قانون القومية: مقاربة مع جنوب أفريقيا

قانون القومية: مقاربة مع جنوب أفريقيا
بقلم: احمد هماش*
تسعى اسرائيل، منذ نشأتها على أنقاض الشعب الفلسطيني عام 1948، إلى السيطرة على أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السُكان الفلسطينيين. وضمن هذا السياق الاستعماري، تستخدم اسرائيل جملة من السياسات والقوانين والاجراءات التي تهدف إلى تحقيق هذه الغاية، سواء من خلال استخدام القوة العسكرية لطرد السكان الفلسطينيين، أو من خلال القوانين والسياسات التي تسنها بين فترة وأخرى.
 
ويُعتبر قانون القومية الذي صادق عليه الكنيست الاسرائيلي مؤخراً في حزيران 2018، واحداً من مجموعة القوانين والوسائل العنصرية التي تستخدمها اسرائيل في تفريغ الأرض من السكان. وتكمن خطورته في أن اسرائيل قد أنكرت حق الوجود الفلسطيني على  هذه الأرض، وحصرت حق تقرير المصير  بـ "الشعب اليهودي"، الأمر الذي يفتح الأبواب أمام المزيد من الهجرة اليهودية وما أطلق عليه القانون "لم الشتات اليهودي".

إن السياسات الاستعمارية التي تمارسها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني منذ أكثر من سبعين عاماً، تتشابه (ولا نقول تتماثل) إلى حد كبير مع العديد من الممارسات الاستعمارية في دول عديدة. ولعل أسرع ما يتبادر إلى الذهن في هذه الحالة هو حقبة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والتي عمل خلالها نظام الفصل العنصري على عزل السكان الأصليين في بانتستونات (معازل) خاصة ومنعهم من التوسع، وتهجيرهم بشكل مستمر، وفرض لغة المستعمر عليهم، وغيرها من السياسات الاستعمارية.

يأتي هذا المقال للمقاربة بين الحالة الاستعمارية والعنصرية في فلسطين وما تعرض له السكان الأصليين في جنوب أفريقيا، بهدف استخلاص العبر والدروس، وتحديد الادوات والآليات اللازمة ليس لمواجهة قانون القومية فحسب، وانما لتفكيك المنظومة الاستعمارية الصهيونية برمتها. كما أنه سيحاول استعراض بعض الثغرات في معالجة جذور الصراع في نموذج جنوب أفريقيا، ومدى ملائمة هذا النموذج للحالة الفلسطينية.

جنوب أفريقيا وفلسطين: مقاربة
تتشابه العديد من السياسات والقوانين والممارسات العنصرية التي مارسها الأوروبيون منذ لحظة وصولهم إلى جنوب أفريقيا في ماهيتها وغايتها مع ممارسات الحركة الصهيونية ولاحقاً اسرائيل بحق الفلسطينيين. وكباقي حالات الاستعمار، أنكر المستعمرون في جنوب أفريقيا وفلسطين وجود السكان الأصليين، وادعوا بأنهم من قاموا بإعمار وتطوير الأرض. ويبرز ذلك في المقولة الصهيونية الشهيرة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"

وقد شكل سعي المستعمرين للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السكان في جنوب أفريقيا وفلسطين، جوهر الصراع مع السكان الأصليين. وفي سبيل ذلك، عملوا على توظيف قوتهم العسكرية، ومنظوماتهم القانونية والسياسية لتجريد السكان الأصليين من أراضيهم، وتسهيل سيطرة وهيمنة المستعمرين عليها.

ففي جنوب أفريقيا، عمل الأوروبيون ولاحقاً حكومة الحزب الوطني على تشريع وسن القوانين والسياسات التي تهدف إلى تجريد السكان من أراضيهم وملكياتهم، ونقلهم إلى تجمعات معزولة عُرفت تحت حكم الحزب الوطني بالبانتوستان (المعازل). ويعتبر كل من قانون عام 1936، وقانون "تنظيف المناطق السوداء" عام 1950 أبرز الأمثلة على ذلك، واللذان أديا الى حصر السكان السود (80% من السكان) فيما لا يزيد عن 13٪ من أرض جنوب أفريقيا، فيما سيطرت الأقلية البيضاء (20% من السكان) على بقية البلاد.

وعلى الصعيد الفلسطيني، قامت الحركة الصهيونية ولاحقاً اسرائيل بالأمر ذاته. فبعد أن هجرت أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني في نكبة عام 1948، طورت مجموعة من القوانين مثل قانون أملاك الغائبين، وقانون منع التسلل للسيطرة على أراضي اللاجئين والمهجرين في فلسطين المحتلة، ومنعهم من العودة إليها. بالإضافة إلى العديد من القوانين التي تستمر اسرائيل في سنها لغاية اليوم بهدف استمرار تهجير الفلسطينيين، والسيطرة على أراضيهم.

