مسيرات العودة: تكتيك حمساوي أم استراتيجية وطنية للعودة؟

مسيرات العودة: تكتيك حمساوي أم استراتيجية وطنية للعودة؟
بقلم: كمال هماش*

من المعلوم في علم الكيمياء بأن مدخلات أي تفاعل كيميائي تحدد مخرجاته عموماً، والمدخلات هنا لا تقتصر على العناصر الكيميائية المشتركة في التفاعل، بل تمتد هذه العوامل لتشمل عناصر البيئة المحيطة كافة، وبحيث أنه ومع أي تغير في هذه العوامل سيؤدي بالضرورة لتغير في المخرجات.
وقد لا يكون التحليل السياسي خاضعاً لمعادلات الكيمياء والرياضيات، إلا أنه يحتكم لمنطق سيرورة العمليات ذاته من حيث ارتباط النتائج بجذور المعادلة سياسية أو رياضية أو كيمائية كانت.

ومن هنا فإنه لا يمكن قراءة نشأة ومآلات مسيرات العودة بمعزل عن التراكم الثقافي الذي صنعه النضال الوطني الفلسطيني عبر قرن مضى، احتمل كل أشكال النضال والعنف والاحتجاج، محافظاً على التابوهات الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة باعتباره حقاً مشروعاً ومؤكداً عليه لا في القانون الدولي وحسب، بل باعتباره بؤرة السر للوجود الفلسطيني على وطنه في سياق معركة الاستقلال، وحق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني.

لقد دأبت قوى المقاومة الشعبية والمؤسساتية على انتهاز كل فرصة لتعزيز الكفاح الفلسطيني ارتباطا بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم. ومن هنا، فإنه يمكن تفهم المواقف المتعددة سياسياً تجاه حق العودة باعتباره حقاً غير قابلاً للتنازل والتفاوض بالبناء على الجذور التاريخية والايدولوجية لأي موقف سياسي منها.

ومن المهم مراجعة فكرة القومية العربية بمضامينها وتفاوتها لدى الاحزاب القومية   ومُنظريها، والتي شكلت حجر الاساس للأيدولوجيا السياسية لفصائل العمل القومي والوطني، وتجاوبت مع الطموحات والرؤى الشعبية عبر عشرات العقود ما بعد الحرب العالمية الأولى ودخول الاستعمار الاوروبي بشكله التقليدي للمنطقة العربية.

في الحالة الفلسطينية فإن نشوء منظمة التحرير الفلسطينية وفي ظروف المد القومي العربي وانتشار النضال التحرري للشعوب المقهورة، ساهم في صياغة قدسية الثوابت الوطنية، وعلى رأسها حق العودة الذي لم تمسه أيه مبادرة سياسية كانت، واخرها اعلان المبادئ في أوسلو الذي اكد على حل قضية اللاجئين على اساس القرارات الدولية واهمها قرار 194.

لقد فرضت المدخلات الوطنية والعربية الهشة على تفاعلات القضية الفلسطينية ما بعد حرب الخليج الاولى، نتائجاً تتواكب وتتجاوب معها، فقد عاشت الحركة الوطنية أضعف مراحلها بالحصار الرسمي للقيادة الفلسطينية، والانهاك الاستنزافي للطاقات الشعبية ميدانياً محملاً بالسعي المعادي لصناعة القيادات والبدائل التي توافق على كل ما لا توافق عليه الفصائل ومنظمة التحرير.

إن حركة حماس التي تمسك بأطراف الامور في قطاع غزة وهي المنتج الطبيعي لحركة الاخوان المسلمين، بكل ما هو معروف عنها من ارتباطات اقليمية ودولية، قد استطاعت بدخولها ميدان الصراع مع العدو منذ 1988 بإمكانيات رأسمالية اجتماعياً ومالياً، عبر توظيف الخطاب الديني ومداعبة المشاعر الايمانية للجماهير. هذا الخطاب الذي مارسته حركة الاخوان ضد الحركة الوطنية والقومية منذ طرد الاستعمار البريطاني من مصر والاردن، وأخذت مكان الاستعمار في مواجهة الحركة القومية والتقدم والديمقراطية.

ولوحظت التجارة الاستخدامية في الدين بانتهاز الفرصة الاولى للانضواء تحت منتج الخيانة والتفريط كما كانت تسمي "اتفاق اوسلو"، مقدمة بذلك أوراق اعتمادها للأطراف الاقليمية والدولية وفق المواصفات التي يطلبونها، لتفقد بعد ذلك ما ميزت نفسها به بوضع رأسمالها كله في شراكة لم يحصلوا منها على الكثير، مما دفع هذه الحركة للانقلاب على حكومة ترأسها من أجل زيادة استحقاقات تنازلها، وطموحاً في سلطة *أي سلطة *على أن يقودها الاخوان.

إن اختلاط الاوراق الذي أنتج تحالفات النقائض وتناقضات التماثل لا تجد معبراً عنها أكثر من الخارطة الاقليمية القائمة للمعسكرات المتنازعة. والتي ولدتها بالأساس الفوضى التي دبت في العالم العربي بإدارة غربية، وانخراط قوى سياسية ودينية مدنية محلية فيها، وكل من منظور أهدافه الخاصة واضحة أو باطنية، حيث ساهم كل ذلك في تكريس انقلاب حماس وتحوله الى جزء من الخطاب السياسي العادي.

وقد مثلت الحروب التي شنتها اسرائيل على القطاع أكثر من مرة، جهداً عميقاً لإحداث الشرط التاريخي لنشوء الدول وتعريف حدودها، مدعماً بإعلام عربي غاشم صوّر الصراع الفلسطيني الصهيوني مقتصراً على حدود غزة، ومغذياً امكانيات حماس للظهور كقوة في مواجهة اسرائيل، بينما عاشت هذه القدرات بياتاً شتوياً خلال اعادة اجتياح اسرائيل للضفة الغربية بعيد الانسحاب من غزة من جانب واحد.

ومع التغير الأخير ووصول اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف للحكم في البيت الابيض، اصبحت الاحلام الصهيونية أكثر قرباً للتحقق، عبر المبادرة الى ضرب الثوابت الفلسطينية المشرعة دولياً. في ذات الوقت، صعّدت حركة حماس من جهدها لملاقاة القبول وفتح قنوات الاتصال مع حكومة نتنياهو عبر الوسيط القطري والحليف التركي، اللذان يعتبران كيان غزة ضرورة استراتيجية لحضورهما في المنطقة.

وأمام التغيرات التي أجرتها حماس على ميثاقها رغم عدم أهميته بحكم المنهج الباطني لسياسات الاخوان المسلمين تاريخياً، فإنه لا يمكن الوثوق بكلامهم حول الدولة الوطنية. فليس بعيداً عن الذاكرة تصريحات المرشد العام، الذي أعلن موافقته أن يكون رئيس مصر اندونيسياً، ومقولته "طز في مصر"، كتعبير حقيقي عن استراتيجية الاخوان المناهضة للدولة القطرية والانتماء القومي لصالح الأمة الاسلامية.

فما يهم الحركات العصبوية الدينية والعرقية ومثيلاتها، هو اقامة دولتها النموذجية الخاصة الرافضة للتعدد والاخر. وهو المنهج ذاته الذي اتبعته الحركة الصهيونية لاقامة اسرائيل، واتضح في سلوكيات حماس قبل وبعد ادماجها في مشروع اوسلو "الخياني" مع فارق هام في الافق والرؤية بين ضحالة رؤية الاخوان وعمق رؤية الصهاينة.

ومع إدراك القيادة الفلسطينية لخطئها قبل وخلال وبعد الانقلاب وخطورة ترك الامور على ما هي عليه، واتخاذ خطوات عقابية تجاه سلطة حماس الانفصالية، ردت الاخرى بتصعيد موجه الصراع شكلاً الى حدود القطاع مع العدو، وضمنياً لاحراج واضعاف القيادة الفلسطينية عبر مسيرات العودة الاسبوعية وبمشاركة من كافة القوى الوطنية في القطاع.

وعليه فإن اختلاط التكتيك بالاستراتيجية يبقى مظاهرة علنية تجعل من كل خطوات حماس تكتيكاً نحو هدف محدد لا يتصل بإقامة الدولة الوطنية المستقلة.

ومن الجانب الاخر، فإن القوى الوطنية الاخرى المشاركة في المسيرات والتي تختلف برنامجياً مع حماس، ترى في هذه المسيرات وإن لم تحقق اهدافاً جدية أكثر من التذكير بحق العودة، منهجاً تربوياً واستمراراً لشعلة يجب ان تبقى متقدة لتنادي بحق العودة وتبقي قضية اللاجئ حية في أذهان العالم.

لقد مارست حماس أعتى أشكال العنف ضد الصهاينة وفي أوج توجه القيادة الفلسطينية نحو المفاوضات، وكرست الأولى عملياتها ارتباطاً بمراحل التنازلات الصهيونية والتي تعطلت بحجة الطعن في قدرة قيادة المنظمة وابو عمار على ضبط العمل العسكري ضد اسرائيل.

وهو الامر الذي يساهم في التشكيك بجدارة القيادة الوطنية، وتبدو فيه حماس أكثر قدرة على ضمان أمن اسرائيل والتهدئة معها، مما يؤهلها للتفاهم مع اسرائيل، حيث ارتبط موقف حماس كلياً بامكانية التوصل لهذه التفاهمات عبر قطر وتركيا وبعيداً عن مشروع الدولة المنشودة ومنظمة التحرير.

وفي ظل الضعف المتنامي للمنظمة وفصائلها وتراجع الموقف العربي الموحد تجاه القضية الفلسطينية، فقد أوصت معظم مراكز التفكير (thinking tanks) الصهيونية والاميركية ومنذ اندلاع ما سمي بالربيع العربي، والحروب الداخلية وتفكك بعض اقطاره وخاصة تلك التي شكلت جبهة الصمود والتصدي عام 1978، بأن هذا هو التوقيت المناسب لفرض التسوية بالمنظور الصهيوني.

وحين تصرح قيادة حماس بأن الصواريخ التي تطلق من غزة خارج ارادتها هي صواريخ كيدية ولمنع التفاهم على هدنة المقاومة مع الاحتلال، فإنها تؤكد على كل حراكها الكيدي ارتباطاً باستراتيجية الاخوان المسلمين لتخليص الفتات من فم منظمة التحرير والتهامه.

وبالتالي، فإن مسيرات العودة في برنامج حماس تكتيك حمساوي يهدف للضغط على اسرائيل   واقناعها بأنها محرك للجماهير، وأنها البديل المنطقي لمن لاحول لهم ولا قوة في سلطة الضفة الغربية. وبالتالي يمكن تسميتها بلغة حماس كمسيرات كيدية، يتم فيها توظيف الرصيد الوطني والقومي الكامن تجاه مفهوم حق العودة، لخدمة فكرة باطنية لا تبتعد كثيراً عن طموح الاخوان في بناء الامارة.

----------------------------------------
*كمال همّاش: مستشار دائرة العمل والتخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية.