حراك # ارفعوا_العقوبات محاولة للخروج من نفق الترهل والتراجع على اسس كفاحية وثورية

حراك # ارفعوا_العقوبات محاولة للخروج من نفق الترهل والتراجع على اسس كفاحية وثورية
بقلم: رلى أبو دحو*
تشكل الحراكات الاجتماعية جزءا أساسيا من النضالات الديمقراطية في العالم، والتي تلتئم من اجل تحقيق مصلحة مشتركة على قاعدة هدف واحد يصب في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يسعى المشاركون/ات لتحقيقه، وسرعان ما ينتهي حين تحقيق أهدافه.
في فلسطين، تتداخل الأمور لتكون أكثر من مجرد حراكات مطلبية اجتماعية او اقتصادية؛ ففي ظل الحالة الاستعمارية التي نعيشها، وبالتوازي مع وجود سلطة فلسطينية على جزء من فلسطين كنتاج لاتفاقية أوسلو، اصبحت مهمات الحراك الاجتماعي متداخلة ما بين الوطني والاجتماعي. فمطالب تلك الحراكات تبدو وكأنها موجهة نحو السلطة الفلسطينية فقط، ولكن في الحقيقة ابعادها سياسية تندرج ضمن مقاومة المشروع الاستعماري لفلسطين.

لقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من محاولات تصدير مطالب اجتماعية واقتصادية كان من ضمنها حراك الشباب عام 2011، متبوعا بحراك طالب بالكرامة والخبز في العام 2012 والذي تزامن مع انتخابات المجالس البلدية.

وبالرغم من ان هذه الحراكات حملت شعارات تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، الا ان الشعارات والهتافات السياسية كانت طاغية من قبيل "يا سلطة ليشل ليش واحنا تحت رصاص الجيش"، او "يا سلطة مالك مالك، شو لي جارالك بتعتقلي بالشرفا والعدو قدامك".  اما الحراكان الاجتماعيان الأبرزان فكانا حراك المعلمين في 2015، وحراك الضمان الاجتماعي في 2016، وكلاهما جاء مباشرة من اجل تحقيق حقوق اجتماعية واقتصادية.

وقد تعاملت السلطة دائما مع هذه الحراكات على قاعدة "الاجندات الخارجية"، و"محاولات ضرب السلطة واضعاف مكانتها وموقفها". ووصل بها الامر بعض الأحيان الى ممارسة قمع وحصار للحراكات على سبيل منع المعلمين/ت في المرة الثانية من التوجه أساسا الى رام الله حيث مكان الاعتصام، وذلك بفرض حواجز على مخارج المدن المختلفة. فيما تعرضت بعض الحركات التي حاولت الوصول الى مقر المقاطعة حيث الرئيس محمود عباس الى القمع وحواجز الامن من قوات خاصة وحرس الرئيس.

ارفعوا العقوبات: كيف ولماذا؟
كان من الممكن لحراك ارفعوا العقوبات عن قطاع غزة ان يمر كما مر غيره من الحراكات، الا ان حالة من الاستهداف العنيف الذي أدى الى ما عرف "بموقعة الأربعاء الدامي"، والتي تعرض فيها المشاركون/ت بالمسيرة الى أقسى حالة قمع تعرضت لها أي مسيرة وحراك داخلي منذ أوسلو الى الان.

اما البحث عن السبب والخلفيات وراء ذلك يقودنا بالأساس الى التراكمات السياسية التي افضت الى هذا الحراك، وعودة سريعة لبعض التراكمات السياسية، قد تمنحنا بعض الإجابات حول حالة القمع غير المسبوقة التي تعرض لها الحراك.

