مسيرات العودة الواقع والدروس المبكرة*

مسيرات العودة الواقع والدروس المبكرة*
بقلم: نضال العزة**
بصرف النظر عن التراجع الفلسطيني الرسمي الحاصل على صيغ المطالبة بالعودة، لا تزال العودة حقّاً على مستوى الايمان الشعبي، وبرامج القوى السياسية، والمؤسسات الاهلية. ورغم ذلك، لم تصبح العودة نفسها مشروعاً شعبياً أو سياسياً أو حقوقياً في الممارسة والتطبيق. فبتدقيق مختلف المراحل والبرامج منذ العام 1948، لم يكن لدنيا مشروع عودة حقيقي في أي يوم من الايام. ورغم ذلك، بقي شعبنا، أو على الأقل أصحاب المصلحة في التحرر وهم الغالبية، مؤمناً بحقه في العودة ومستعداً للتضحية. وفي انتظار الدول العربية لإنجاز تحرير فلسطين بعيد النكبة، وفي فترة الكفاح الفلسطيني المسلح، وخلال مسار تسوية اوسلو، ظل التعامل مع العودة كنتيجة سيتم التوصل اليها بعد انجاز التحرير أو عبر التسوية بينما بقيت على المستوى الشعبي حلما.
بانطلاقها، جاءت مسيرات العودة في قطاع غزة لتسلط الضوء على العودة، ولا شك في أنها نجحت في ذلك. ورغم أن ربطها فيما بعد بمطلب فك الحصار عن قطاع غزة لا يشكل خللاً بذاته، إلا أن تقزيم وحصر هدف مسيرات العودة بمطلب فك الحصار عاد ليلقي بالعودة في محفظة المقتنيات المقدسة؛ بل أن بعض التصريحات الصادرة عن بعض القيادات توغل في انتهازيتها اليمينية حين يفهم منها أن الغاية من رفع شعار العودة لا يعدو كونه تهديداً تكتيكي يراد منه تحقيق مطلب فك الحصار.

ورغم عدم استمراره، جاء حراك حيفا المساند لمسيرات غزة ليعيد إلى الواجهة مبدأ وحدة الشعب الفلسطيني وضرورة تكامل الساحات في مواجهة المستعمِر. هذا الحراك أقلق اسرائيل والتسوويين على كل الجبهات. ورغم ذلك، انطفأ الحراك وعاد الصوت الفلسطيني الرسمي يعلي شأن التضامن الرمزي مع غزة (وليس التكامل) مع التشديد على المواطنة في دولة الاستعمار.

وفي خضم التجاذبات السياسية المسندة اقليميا بين حماس والسلطة الفلسطينية، وبدعوى الدفاع عن الشرعية الفلسطينية لم تنتصر الضفة لغزة. فبحجة أن لا جدوى إلا في "المقاومة السلمية"، والتحسر على التضحيات غير المبررة، لم تر أحزاب السلطة في مسيرات العودة وحراك حيفا، وحراك ارفعوا العقوبات سوى أجندة حماس.       

يحاول هذا المقال مناقشة الوقوف على مسيرات العودة في قطاع غزة وحراك حيفا وأثرها على الوعي الفلسطيني، وما يمكن التعلم منهم (مبكراً) لتحويل العودة إلى برنامج تحرر في مواجهة منظومة الابارتهايد والاستعمار الاسرائيلي من جهة، وما أنتجه مسار التسوية من جهة ثانية.

لماذا لم نعد؟ 
ما الذي جعل الفلسطيني المهجّر واللاجئ الذي صنع ثورة وانخرط فيها بكامل الاستعداد للتضحية بالروح لا يمارس العودة فعلياً، والتي قد تتطلب نفس القدر من التضحية التي دفعها في معارك أخرى وربما أقل؟ بكلمات أخرى، ما الذي دفع فلسطينياً مهجّراً في فلسطين أو حولها يبعد عن قريته الأصل أو حدود فلسطين بضعة كيلوا مترات، يسافر مئات الكيلومترات بطريقة قانونية أو حتى غير قانونية ليلتحق بالثورة (في لبنان مثلاً) واضعاً روحه على كفه، بينما لم يتجرّأ على العودة إلى قريته او وطنه، رغم أن الثمن – (التضحية) في أكبر حالاته سيكون متماثلاً في الحالتين؟ ففي حال الالتحاق بالثورة المسلحة، كما في حال اجتياز الحدود والعودة، الاستشهاد سيكون أكبر الاثمان، من جملة احتمالات أخرى مثل السجن، والابعاد، والتعذيب وغيرها.   

إذا كانت هذه المقارنة صحيحة، فإن التساؤل: لماذا لم نعد؟ يصبح منطقياً؛ لا بل جوهرياً. ليس في هذا التساؤل انكار لحالات العودة التي جرت بعيد النكبة وخلال النصف الاول من الخمسينيّات والتي راح ضحيتها الالاف من الفلسطينيين. إنما تلك الحالات كانت فردية، وحتى في حالات عودة مجموعة أفراد أو عائلات، لم تكن منظمة ضمن برنامج وطني لفرض العودة الفعلية. 

ربما كان السبب وراء عدم العودة صدمة النكبة، والخوف من عواقب المحاولة. وهذا أحد أهم الاحتمالات التي لم تدرس ولم تعالج كما يجب فلسطينياً. فالإيمان بالحق، ومجرد توافر الاستعداد للتضحية لا يعني بالضرورة انعدام أثر الصدمة والخوف. يضاف إلى ذلك، أن تتالي حالات الهزيمة، والانكسار، والتي تعني على المقلب الاخر، انتصارات للمشروع الصهيوني، راكمت تلك الآثار التي تبدّت في انماط سلوكية، تتراوح ما بين احباط واغتراب عن الهوية، وربما بيئة مستكينة أو غير حاضنة للثورة بتاتاً.

ربما كان السبب يكمن في الاقتناع بأن العودة هي نتيجة تلقائية لمشروع التحرير الكامل لفلسطين، وهو المشروع العربي الرسمي والفلسطيني الذي ساد عقوداً قبل التحول نحو التسوية. وبالتالي، لم يتم تطوير تصورات عن العودة العملية.

 ربما كان السبب وراء عدم العودة رفض العيش تحت سلطة المستعمر، والرغبة في العودة بكرامة المنتصر وكبرياء صاحب الحق بناء على وعود الدول العربية وغيرها. ففي الوقت الذي اعتبر فيه بقاء فلسطينيي الداخل المحتل صموداً يضطرهم للعيش تحت سلطة المستعمر، رأى بعض الفلسطينيين في العودة والعيش تحت سلطة اسرائيل مساساً بكرامتهم وكبريائهم وربما خطرا يهددهم. وقد أسهم هذا في عدم تراكم محاولات العودة وفي عدم تحولها الى برنامج.

ربما كان السبب الشعور بالحاجة إلى العمل ضمن مجموعة أو جماعياً، أو كشعب، وهو الامر الذي لم ترعه الدول العربية ما بعد النكبة، ولم يتوافر الا بعد تطور العمل التنظيمي الفلسطيني والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية في منتصف السبعينيات.

ربما كان السبب هو أن الانخراط في تنظيمات الثورة والتي لم تنشط ويشتد عودها إلا بعد أن استعمرت كل فلسطين، كان بغرض الكفاح المسلح الهادف للتحرير، أو الوصول إلى وضع تفاوضي، والذي بدوره سيؤدي الى العودة وتقرير المصير. وعليه، لم تلتفت التنظيمات الى وضع برامج عملية لتنفيذ العودة باعتبارها نتيجة للتحرير وليس جزءا من عملية التحرر، مثلها في ذلك مثل وعود الدول العربية.  

ربما كان السبب انطلاق مشروع التسوية واوسلو، والذي روّج بانّه سيشمل حلاً عادلاً لقضية اللاجئين بضمانات دولية.

بتدقيق مختلف الحالات والاحتمالات يمكن الوصول الى حقيقتين: الاولى، انه لم يكن هنالك برنامج عودة حقيقي منذ عام 1948 حتى اليوم، والثانية أن شعبنا لم يفقد ايمانه بحقه في العودة واستعداده للتضحية.

إن عدم وجود برنامج عودة حقيقي عكس نفسه ولا يزال يعكس نفسه في فكر وممارسة الاحزاب وقوى التحرر التي يفترض أن تلعب الدور التنظيمي والريادي في صياغة وعي الجماهير وتوجيه حركتها. فحتى في أبهى مراحل المد الثوري كانت العودة مفهومة ضمناً كنتيجة للتحرير. وبعد الانخراط في مشروع التسوية، صورت العودة على أنها ستكون تحصيل حاصل عند اجمال اتفاقية سلام نهائية. في مرحلة انتظار الدول العربية لتنفيذ وعدها بتحرير فلسطين، وفي فترة المد الثوري للكفاح المسلح الفلسطيني، وفي مرحلة سلام اوسلو بقيت العودة مفهومة كنتيجة، ولم تكن العودة برنامج عمل تحرري في يوم من الايام.

الحقيقة الثانية تمثلت في أن الفلسطيني تحلى دائماً بالاستعداد للتضحية. فحتى بافتراض أن السبب كان الخوف من القتل، أو السجن، أو التعذيب على يد المستعمر، فقد بقي الفلسطيني يمتلك الارادة والشجاعة لتقديم التضحيات كلما تطلبت المواجهة مع المستعمر ذلك. رغم أن هذا الاستعداد الفلسطيني يعكس الايمان بالحق والوعي الجماهيري الفطري بأن العودة هي أساس ممارسة الكرامة الانسانية والحقوق، إلا أن الاحزاب والحركات الفلسطينية لم تنجح في تحويل العودة الى برنامج يستحق التضحية.

 
مسيرات العودة في قطاع غزة:
في أكثر من مناسبة عبّر اسحق رابين، وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، عن خشيته من أن تتحول الانتفاضة الفلسطينية الاولى إلى حشود زاحفة عابرة للحدود باتجاه إسرائيل”. لذلك، هنأ نفسه وحزبه وإسرائيل بعد إخماد الانتفاضة بتبادل رسائل الاعتراف مع منظمة التحرير الفلسطينية مؤكداً أن مجرد الاعتراف يجنّب اسرائيل خطر زحف الفلسطينيين في يوم من الايام عبر الحدود. مسيرة العودة في غزة، خصوصاً في انطلاقتها، وحراك حيفا في دلالته، أربك الاستعمار فيما اعتقد أنه استقر: أي دوام حالة الانكسار والعجز، وأن الفلسطينيين بانتظار تحقق معجزة دولية أو إلهية.    

من "مسيرة العودة الكبرى" إلى مسيرات العودة وفك الحصار:
جاءت "مسيرة العودة الكبرى"رغم التحفظ على مصطلح الكبرى – في انطلاقتها لتشكل نقطة تحول استراتيجي في مشروع التحرر الفلسطيني لسببين: الاول لأنها لم تقدم العودة كنتيجة بل كفعل تحرري، أي لم تشترط التحرير مقدما لتحقق العودة. الثاني، لأنه لم يتم التعامل معها أو التخطيط لها كمناسبة أو تظاهرة وطنية "احيائية"، على نمط ما يعرف بـ "إحياء ذكرى يوم الأرض"، أو "احياء ذكرى النكبة"، أو احتفالات ذكرى انطلاقات القوى السياسية. بيد أن تقديم مطلب فك الحصار على حق العودة فيما بعد، أضعف من الطبيعة التحررية للمسيرة بالمعنى الاستراتيجي.

إن الاشارة إلى هذا الخلل لا تنتقص من مشروعية وأهمية مطلب فك الحصار، إنما يقصد بهذه الاشارة اظهار أن تبديل الهدف المعلن وقصره على فك الحصار أضعف ما استحضرته المسيرة في انطلاقتها؛ أي وجوب معالجة جذور الصراع من اجل تحقيق الحل الدائم والعادل.

إن الحصار وآثاره الكارثية وحدها لا تكفي لإطلاق هذه المسيرات واستمرارها منذ ستة أشهر. فانخراط الحشود الجماهيرية في "مسيرات العودة " يشكل دليلاً ساطعاً على استعداد جماهير الشعب الفلسطيني للتضحية عندما تصح البوصلة أولاً، وعلى وجود بيئة وطنية حاضنة ثانياً، وتنظيمات فاعلة ثالثاً. فالجوع وحده لا يصنع ثورة، وشدة القمع لا تنتج وحدها مقاومة منظمة. في المقابل، إذا كان من الصحة بمكان استغلال الظرف العام والقدرة التنظيمية في لحظة معينة لتثوير الجماهير، فانه من البداهة القول أن من حق هذه الجماهير أن تضمن أن استثمار التضحيات لا يكون في مطالبات مجزوءة.

وعليه، فان من واجب القوى ليس فقط إعادة تصويب بوصلتها، وتطوير رؤيتها لحل الصراع جذريا بما في ذلك علاقاتها بالمستعمر سواء المستعمرالسلطة او المستعمر – الفرد، بل أيضا ضمان عوامل الاستمرار لمسيرة العودة نحو هدفها الاستراتيجي. هذا يعني انه لا ضير في تنظيم حراك جماهيري واسع هدفه الصريح والمعلن رفع الحصار الجائر. في المقابل، لا يجب استنزاف طاقات الجماهير في مسيرات تحمل اسم مسيرات العودة – (والتي نعلم جميعاً أنها لن تحقق لهم العودة الان) – بغرض تحقيق هدف تخفيف أو رفع الحصار. هكذا تكتيك قد يتسبب في انتكاسة جديدة للجماهير، واستعدادها مستقبلاً للنهوض للعودة كأساس لأي مشروع تحرري حقيقي.

مسيرات العودة ليست آخر المحطات:
ضمن حركة مقاومة نظام الابارتهايد في جنوب أفريقيا انتهت "حملة التصدي" التي قادها حزب "الوحدويون الافريقيون" وانخرط فيها كل من المؤتمر الوطني الافريقي، والحزب الشيوعي في الخمسينيات من القرن الماضي انتهت بمجزرة شاربفيل في عام ١٩٦٠. حملة التصدي تلك، كانت حلقة في نضال جنوب الافريقيين لإنهاء نظام الابارتهايد، ولكنها لم تكن لتؤدي الى ما أدت اليه انتفاضة سويتو ما بين ١٩٧٦ و١٩٧٧ لأسباب أهمها، عدم وجود رؤية شاملة لحل الصراع جذرياً، وعجز الأحزاب عن توفير عوامل ومفاعيل الاستمرار. وجراء وحشية القمع، كان من أكبر آثارها السلبية على الجنوب افريقيين الانتكاسة السيكولوجية – الاجتماعية التي عمّقت من الشعور بالعجز، والدونية، وعدمية النضال بدل التحفيز على المواجهة.

ان انتفاضة سويتو بقيادة ستيف بيكو ما كانت لتكون لولا إعادة تعريفها للمستعمر ونظام الابارتهايد، ولولا احيائها لثقة الانسان الجنوب افريقي بنفسه. ان شعار "التحرر بالاعتماد على الذات" الى جانب شعارات مثل "افريقيا للأفريقيين"، و "الأسود قادر"، لم تكن مجرد صياغات لغوية، بل برامج تجاوزت الأحزاب التي كانت اما تراهن على تحقيق تحسينات مطلبية وجزئية، أو على تحسين شروط الحوار والتفاوض مع السلطة الحاكمة.

وعليه، فانه إذا كان تطوير الرؤية وتصويب البوصلة على المستوى الفلسطيني يحتاجان الى وقت ولا يكونان دفعة واحدة، الا ان عوامل ضمان الديمومة مطلوبة حالا، على الأقل لتفادي تعميق الانتكاسة في الشعور الفردي والجماعي لأبناء الشعب الفلسطيني. ان شراسة القمع الإسرائيلي للمسيرات السلمية لا يهدف الى القتل بذاته، بل يهدف من وراء ذلك الى إعادة الفلسطيني الى حالة الصدمة – الخوف، العجز، عدمية المحاولة وعبثية المقاومة. فان هذا يقتضي بالضرورة التعامل مع المسيرة بمنهجية غير تقليدية عبر توفير أسباب الديمومة لها، والقابلية للمراكمة. والمنهجية هنا لا تعني وجوب انتظام مسيرات العودة اسبوعيا، فهذا قد يكون مناسبا لمسيرات فك الحصار، ولكن لتطوير برنامج عودة قد يكون من الاجدى التعامل معها بنفس طويل. قد يقتضي هذا تنويع أشكال النضال من اجل العودة وإطلاق المبادرات الفردية والمواقعية، تعديد ساحات المسيرات، وتوسيعها، وتحقيق تكاملها.

على المقلب الآخر، فان وجود اجندة لحماس – سواء كانت رفع الحصار، أو الانتفاع بغنائم السلطة الفلسطينية وامتيازات اوسلو، او الحصول على كرسي على طاولة المفاوضات – لا يبرر عدم انتصار أحزاب السلطة الفلسطينية لحراك العودة بمحاكاته في الضفة، خصوصا وأن هكذا حراك "سلمي" في الضفة سيلجم اسرائيل – على الاقل - عن الإيغال في سياساتها الاستعمارية.     

حراك حيفا: الرمزية والتميّز
شكلت مظاهرات حيفا غير المرخصة (حراك حيفا) نقطة تحول في المشهد الفلسطيني على أكثر من مستوى. هذا التحول لم يكن وليد لحظته، إذ لا يصح فصله عن الهبات السابقة كهبة العام 2000، أو الوقفات الشجاعة لوقف الحروب على لبنان وغزة، والحراك ضد مخطط برافر وغيرها، إلا أن حراك حيفا المناصر لمسيرات غزة تميز في قوة ووضوح رسالته، وشكله، وفي لحظته التاريخية التي بدا فيها الوضع الفلسطيني أضعف ما يكون.
لم يكن الحراك مميزا فقط في مكانه؛ أي في رمزية حيفا الواقعة داخل الخط الأخضر، ولا في أنّ جماهيره من فلسطينيي الداخل المضطهدين والمُخضعين قسرا لبرامج وسياسات أسرلة وإقصاء مستمرة منذ سبعين عاما، بل بالتحدي الذي انطوى عليه الفعل نفسه بما يشمل المضامين.

حراك حيفا: التحدي وخلخلة المستقرّ
كان الحراك فعلاً كفاحياً تحررياً؛ فلم يكن مجرد فعل "تضامني" مع غزة، ولم يكن احتجاجياً ولا مطلبياً، بل تحدّى المشروع الاستعماري في جوهره. وتجاوز الحراك الأطر والأحزاب التقليدية فلم يكن تعبيراً عن إرادة أو برامج أي من الأحزاب القائمة رغم أن جزء من الشباب المنظمين أو المشاركين من المرتبطين بتلك الاطر أو الأحزاب بشكل ما. لقد كان فعلاً نضالياً جسّد تكاملية ساحات مواجهة المستعمر وتحداه في أركانه وليس آثاره وحسب.

التحديات ظهرت في الإصرار على تنظيم المظاهرات دون ترخيص، وفي التحشيد وفي المضامين التحررية رغم التهديد بالقمع. استند الإصرار إلى إيمان عميق بأن النضال الجدي لا يكون باستئذان المستعمر. وكان في هذا تجاوز لعقلية العمل من داخل النظام (نظام دولة المستعمر، ونظام الشرعية الدولية المحكومة بموازين القوى)، هذه العقلية التي ثبت فشلها عبر عقود طويلة.

وقد بلغ التحدي ذروته في إمكانية التحشيد، إذ لم يكن سهلاً حشد المئات في مظاهرة غير مرخصة، خصوصاً في ظلّ التشكيك بجدوى العمل أو بدعوى المغامرة غير المحسوبة الصادر عن جهات فلسطينية، ناهيك عن التهديد الإسرائيلي بالقمع. أما الشعارات والهتافات والصمود والمواجهة، فقد عَكستْ قوة في المضمون وأرسلت رسائل ساطعة في أكثر من اتجاه. فإذا كانت مسيرات العودة في قطاع غزة قد أعادت الحضور بقوة لقضية اللاجئين والمهجرين وحقوقهم، ولقضية الحصار الظالم المفروض على القطاع منذ أحد عشر عاما، فان حراك حيفا أعاد الحضور لمبدأ وحدة الشعب الفلسطيني، ومبدأ وحدة القضية والحقوق، ومبدأ تكاملية ساحات النضال، وعبثية اوسلو، وعدمية المشاركة في الكنيست، ولا مشروعية المشروع الاستعماري الصهيو-إسرائيلي.

على المستوى الاسرائيلي، خلخل حراك حيفا استقرار الاعتقاد الإسرائيلي بنجاح عملية اوسلو في فصل فلسطينيي الداخل المحتل عن بقية الشعب الفلسطيني "باعتبارهم شأن اسرائيلي داخلي" او "أقلية عربية في اسرائيل". ومع تهاوي الاعتقاد بإمكانية سلخهم عن أصلهم القومي، تهاوى ركون المستعمر إلى استسلام الضحية، والاطمئنان إلى استقرار المشروع الاستعماري؛ هذا الاعتقاد الذي تنامى باضطراد منذ اوسلو.

على المستوى الفلسطيني الرسمي، ظهر القلق من الحراك في الصمت شبه المطلق، وبعض التحيات الخجولة. ولو دققنا فيما وراء الصمت والتحيات الخجولة "لأبناء شعبنا في اسرائيل"، سنرى ما سببه حراك حيفا من قلق على "مُلْكية" تمثيل الشعب الفلسطيني ومشروع أوسلو نفسه. هذه الحالة عبر عنها بعض كوادر السلطة بتصوير الحراك إمّا بانه فورة ستنتهي سريعا، أو أنّه يخدم – بقصد او بدون قصد – اسرائيل وحماس في استهداف الشرعية الفلسطينية، أو أنّ خلفه أجندات ترمي الى إضعاف القائمة المشتركة (المسندة من السلطة طبعا). في مختلف الحالات كان هناك حقيقتان ساطعتان: الأولى، أنّ القيادات رفضت، أو قصرت، أو عجزت عن تبني الحراك ورفده وإسناده. الحقيقية الثانية تمثّلت في أن الحراك أعاد إلى الواجهة السؤال الأساس حول شروط ومعايير شرعية التمثيل الوطني. ولعل هذا ما يفسر ظهور تآلف السلطة الفلسطينية مع احزاب القائمة المشتركة بعد الحراك؛ الامر الذي وصل مؤخرا الى حد الدعوة الى تشكيل "حزب عربي – اسرائيلي"، او التشكيك في جدوى تحدي اسرائيل ورفع العلم الفلسطيني في الداخل المحتل.

أمّا على المستوى الفلسطيني الشعبي، فقد جاء الحراك باهراً واستُقبل بافتخار. فبنظرة سريعة على التفاعلات مع الحراك، يظهر أنه كان "مبعث أمل"، "أحيا فينا الامل بالعودة والتحرر"، "خطوة تبشر بإمكانية التخلص من اوسلو والسلطة..."، "تعبير حقيقي عن وحدة الشعب في كافة أماكن تواجده"، "أخجل من نفسي أمام عظمة مظاهرة حيفا..."، "وين السحيجة يتعلموا شو يعني مقاومة"، "والله اسرائيل أضعف من بيت العنكبوت..."، " شباب وجماهير سبقت القيادات... "، "صوت الناس الحقيقي"... الخ.

حراك حيفا: الاحتواء بالتشكيك والتشتيت
تدريجياً تراجع زخم حراك حيفا حالياً وتوقف أمام التشكيك بالجدوى، وتشتيت الهدف. أسباب ذلك عديدة ولكن أهمها عدم نضوج الإطار التنظيمي الناظم للحراك، وعدم استقلاليته تماماً عن الهياكل التنظيمية الحزبية القائمة، وتضييع البوصلة بالانخراط في حراك ارفعوا العقوبات على غزة.

إن النهوض بالجماهير يستدعي اداة تنظيمية/ او شكلا تنظيما أكثر رقياً من حراك. فالحراكات قد توقظ الوعي، وقد تحرك الحشود لفترة، لكنها ليست الشكل التنظيمي القادر على قيادة حركة الجماهير وتحقيق التغيير. الاحزاب العربية في الداخل، والسلطة الفلسطينية كانت الاقدر تنظيميا على احتواء الحركة، خصوصاً وأن كادر الحراك المبادر لم يكن مستقلاً تماماً. التشكيك في الجدوى، وعزوف بعض الاحزاب عن المشاركة، وانخراط نفس كادر الحراك تقريباً في حراك ارفعوا العقوبات وما تبع ذلك من نقل ساحة المواجهة من حيفا الى رام الله، بالترافق مع تقديم اللجنة الوطنية لمسيرات العودة في غزة لمطلب فك الحصار على العودة، عوامل اسهمت في تضييع فرص التحشيد وشوّهت مفهوم تكاملية ساحات النضال في مواجهة المستعمر.

لم يكن المطلوب من حراك حيفا أنّ يستنفذ ذاته، فالتقاط الأنفاس وتنظيم الصفوف من مقومات الاستمرار. في المقابل، ليس من الصحة بمكان افتراض أنّ الحراك كان بشكله الذي كان عليه يشكل البديل عن القوى والاحزاب القائمة، إنما كان خطوة جريئة لو استمرت لدفعت الاحزاب لمراجعة برامجها ورؤاها، او على الاقل لاسهم في خلق قوة/ى وحراكات جديدة.
 
استراتيجيات التعامل مع مسيرة العودة وحراك حيفا:
بمتابعة التفاعل الاسرائيلي، يتبيّن أنه الاوضح من بين التفاعلات المحيطة. فإسرائيل وجدت نفسها في مأزق كيفية المعالجة. والمأزق هنا ليس احتمال تنفيذ فلسطينيي غزة العودة الان؛ بل أمام تحدٍّ استراتيجي جديد اعتقدت أنها لن تضطر أن تواجهه – على الاقل في ظل حالة التراجع الفلسطيني الراهنة والوضع المتردي في الاقليم برمته.

يتمثل التحدي الاول في احتمال ان تشكل خطوة مسيرة العودة كسرا لحاجز الصدمة والخوف الذي حال دون وجود وتطور برنامج فلسطيني جدي للعودة منذ النكبة. وينبع التحدي الثاني من احتمال أن يشكل حراك حيفا نموذجا للعمل النضالي من خارج منظومة الاستعمار. كلا التحديين يشكلان خطراً استراتيجياً بالنسبة لإسرائيل. أمام هكذا خطر لا تقلق اسرائيل بردود الفعل الدولية، إنما ما يهمها هو إدامة حالة الانكسار الفلسطيني والعمل ضمن المنظومة الاستعمارية الاسرائيلية والاممية. ولأن اسرائيل واثقة من استفحال حالة الانكسار في الضفة والداخل والشتات، ومطمئنة تماما الى الدور الغربي، وخصوصا الامريكي في كبح التفاعلات الدولية، اختارت القمع بشدة.

هذا الاختيار نابع من إدراك عميق لخطورة الخطوة فيما إذا ادت الى كسر حاجز الخوف لدى الفلسطيني وبدء العمل من خارج المنظومة لتحدي اساس المشروع الصهيوني. ان كسر الحاجز والمنظومة، يعني بداية الخروج من حالة العجز ودوامة انتظار إنفاذ المجتمع الدولي لوعوده. وبالمعنى الاستراتيجي، يشكل هذا الخروج الخطر الاكبر على المشروع الصهيو-اسرائيلي الاستعماري. اسرائيل تدرك ان العودة لن تتحقق عبر هذه المسيرة، وتدرك ان الحراك بذاته لن يهزمها، ولكنها تدرك ايضا انها قد تشكل نموذجا لمبادرات فردية وجماعية لا حصر لها. وأزمة إسرائيل، لن تكون في قمع المبادرات بذاتها، بل في تبلوّر وعي الفلسطيني لذاته، وحقوقه، وقدراته ومشروعه التحرري بالتالي. وعليه، لم يكن الاسراف والوحشية في القتل عبثيا، انما الغاية منه إعادة الوعي الى مربع الصدمة، والخوف والانكسار.

رغم أن بؤس التفاعلات الفلسطينية في الضفة والداخل المحتل والشتات مع الخطوة ملحوظ، إلا أن تجاوزه لا يزال ممكناً. بلا شك، كان لانحسار مشروع اوسلو وآثاره الكارثية على الوعي الوطني، والحصار الدائم والمطبق وآثاره على معيشة الناس، ووجود تنظيمات فاعلة وسط الناس، ووجود مصلحة لدى حماس في فك الحصار ومنع فرض عقوبات جديدة على القطاع، تشكل أسباباً هيأت قطاع غزة لإطلاق هذه المبادرة. ولا أحد يستطيع أن يدعي أن الخطوة لا تنطوي على اجندة سياسية قد تهدف من ورائها حماس الى الخروج من ازمة لديها، ولكن سيكون مجافياً للحقيقة القول أن الخطوة بالمعنى التنظيمي ليست كبيرة، او انها بالقياس الى الأثر غير مجدية. إن وجود قوى قادرة على تحفيز وضبط حركة الالاف وتوجيهها الى هدف وطني عام في ظل المعطيات الحالية، لهو دليل نجاح على القدرة على التأثير، وبالتالي التغيير. وبمعنى المخالفة، العجز عن تحريك الشارع في الضفة والشتات والتستر وراء تضامن لفظي لا يعدو كونه دليل خلل بنيوي او انتهازية مفرطة. ويصبح الأمر مدعاة للسخرية عندما يسوّق العاجزون أنفسهم ان المسيرة هي نجاح لبرنامج المقاومة السلمية! فاذا كان الامر كذلك، فلماذا لا يتم محاكاة مسيرة العودة بمسيرات حتى وان جاءت محدودة زمنيا وأقل حجما في الضفة وغيرها؟

ربما لا تستطيع الضفة، والداخل المحتل، والشتات حشد عشرات الآلاف، ولكن ليس ايّ منها بحاجة الى حصار ظالم لأكثر من عشر سنوات ليدرك ان وضعه -الذي قد يكون أحسن قليلاً – لا كرامة له فيه، ولا حقوق مصونة له. الحقيقة، التي لا يجب اغفالها أن مختلف المواقع مهدورة الكرامة والحقوق رغم عدم تطابق اشكال القمع، والظلم، والتمييز، والإذلال، ورغم ما قد يبدو من تفاوت في المستوى. ليس أيّ من الضفة أو الداخل المحتل او الشتات بحاجة إلى كثير من التمعن ليرى أهمية الاعتماد على الذات مقابل فشل المجتمع الدولي في احقاق الحق، أو تواطؤه مع اسرائيل أو تآمره على قضيتنا وحقوقنا. وعليه، تكون الاولوية لفعاليات منظمة تحول دون تمكّن إسرائيل من إدامة حالة الانكسار والخوف. الاولوية لاستثمار اللحظة والحدث في تشكيل الفلسطيني القادر. لسنا بحاجة إلى سبعين عاما أخرى كي ندرك أن العودة – إذا كنا فعلا نريد العودة – رهن بإرادتنا. وغني عن القول، بأن إطلاق الارادة الشعبية وتحفيزها لا يعني دفع الناس الى الموت، رغم ان للحرية أثمان لا بد ان تدفع في لحظة ما. وغني عن القول أيضا، أن المبادرات الشعبية لا تنتظر قراراً تنظيمياً من قوى سياسية أقصى ما لديها التضامن مع شعبها.

-----------------------------------
*هذا المقال مستمد من مقالات نشرت للكاتب: مسيرة العودة نقطة تحول استراتيجي في مشروع التحرر (الرابط www.maannews.net/Content.aspx?id=945547)، وبؤس المواقف في مواجهة البطش الاسرائيلي (الرابط: www.arab48)، ومقال آخر نشر بالاشتراك مع رلى مزاوي حمل عنوان: حراك حيفا: نظرة على مؤشرات التغيير” (الرابط: www.arab48).
** نضال العزة: كاتب من فلسطين، مدير مركز بديل.