تمثيل فلسطينيي 48 على المستوى الوطني الفلسطيني

تمثيل فلسطينيي 48 على المستوى الوطني الفلسطيني
بقلم: رجـــا إغبارية*

المواقف والادوار المتشابكة بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحزاب العربية الرسمية داخل ال48

المحور الأول: مراجعة سياسية
إن فهم ومعالجة موقف ودور الأحزاب العربية داخل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 يتطلب مراجعة سياسية لبعض المحطات التاريخية التي شكلت الأساس والأرضية لهذه المواقف والأدوار. وعليه، سيتطرق هذا المقال إلى تقديم مراجعة سياسية لبعض المحطات التاريخية وآثارها السياسية، ومن ثم ينتقل إلى مناقشة الأدوار المتشابكة والتنسيقية بين منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب العربية في الأرض المحتلة عام 1948.
 

تمكنت الحركة الكولونيالية الصهيونية عام 1948 من إلحاق الهزيمة بالشعب الفلسطيني والجيوش العربية، وأنشَأت إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني بعد أن شردت غالبيته من أرضه ووطنه ضمن أكبر عملية تطهير عرقي تعرض لها الشعب الفلسطيني. وقد شرعن المجتمع الدولي عملية التطهير العرقي في قراراته سواء من خلال الإعتراف بقيام إسرائيل أو تأكيد نكبة الشعب الفلسطيني، رغم تأكيده على حقه في العودة إلى أرضه ووطنه عبر قرار 194. لم يبق من الفلسطينيين داخل ما أصبح يُعرف بإسرائيل سوى نحو 15% من مُجمل السُكان، وقد تعرض منهم الربع للتهجير الداخلي، الذين اصبحوا يعرفون اليوم بالمهجرين. يشكل  الفلسطينيون ممن بقوا داخل حدود ال 48 ما نسبته 17% من السكان، واصبحوا بعد النكبة بين عشية وضحاها مواطنين لهم حقوق مدنية ودينية بحسب قرارات الامم المتحدة. ما بين النكبة والعام 1966 أخضعوا للحكم العسكري الاسرائيلي حتى عام 1966م، حيث تحولت البطاقة الخضراء او الصفراء الى زرقاء رسمياً، وتبدل الحكم العسكري بحكم مدني صهيوني لا يختلف عن جوهر الحكم العسكري الا في الشكل. وأكبر دليل على ذلك هو حق العرب بالتصويت للكنيست تحت الحكم العسكري مثلما هو الحال في ظل الحكم المدني.

إنعكست النكبة الفلسطينية والهزيمة العربية على كافة مناحي حياة الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة عام 1948. فبين النكبة وضحاها تحول الفلسطيني الى قوة احتياط انتخابية للاحزاب الصهيونية، حيث صوّت الفلسطينيون في الإنتخابات الأولى وما بعدها بنسبة تصل الى 85% للأحزاب الصهيونية و15% الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي غير الصهيوني الا انه اسرائيلي ايضاً، وتراوحت نسبة المشاركة/التصويت العامة بين 85% الى 95% متفوقة بذلك على نسب تصويت اليهود الإسرائيليين انفسهم. هذا السلوك السياسي غير المنطقي تاريخياً لشعب تعرض لنكبة وهزيمة وحكم عسكري ومصادرة اراضٍ، مصادرة حقه في تقرير المصير على ارضه، تعبر عن حالة تماهي مع دولة العدو وأحزابها ومؤسساتها الحاكمة مثل البرلمان. إن تفسير هذا السلوك السياسي يعود الى هول النكبة والرعب من العدو والخوف من استمرار عملية  الطرد من البلاد والحكم العسكري الذي اشترى ذمم  زعماء عائلات مقابل تأشيرة عمل وتصريح سفر بهدف العمل في المدن اليهودية ووسعيا وراء مصالح صغيرة ووظائف حكومية (مثل المدارس) وغير ذلك مما فسر على انه ضرورة للبقاء في الارض حتى تحت حكم ومظلة الاحتلال. من جهة ثانية، هناك من آمن بحقّ إسرائيل في الوجود الشرعي واعتبرها تجسيدا لحق تقرير المصير لليهود في البلاد، وأعني بذلك الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعرب الأحزاب الصهيونية المتمسكين بعضوية أحزابهم حتى اليوم، بالإضافة إلى قادة من الطائفة العربية الدرزية والمنتفعين من الدولة على إختلاف مشاربهم وتصنيفاتهم.