اليوم وبعد مرور سبعين عاماً على النكبة وبفعل سياساتها الاستعمارية والعنصرية، تُسيطر اسرائيل على أكثر من 85% من أرض فلسطين بحدودها الانتدابية، فيما يعيش الفلسطينيون على أقل من 15% من الأرض. وبالرغم من ذلك، لم تتوقف عملية التهجير المستمر إذ تسترسل اسرائيل في فرض القوانين والسياسات التي من شأنها تضييق الخناق على الشعب الفلسطيني، وخلق بيئة قهرية تجعل من بقائه على أرضه أمراً أشبه بالمستحيل، بالإضافة إلى حصرهم في مساحات ضيقة أشبه إلى أن تكون بالكانتونات/المعازل.

وعلى صعيد حصر السكان في أماكن محددة ومحصورة، تعتبر سياسة التمييز في التخطيط والتنظيم أحد السياسات التي تنفذها اسرائيل لمنع التوسع الفلسطيني، والاستمرار في تهجيرهم والسيطرة على أراضيهم. فعلى سبيل المثال، تُشكل المساحة المصنفة "ج" وفقاً لاتفاقية أوسلو أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، وتمنع اسرائيل السكان الفلسطينيون من التوسع والانتفاع من أراضيهم الواقعة في هذه المنطقة، دون الحصول على تصريح مُسبق من اسرائيل، وهو الأمر الذي يعتبر أشبه بالمستحيل. كما أنها ومنذ العام 1948، بنت 700 تجمعاً وقرية للسكان اليهود، فيما لم تقم ببناء أي تجمع للفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

وضمن هذا السياق الاستعماري والعنصري، صادق الكنيست الاسرائيلي على قانون القومية الذي يسعى في جوهره الى انكار وجود الشعب الفلسطيني في أرضه، ويحرمه من حقه في تقرير المصير. وفي الوقت الذي تسعى فيه اسرائيل إلى استقطاب اليهود "المستعمرين" من شتى أصقاع الأرض للاستعمار في فلسطين تحت مسمى "لم الشمل اليهودي"، تستمر في تهجير الفلسطينيين وحرمان 8.2 مليون فلسطيني من العودة الى اراضيهم التي هجروا منها منذ ما يزيد عن 70 عاماً.

بالإضافة إلى ذلك، يعمل القانون على تفكيك هوية الفلسطينيين وتقويض وجودهم الثقافي ونسيجهم الاجتماعي المُجزأ، ولعل ذلك يبرز – بجانب التجزئة الجغرافية والقانونية والاجتماعية – في اعتبار اللغة العربية بأنها لغة غير رسمية. فالخطورة هنا ليست في عدم ادراج اللغة العربية في المعاملات الرسمية فحسب، وانما في محاولات استئصال الوعي واقتلاع الثقافة الفلسطينية. وتأتي هذه الخطوات ضمن محاولات اسرائيل لهندسة المجتمع الفلسطيني بالطريقة الاسرائيلية وخلق "الفلسطيني الصالح" صاحب الوعي المشوه.

بعد الاطلاع على مجموعة السياسات والقوانين الاسرائيلية التي تهدف للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين، فإنه لا يمكن اعتبار قانون القومية حدثاً منفصلاً عن السياق الاستعماري والعنصري لإسرائيل، وبالتالي فإن مواجهته لا تكون بأدوات وآليات محدودة وتقليدية وموسمية. فقد جاء هذا القانون ضمن منظومة استعمارية وعنصرية راكمت اسرائيل خلالها العديد من القوانين والسياسات الاستعمارية، حيث أنه لا يقل في خطورته عن قانون أملاك الغائبين أو قانون منع التسلل أو قانون التسوية، أو غيرها من القوانين والسياسات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في أرضه.

في الحقيقة، إن ضرورة إدراك قانون القومية كجزء من المنظومة الاستعمارية وليس كحدث منفصل عنها، يضعنا أمام التشخيص السليم لجذور الصراع، وبالتالي تحديد الاليات والادوات اللازمة للمواجهة والتحدي. فمواجهة قانون القومية لا تكون من خلال مواجهة سلوك اسرائيل العنصري بأدوت الشرعية الاسرائيلية، والذي بدوره لن يتجاوز حدود المناشدة والمطالبة بإلغائه أو التخفيف من حدته، وانما بوضع برنامج وآليات وأدوات تستهدف الوجود الاستعماري والصهيوني في فلسطين.

خاتمة: مدى ملائمة نموذج جنوب أفريقيا مع الحالة الفلسطينية
تُشكل مسألة الوعي وإدراك جذور الصراع نقطة هامة في المقاربة مع النموذج النضالي في جنوب أفريقيا. فبالرغم من التشابه الكبير في سياسات التهجير والفصل العنصري بين جنوب أفريقيا وفلسطين، إلا أن جنوب أفريقيا لا تمثل النموذج الكفاحي الافضل للاحتذاء به. فالصراع في جنوب أفريقيا تمت معالجته على اعتبار انه فصل عنصري بين مجموعات اثنية اصلانية في البلاد، بعيداً عن البعد الاستعماري.

وعليه، أصبح من الضروري التوضيح هنا بأن جنوب أفريقيا كانت قد انتصرت على المنظومة القانونية والسياسية للنظام العنصري، لكنها لم تنتصر عليها ضمن السياق الاستعماري الذي تطورت خلاله. فبالرغم من النجاح الذي حققته حركة التحرر في جنوب أفريقيا، إلا أن الإرث الاستعماري والعنصري لا يزال حاضراً فيها بعد التحول والانتقال الى "الديمقراطية" عام 1993.

إن المعالجة "الديمقراطية" التي تمت خلال تسعينيات القرن الماضي في جنوب أفريقيا، اقتصرت بشكل جوهري على معالجة بعض القضايا المتعلقة بالحقوق السياسية والمدنية وتحقيق المساواة والمواطنة الكاملة لكافة السكان، بينما لم تتطرق بالعمق ذاته إلى معالجة البعد الاستعماري الذي شكل السياق والبيئة المناسبة لتطور نظام الابارتهايد، كالاستيلاء على الأراضي والتجزئة وتفكيك الثقافة والتقاليد، التي قوضها الاستعمار الهولندي والبريطاني على مدار ثلاثة قرون من الاستعمار.

إن هذه الانتقادات لا تهدف الى التقليل من شأن النموذج النضالي في جنوب أفريقيا، إلا أن اسقاط هذا النموذج على الحالة الفلسطينية قد قوض فهم الفلسطيني لجذور الصراع مع الحركة الصهيونية، وغيب الادوات اللازمة لمواجهته. بجانب ذلك، تكون المقاربة "المنتقاة والمحددة" بين النموذجين وفي العديد من الحالات، مبنية على فهم مُجتزأ لنموذج جنوب أفريقيا. ويظهر هذا الفهم في نقطتين أساسيتين وهما:

أولاً: التبني المطلق للمقاومة الشعبية السلمية دون غيرها من الوسائل، وهو الأمر الذي يُسلط الضوء على مرحلة مُعينة من تاريخ النضال في جنوب أفريقيا قبل أن يتخذ أشكالاً أخرى. فقد أصبحت المقاومة السلمية هي الوسيلة الوحيدة للنضال ومواجهة السياسات الاسرائيلية، والتي يتم استخدامها ضمن فعاليات منفردة وموسمية، وليس ضمن برنامج وطني واضح وشامل.

من جهة أخرى، تظهر النقطة الثانية في تسليط الضوء على دور المجتمع الدولي وحركة المقاطعة التي فُرضت على جنوب أفريقيا في انهاء نظام الفصل العنصري. وقد أدى التركيز على المجتمع الدولي في الخطاب الفلسطيني إلى إخراج القيادة الفلسطينية (السياسية والشعبية) من دائرة الفعل السياسي والشعبي، إلى دائرة المطالبة ومناشدة المجتمع الدولي بمحاسبة اسرائيل وفرض العقوبات عليها، دون وضع أي استراتيجيات للمواجهة أو اجتثاث النظام العنصري والاستعماري.

وليس المقصود هنا الاستخفاف بأهمية الوسائل السلمية والدبلوماسية في مواجهة النظام الاستعماري والعنصري الاسرائيلي، إلا أن انتصار حركات التحرر حول العالم لم يكن بسبب الاعتماد على هذه الوسائل وحدها، وانما بسبب اعتمادهم على ذاتهم في تطوير أدوات المواجهة التي تراوحت ما بين القوة العسكرية والسياسة والديبلوماسية.

لذلك ومن أجل مواجهة قانون القومية وباقي القوانين العنصرية التي فرضتها اسرائيل على الشعب الفلسطيني والتي في جوهرها لا تقل خطورة عن قانون القومية، فإنه من غير الممكن استئصالها بشكل نهائي من خلال فصلها عن السياق الاستعماري، الذي وفر البيئة الخصبة لتطورها. فجذور الصراع مع اسرائيل لا تعود إلى عنصريتها أو سلوكها غير المقبول، وانما إلى وجودها الاستعماري في فلسطين.

وقد يكون من المثير للسخرية أن تعمل اسرائيل في استراتيجيتها على الاستحواذ والسيطرة على أكبر مساحة من الأرض، بينما نُركز في صراعنا على الأليات التي تستخدمها اسرائيل في تحقيق ذلك، وليس على الاستراتيجية ذاتها.

في النهاية، هنالك العديد من حركات التحرر حول العالم التي يمكن للفلسطينيين الاستفادة وأخذ العبر منها، لكن لا يجوز اسقاط هذه التجارب والأدوات التي استخدمت على الحالة الفلسطينية بشكل مُجرد. فلكل ثورة خصوصيتها وأدواتها ووسائلها. كما أن تشابه الأساليب والسياسات الاستعمارية، لا يعني بالضرورة تشابه أساليب وأدوات المقاومة والمواجهة، وهو الأمر الذي يمكن تركه للإبداع الثوري في مواجهة الاستعمار.

-------------------------------
* أحمد همّاش: منسّق وحدة التفعيل المجتمعي لدى مركز بديل: