الصراع مع الحركة الصهيونية وإسرائيل من جهة، ويعمل على تعزيز صمود الفلسطينيين في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
 

[i] سلسلة أوراق عمل بديل: التهجير القسري للسكان: الحالة الفلسطينية، مصادرة الأراضي وحرمان أصحابها من التصرف والانتفاع بها، الترحيل القسري at https://goo.gl/Y622B5
[ii] "قانون التسوية" الاسرائيلي تقنين لسياسات اسرائيل الاستعمارية at https://goo.gl/FhKc8u
[iii] جريمة تهجير الفلسطينيين: تقرير مقدم الى لجنة التحكيق الدولية المشكّلة بموجب القرار الصادر عن مجلس حقوق الانسان التابع للام المتحدة رقم دإ 21/1، 5,3 الترحيل القسري: 62
[iv] https://goo.gl/cu7xZs
 ------------------------
* ولاء شاهين: باحثة متطوعة في مركز بديل