غزة: الصراع على السلطة بين فتح وحماس
اخذت العلاقة بين حركتي فتح وحماس تاريخيا شكل العلاقة المتوترة منذ انطلاق الأخيرة في الانتفاضة الاولى، وهو الشكل الذي اتسمت به العلاقة بين الطرفين حتى توقيع اتفاقية اوسلو في 13 ايلول 1993. ومع نشوء السلطة ودخول القيادة الفلسطينية على رأسها الراحل ياسر عرفات ورفاقه الى غزة واريحا كمرحلة اولى من الاتفاق، واقامة سلطة ذاتية هي ما يعرف الان بالسلطة الفلسطينية في العام 1994، امتدت لاحقا لبقية مناطق الضفة الغربية وتحول مركز السلطة الى رام الله. اخذت العلاقة المتوترة سابقا الى التصعيد بينها على قاعدة المنافسة، وقد بدأت بحملات اعتقال واسعة بين صفوف حركة حماس من الاجهزة الامينة الفلسطينية، خاصة ما تصاعد العمليات العسكرية ضد الاحتلال.

لقد اوجدت الاجراءات العقابية المباشرة بحق اعضاء حركة حماس شرخا اخذ بالاتساع المضطرد. صاحبه محاولات التوسط والتهدئة التي انتهت بتوقيع اتفاق القاهرة في العام 2006. وتبعه وثيقة للأسرى في محاولة لجسر الهوة بين الحركتين وتحقيق مصالحة، تبع ذلك اتفاق مكة في العام 2007؛ والتي فشلت جميعها في خفض التوتر، حتى تم فرض الانقسام على الأرض في حزيران 2007. وهنا بدأ مسلسل العقوبات يفرض على قطاع غزة ليس فقط على أعضاء حماس وانما على كل من هو في القطاع.

في مداخلتها حول حراك ارفعوا العقوبات والتي قدمتها 9/8/2018 في مؤتمر الحركات الاجتماعية الدولي/ النضال المطلبي والكفاح الوطني، تقول الصحفية شذى حماد حول بداية التصريح العلني عن العقوبات: "بدأت 2007 في كلمة لعباس في عاصمة البحرين، "سيتخذ اجراءات بحق أهالي غزة" وهو اسلوب لمعاقبة حركة حماس، تلا كلمته لقاءات إعلامية عدة اكد فيها انه فرض اجراءات عقابية، وصولا لتصريح اخير عقب محاولة اغتيال رئيس الوزراء رام الحمد الله في اذار 2018، انه سيتخذ اجراءات عقابية جديدة بالتزامن مع مسيرات العودة التي اعادت قضية اللاجئين للواجهة".

تتالت بعد ذلك سلسلة من التقارير الإعلامية الصادرة عن جهات محلية ودولية مختلفة، حول منع التحويلات الطبية، وقطع رواتب عن موظفين، ثم اسرى، بالإضافة الى مشاكل المياه والكهرباء المتفاقمة وإغلاق معبر رفح. إجراءات تتعاقب وتقارير تشير الى تأزم الوضع الإنساني. لنصل الى حالة يمكن رصدها بوضوح:  حصار من الاحتلال ممتد على مدى اثني عشر عاما، أزمات متلاحقة، انهيار في الخدمات المختلفة الصحية والتعليمية والغذائية، ازمة حياة وبقاء وكرامه بالأساس، عززها عقوبات متتالية فرضتها السلطة الفلسطينية من رام الله.

الان، تكمن الاثار المترتبة على تلك العقوبات في القطاع الصحي الاخذ بالانهيار نتيجة لوقف امدادات الوقود عن المستشفيات، والذي أدى توقف عمل الكثير من أجهزة المستشفيات، ناهيك عن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، لمرضى السرطان حيث 13 الف مريض منهم 150 مريضة سرطان سنويا، والذين اضطروا الى تحمل الأعباء المالية الباهظة للعلاج نتيجة لتوقف التحويلات الطبية.

يكتب فتحي صبّاح من القطاع على صفحته على الفيسبوك ويقول: "الكهرباء مقطوعة منذ 20 ساعة والكل يتصبب عرقا ويكاد يختنق من ارتفاع الرطوبة والحرارة، وصافرة جهاز الشحن تطن في رؤوسنا تعلن قرب انتهاءها، ولا هواء في البلكون (الشرفة) ما بالك في الغرفة، والحياة تكاد ان تتوقف، ولا أحد يستطيع النوم، ولا أحد يفعل شيء الا الدعاء الى الله اطفي النور بعيونهم مثل ما طفوا الكهرباء عن غزة".  أضف الى ذلك وقف رواتب الاسرى، والأسرى المحررين والشهداء، والتي لم تسبب ازمة إنسانية فحسب، وانما ضربة وجدانية شديدة تلقاها المجتمع الفلسطيني الذي لطالما اعتبر الاسرى والشهداء وذويهم رموزا للنضال والمقاومة والصمود.

ارفعوا العقوبات عن قطاع غزة: خيار الشارع
توالت مشاهد الشهداء والجرحى والمواجهات الملحمية بين شعبنا في قطاع غزة والاحتلال على حدود القطاع المحاصر والمسّور بسياج من كل جانب، وتوالت تقارير حول صعوبة توفير علاج لآلاف الجرحى والمصابين.

ومن هنا كان الانطلاق، تجمع شباب وصبايا ومن كل الاتجاهات، بعضهم ينتمي للأحزاب، والبعض الاخر من الطلبة والموظفين، وناشطين في مجالات مجتمعية وسياسية مختلفة، جمعهم "هم واحد وشعب واحد" الذي تحول الى شعارهم في البيانات المختلفة. لم تكن الاعتبارات التنظيمية او السياسية مشكلتهم بل كيف ترفع العقوبات عن قطاع غزة وكيف لنا كشعب واحد ان نتكامل ونتكاثف، في ظل غياب المواجهة المباشرة مع الاحتلال في مناطق سلطة رام الله.

كان حراك ارفعوا العقوبات المكان الذي وجد فيه الجميع البوتقة والوعاء الذي يمكن من خلاله ان يطلق الصوت عاليا نصرة لقطاع غزة، ليس تضامنا وانما انتصارا للذات الفلسطينية الواحدة والمشتتة في كل مكان في الوطن وخارجه.

بأسلوب بسيط وأدوات بسيطة تحاكي روح العصر والشباب، تم تفعيل صفحة إلكترونية "ارفعوا العقوبات" وأخرى للمراسلات، هدفها تبادل الآراء واتخاذ القرار الجماعي وتنظيم العمل، والتواصل مع الجميع فلا أسهل من صفحة على الفضاء الاجتماعي المسمى فيسبوك.

ومن نفس مركزه رام الله والذي منه أصدر الرئيس الفلسطيني قرارات العقوبات المتتالية على قطاع غزة، انطلق حراك "ارفعوا العقوبات"، وذلك بحملة الكترونية قدمت مجموعة من الحقائق الموجزة والسريعة والمدعمة بأرقام واحصائيات واقتباسات من تقارير المؤسسات المختلفة حول الأوضاع الإنسانية في غزة، وتحميل السلطة مسؤولية هذه الأوضاع، وبالمقابل نقل صور مسيرات العودة والمواجهة البطولية، كجزء مركزي واساسي من الوعي بأهمية الربط الجدلي بين ما يجري من اوضع قاسية في غزة، يشترك فيها للأسف الاحتلال والسلطة ومصر، وان خيار المواجهة على سياج غزة المحاصرة ورفع شعارات حق العودة هو البوصلة والخيار التاريخي والاستراتيجي لنضال شعبنا الفلسطيني.

في الأول من حزيران، صدر البيان الأول للحراك ارفعوا العقوبات والذي دعا لإلغاء كافة الإجراءات العقابية على على غزة والتي فرضتها السلطة الفلسطينية، ولوحدة فلسطينية على أسس كفاحية وثورية في سبيل قطع الطريق على صفقة القرن المزعومةـ والتي تهدف، من بين جملة اهداف، الى فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة ككيانين منفصلين تماما ليس بالجغرافيا فحسب، ولكن بالارتباط الإداري والسياسي والوطني. وحيث تساهم رفع العقوبات الى دعم وتعزيز صمود شعبنا في غزة ومسيرات العودة.
ومما جاء في البيان الأول:

" إنّنا نرى أن وظيفة أي جهة سياسيّة فلسطينيّة تعزيز صمود الشعب وتمكينه من المواجهة ومكافحة المخطّطات الصهيونيّة والدوليّة على كافة الأصعدة: السياسيّة المتمثّلة في وحدة المصير ووحدة الدم ووحدة الكفاح؛ الاجتماعيّة المتمثّلة في قتل كافة مظاهر التشظّي والانقسام والاستقطاب وبناء هويّة جماعية تستند إلى التناقض المركزيّ مع الاستعمار؛ والاقتصاديّة المتمثّلة في بناء إطار مادّي داعم للشعب لا يجعله رهينة للقمة العيش. ومن هذه المنطلقات، نرى أن العقوبات المفروضة على أبناء شعبنا في غزّة هي النقيض لكُل ما نتوقّعه وما نطلبه، وما هي إلّا مرحلة إضافيّة في الانقسام السياسيّ الذي لا تزال القضيّة الفلسطينيّة برمّتها، تدفع ثمنه".

وقد حدد البيان الأول وجهة المطالب الأساسية والتي تمثلت: رفع العقوبات المفروضة كليًا على أبناء شعبنا الفلسطينيّ في غزّة دون أي تأخير أو تأجيل، التأكيد على وحدة المصير السياسيّ بين الضفّة وغزّة والأراضيّ المحتلة عام 1948 والشتات. وأن هذه الحملة ما هي إلّا جزء من مسيرة الشعب الفلسطينيّ لاستعادة وحدته الوطنيّة المبنيّة على أساس كفاحيّ تحرّري من الاستعمار. إنهاء الصراع والاستقطاب الداخليّ الفلسطينيّ بكُل ما يُفرزه، الذي يرى الحراك في العقوبات أداة من أدوات تكريسه. بالإضافة الى التأكيد على انه لا يمكن لأي خلاف سياسي فصائلي أن يكون مبررا لقطع رواتب او التعامل مع الموظفين او تمويل البنى التحتية كرهائن في عملية الاقتتال السياسي. والطريق الى ذلك تكون بمساندة غزّة وكُل تجمّع فلسطينيّ آخر في صراعه مع الصهيونيّة وتقديم الدعم الجماهيريّ والشعبيّ له ولكل ما يعزّز صموده.

وقد تم الإعلان عن 10 حزيران كأول تظاهرة ومسيرة في رام الله للمطالبة برفع العقوبات. لم يكن مفاجئا الحضور الكبير الذي حضر الى ميدان المنارة برام الله، خاصة ان الكثير من المشاركين لهم عائلات محاصرة في القطاع. على اية حال، حضر الجميع بمن فيهم الفصائل والقوى الوطنية المختلفة.

لقد فاجئ الحشد السلطة وأجهزتها المختلفة، من التنظيم العالي والصوت الواحد وببساطة الشعارات "هم واحد وشعب واحد" وارفعوا العقوبات، والوحدة على أسس كفاحية وثورية، لترتفع حملة غير مسبوقة من التحريض على الحراك، والتشكيك به، خاصة ان الحراك لم يعلن عن قيادة ولا عن متحدث رسمي، وقد أراد الحراك من خلال ذلك إيصال رسالة واضحة، ان معاقبة قطاع غزة وشعبنا هناك هي جريمة تخص كل فلسطيني، وأنه علينا جميعا ان نتصدى لها على قدم المساواة؛ الامر الذي شكل استفزازا إضافياً لأجهزة الامن والسلطة. وقد تعمد الحراك ان يترك للإعلام وللناس حرية اختيار التحدث، فالشعار كان بسيطا: رفع العقوبات. وهو شعار لا يحتاج للكثير من التوضيح والصور المتناقلة يوميا تتحدث عن الواقع.

اعلن الحراك في اليوم التالي مسيرته الثانية والتي ستوافق يوم الأربعاء، 13 حزيران؛ اي بعد ثلاثة أيام من المسيرة الاولى. وامام حجم الضغوطات والهجوم المكثف حول الحراك وهويته، واتهامات السلطة المعتادة لأي فعل في الشارع بأنها "اجندات خارجية"، وتمادي السلطة بان في الحراك تقويضا لجهودها في مواجهة صفقة القرن، كان رد الحراك واضحا، بأن النضال ضد صفقة القرن والمشاريع الامريكية في المنطقة يكون عبر تعزيز صمود قطاع غزة وترابطها مع الضفة الغربية، منعا لتحقيق صفقة القرن أهدافها بفصل غزة، وبأن العقوبات تعزز صفقة القرن ولا تواجهها.

لقد استنفرت القوى الوطنية والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في محاولة لتجنب القمع الذي كان يلوح عبر التصريحات المختلفة وحجم الهجوم القائم.

وفي يوم الأربعاء الدامي، تمت محاصرة ميدان المنارة قبل ساعات من موعد المسيرة، وتم قمع المتظاهرين اللذين حملوا شعارا واحدا فقط: "غزة توحدنا، ارفعوا العقوبات". لقد شاركت الأجهزة الأمنية على اختلافها من قوات خاصة وشرطة مكافحة الشغب، وآخرين بلباس عسكري ومدني في قمع التظاهرة باستخدام قنابل الغاز والصوت وغاز الفلفل الذي تم رشه مباشرة على وجوه المشاركين بالحراك، وسحل الشبان والشابات في الشوارع، والتحرش المباشر بالنساء والشابات لفظيا وجسديا. وتجدر الإشارة الي انه تم الدفع بمجموعة من الشباب يرتدون لباسا موحدا وقبعات طبع عليها شعار العاصفة الخاص بحركة فتح. ولوصف هذا اليوم، لم تجد المؤسسات الإعلامية، ومؤسسات حقوق الانسان، والمشاركون والمناصرون وصفا اقل من وصف ذلك اليوم "بالأربعاء الدامي".

في اليوم التالي صدر بيان الحراك رقم 3 معقبا على الاحداث ومما جاء فيه:

 "ترى الحملة أن ما قامت به السُلطة بحكومتها ورئاستها وأجهزتها الأمنيّة، من قمع وسحل وبطش واختطاف للمُتظاهرين، واعتقال أكثر من 30 معتقل، وإصابة العشرات بإصابات بالغة في الرأس والوجه والأطراف، واعتقال المصابين من أسرّة المستشفيات، أمر في غاية الخطورة على الشعب الفلسطينيّ برمّته وقضيّته الوطنيّة. وترى في الصمت على هذا القمع الوحشيّ لأبناء شعبنا الذين خرجوا تعبيرًا عن حقيقة أنهم شعب واحد، بداية الطريق لتعزيز نظام لا شرعية له إلا بالاستقواء الذي رأيناه اليوم. وبناء على ذلك، نتوجّه إلى كافة الفصائل، والمؤسسات الوطنيّة الفلسطينيّة، بالتحرّك السريع أولًا لدعم غزّة ورفع العقوبات عنها، وثانيًا ضد الهمجية التي تعاملت بها أجهزة الأمن يوم الأربعاء في رام الله ونابلس مع المتظاهرين".

فيما أصدرت القوى المختلفة والمؤسسات بيانات اعتبرت ان ما تم يوازي موقعة الجمل، في إشارة الى ما حصل للمعتصمين في ميدان التحرير في مصر، كما جاء في كتاب رئيس شبكة المنظمات الاهلية الى النائب العام، فيما اعتبرت الجبهة الشعبية ان ما جرى "تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء في إدارة التناقضات الداخلية والعلاقات الوطنية."

اما الحراك فبقي مستمرا، وتوالت المظاهرات والاحتجاجات، وتوسعت لتصل السفارة الفلسطينية في بيروت، حيث تعمد السفير الفلسطيني اغلاق السفارة وعدم التواجد، وفي أكثر من عاصمه في العالم جرت وقفات احتجاجية لرفع العقوبات، وفي غزة حاول الاسرى المحررين وبعض القوى إقامة مهرجان احتجاجي على الأوضاع، قوبل هو الاخر بقمع من سلطة حماس في غزة وباستخدام ذات أدوات القمع التي استخدمت في رام الله، قبل ان تتنصل حماس من المسؤولية لاحقا، وادعت انه لا يمثل الموقف الرسمي.

وقد امتدت الاعتصامات الى بيت لحم ونابلس وحاولت السلطة امتصاص الموقف في بيت لحم بتقديم مياه للمعتصمين، فردت رام الله باعتصام وقالت "ما بدنا ماء بدنا رفع العقوبات"، وفي نابلس تم الاعتداء وقمع المسيرة خاصة ان الحراك وبعض القوى تمرد ورفض عملية التدجين التي حاولت بعض القوى والمحافظ إجراءها من خلال حصر الحراك بشعار الوحدة والانقسام دون رفع العقوبات.

 اما المسيرات اللاحقة والتي حاول الحراك الوصول بها الى مقر الرئيس في مبنى المقاطعة برام الله، فهي الأخرى تم التصدي لها من قوات الامن الخاص بالرئيس، ومنعت من الوصول. وأيضا قامت في شهر آب مجموعة من الصبايا بالتسلل الى مبنى منظمة التحرير والاعتصام بداخله من اجل توجيه رسالة واضحة لأعضاء منظمة التحرير كمسؤولين أيضا في اللجنة التنفيذية عن العقوبات المفروضة، ومما جاء في بيان الحراك:

" بعد إصرار الناشطات اللواتي اعتصمن داخل مقر منظمة التحرير في مدينة رام الله، على عدم الخروج إلا بتسليم البيان بيد أحد أعضاء اللجنة التنفيذية، تسلمت العضو في اللجنة التنفيذية حنان عشراوي بيان حراك ارفعوا العقوبات كما واستمعت لمطالب المعتصمات. وأكدت عشراوي من جهتها على أنها وأعضاء اللجنة التنفيذية يرفضون الإجراءات العقابية التي اتخذها الرئيس محمود عباس بحق أهلنا في غزة، ووعدت بإيصال البيان والسعي الجاد لإنهاء كافة العقوبات. كما رفضت عشراوي اعتداء الأجهزة الأمنية على المعتصمات، ومنعتهم من مواصلة القمع، في ظل تهديدات مباشرة بقمع واعتقال المعتصمات، مؤكدة على الحق في الاعتصام السلمي".

الحراك: الدروس المستفادة
ان الطريقة التي ادار بها الحراك مجمل العمل كانت جيدة ومفاجئة، وتعبر عن وعي متقدم لحالة الانقسام الفلسطيني وضرورة خلق خطاب وحدوي جديد وإعادة الاعتبار للخطاب الكفاحي الثوري. ولكن الأهم، ان الطريقة التي تم فيها ممارسة الحراك من النواحي الإدارية واليات اتخاذ القرار، شكل تجاوزا لكل إشكاليات العلاقات المأزومة والمتأرجحة بين فصائل العمل الوطني، وشكلت خروجا عن المألوف في عملية هيكلة الحراك او المجموعة الناشطة فيه. فلا رأس ولا متحدث رسمي ولا اليات عمل بيروقراطي، وانما قيادة جماعية مرنة متطوعة وتبتدع الأساليب في التعبئة والتحريض دون تمويل وان احتاج فكانت تجمع عبر تبرعات شخصية. فعل سبيل المثال، قام ناشطو الحراك بجمع صناديق الكرتون من مخلفات المحال التجارية وكتبوا عليها الشعارات، واستخدام الفضاء الالكتروني أيضا يعد اقل كلفه، كما ان طبيعة القضية أيضا لا تحتاج للكثير من الجهد للتحشيد حولها.

اما القرار فكان بالتشاور وأحيانا بالتصويت على قاعدة المساواة بين الجميع. ذلك اثار حفيظة البعض من الفصائل وحتى السلطة، فلا رأس يمكن ان يتم مساومته، او تجريره هنا او هناك. اما السلطة وأجهزتها الأمنية فقد شوش ووتر ذلك شكل عملها؛ حيث لا عنوان مباشر للاستهداف او الاعتقال، وهذا يفسر ان الجميع كان تحت المقصلة في موقعة الأربعاء الدامي.

بالمقابل، هذا النوع من التنظيم شكل ضغطا على الحراك للكشف عن هوية منظميه وقيادته، خاصة من بعض التنظيمات التي رأت فيه فرصة قد تكون لركوب الموجة لتحسين حالة الترهل القائمة. اما بعض آخر رأى فيه محاولة تأزيم وزج له في علاقة مواجهة لا يريدها مع السلطة، فيما قدم البعض الآخر الدعم والمشاركة الميدانية دون تحفظ او تدخل، بل عمل على رفع سقف الخطاب في مواجهة قمع السلطة.

وقد يكون ما كتبته احدى الناشطات عن الحراك تعبيرا مهما عن ماهية الحراك: " حراك ارفعوا العقوبات هو ليس شخص بعينه، ليس أفراد معينيين وأسماء محددة، حراك رفع العقوبات هو نبض الباقي المتبقي من ابناء هذا الوطن الذين واللواتي لا يهن عليهم/ن آلام شعبهم/ن بغض النظر عن مكان تواجده، هو ظاهرة تواجدت طوال اعوام النضال الفلسطيني من ايام الانتفاضة الاولى والثانية مرورا بالاجتياحات الإسرائيلية للمدن الفلسطينية. حراك الشعب الخالص من اية اعتبارات فئوية أو نزاعات سياسية، هذا الحراك اتى يوما ما بشكل مجموعات نسوية قامت بدعم ابناء الامن الوطني اثناء الاجتياحات، ووفرت لهم المأكل والملبس والدعم المعنوي. وأتى أيضا من خلال تشكيل فرق مساندة للتصدي لحصار ابو عمار في المقاطع، هذا الحراك قرع الطناجر ايام الاجتياحات، وخرج الى الشارع ليجمع اموالا لتعويض اهالي الشهداء عن هدم بيوتهم. هذا الحراك هو من جمع المعونات لغزة ايام القصف الاسرائيلي الهمجي عليها. هذا الوطن لنا وليس لنا سوى هذا الوطن.

أخيرا، شكل حراك ارفعوا العقوبات مستوى جديدا ومتقدما من الفعل الشعبي المباشر دون اسناد أي كان على المستوى الرسمي. بل على العكس من ذلك، تم قمعه من السلطة الرسمية الفلسطينية. هو حراك تجاوز الفئوية والفصائلية والانقسامات الجغرافية والسياسية. كان صوتا لجماهير تختنق يوميا بفعل الاحتلال، والاستيطان، والاعتقال والاستشهاد، فيما قيادته تغرق على نحو مزر في الاستسلام والارتهان لخيارات السلام غير القائم أساسا، وتتمادى في انحدارها لدرجة فرض عقوبات على جزء من شعبها. هو حراك الهم الوطني المتطلع الى إعادة الاعتبار للكفاح والخيار الثوري. وهو الذي يفرض علينا إعادة النظر بكل المواقف الانهزامية في المرحلة السابقة حيث أعاد الحراك العجلة الى مسارها الحقيقي، وشكل نموذجا يمكن ان يبنى عليه. والاهم بأن حسابات السياسيين ليست هي حسابات الجماهير، وما هو مفروض عليها من انقسام ليس قدرا عليها ان تقبل به.

لقد جمع الحراك بطريقة مبدعة وجدلية بين مجمل التناقضات القائمة في علاقة الصراع مع المحتل، وبنفس الوقت النضال الداخلي، وجمع بين المطلبي الإنساني والوطني الكفاحي، وأعاد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني وجغرافيا الوطن. فمعركة الخان الأحمر طرقت الأبواب في نفس الفترة، ومعركة القدس مستمرة. اما مسيرات العودة فهي البوصلة الحقيقية لنضال الفلسطيني في مسعاه للحرية والانعتاق من الاحتلال، هي الفعل النضالي الحقيقي في زمن الاستسلام والانهيار الرسمي الفلسطيني والعربي.
ان التاريخ يعرف حركته وان قانون "التراكمات الكمية يفضي الى تغييرات نوعية" ما زال صالحا لكل زمان ومكان، ويعلمنا التاريخ ان الجماهير ان هبت تنتصر وهي إرادة الفعل الحقيقي في معركة النضال الوطني.

-------------------------------
* رلى أبو دحو، محاضرة في جامعة بيرزيت، واسيرة محررة .