تقلّصت اليوم صورة المشاركة السياسية نحو النصف حيث تبدلت عبر مد وجزر لتستقر على هذا المعدل من حيث التصويت أو عدمه بما في ذلك الإنتخابات الأخيرة (2015) التي خاضها العرب غير الصهاينة بقائمة واحدة لأول مرة منذ عام 1948م. وقد تحوّلت دالّة التصويت للأحزاب العربية الى نحو 90% وإلى 10% للأحزاب الصهيونية ليُعتبر هذا السلوك السياسي انقلاباً تاماً على مؤسسات الدولة، وربما على الدولة برمتها بالقياس الى موقفي التصويت المبدئي والمقاطعة المبدئية؛ سواء من حيث التصويت او عدمه او من حيث التصويت للأحزاب الصهيونية او الاحزاب غير الصهيونية. بالرغم من هذا الإنقلاب التام، إلا أنن أجد أن التصويت اليوم (بمعنى المشاركة السياسية) مع سبق الإصرار والترصد من قبل 50% من العرب أخطر من التصويت بنحو 90% في خمسينيات القرن الماضي والذي كان يستند الى الرعب والخوف من تداعيات الههزيمة والنكبة. ان نسبة التصويت وان قلّت اليوم، الا انها تعكس تبني مشروع أسرلة مدني يجري بشكل واعٍ وجماعي، يغييب التباينات الآيديولوجية، تم التعبير عنه بالمشاركة السياسية للقائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة. هنا الاسرلة السياسية هي جماعية وشاملة واختيارية بغض النظر عن اسبابها ونتائجها العددية. فنتيجتها السياسية محكمومة بالفشل كما سابقاتها واسوأز يكفي ان نلاحظ هنا ان المشاركة جرت في ظل تصويت المجتمع الكولونيالي اليهودي الى حكومة يمين فاشي تسعى الى ضم الضفة الغربية، رسمياً وتثبيت واقع اسرائيل الكبرى كدولة ابارتهايد.

المحور الثاني: تناغم القيادات الفلسطينية الرسمية على جانبي الخط الأخضر
تلتقي قيادات فلسطينيي ال48 الذين يراهنون على دمقرطة إسرائيل ويمنحوها الشرعية عبر المشاركة في إنتخابات الكنيست مع قيادات فلسطينيي السلطة الفلسطينية الذين يراهنون على أن تُقيم لهم إسرائيل دولتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. يَبرز هنا موقف ودور الاحزاب الرسمية العربية التي تشكل الاغلبية الرسمية داخل ال48 متكاملاً ومتناسقاً مع دور السلطة الفلسطينية والقيادات الرسمية للشعب الفلسطيني في مشروع السلطة والحل بصرف النظر عمن يؤيد تماما، او يعارض شكلا، او يتحفظ احيانا. تُعتبر الأحزاب العربية السياسية داخل ال 48 بمثابة جسر غير رسمي بين إسرائيل الرسمية وفلسطين الرسمية، إلا أن واقع الحال من حيث الاثر يقول انه ليس لهم أي دور فعّال سواء في اسرائيل أو في فلسطين المستندة الى حل الدولتين. ولعل هذا الالتقاء هو ترجمة لتمسك الطرفين على جاني “الخط الخضر” بقرارات الامم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وطرحها على أنها الحل الأوحد للقضية الفلسطينية؛ الامر الذي يستبعد، ان لم نقل يخشى او يخوّن، اي بديل يخرج عن هذا الإطار والنهج.

إن القيادات الرسمية  الفلسطينية على جانبي الخط الاخضر متجانسة ومتفقة على شرعية وجود إسرائيل مستندين بذلك الى القرارات الدولية بدءاً بقرار التقسيم، ثم القرارات التي تلته عام 1948، 1967، 1973 إلى مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو، حيثُ  أصبحت قرارات الشرعية الدولية بمثابة المرجعية الرسمية للتفاوض مع إسرائيل. وفي ظل فشل حل الدولتين، فإن الأغلبية الرسمية الفلسطينية تدور في فلك موازين القوى التي تفرضها إسرائيل ومعسكرها الامبريالي والرجعي العربي والاسلاموي رغم نوايا السيادة والدولة أو الدولتين التي تشكل اساساً وناظماً لبرامجهم وسلوكهم السياسي السلمي.  

في الحقيقة، تعود نتائج هذا الواقع إلى مؤتمر المجلس الوطني الأخير الذي عقد عام 1988 في الجزائر وكان بداية نهاية “الميثاق الوطني الفلسطيني”، فالإعتراف بقرارات الامم المتحدة مثل قرار 181 يُشكل حجر الأساس لإعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية قيام إسرائيل ووجودها من حيث المبدأ والسياسة. يتبعها قرار 242 و338 الداعية الى الانسحاب الاسرائيلي لحدود عام 1967 والاشارة بخجل إلى قرار 194 المرتبط بحق العودة. وتعترف الاحزاب العربية الرسمية المشاركة في الكنيست الإسرائيلي بهذه القرارات، الأمر الذي يؤكد ويكرس مسألة الانسجام والتكامل بين القيادتين الرسميتين الفلسطينيتين على طرفي “الخط الاخضر”.

تتطابق هذه القرارات مع برامج الاسرلة السياسية للاحزاب العربية الكنيستية التي تربط مصير فلسطينيي ال48 باسرائيل من خلال المطالبة بالمساواة القومية واليومية في اسرائيل، وتسعى لنيل المواطنة الكاملة والمتساوية فيها رغم كل المخاطر التي تحملها هذه البرامج مثل الولاء لدولة الاغلبية اليهودية وضرورة الالتزام بتقديم الواجبات المستحقة مقابل الحقوق المنشودة مثل الخدمة المدنية والعسكرية وما ينبثق عنهما.

بالرغم من تطابق رؤية الأحزاب العربية داخل الأراضي المحتلة عام 1948 مع رؤية السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بما يتعلق بحل القضية الفلسطينية والمسألة اليهودية، إلا أن الأحزاب داخل ال48 – بإستثناء الحركة الاسلامية الشمالية وحركة أبناء البلد- لا تسعى رسمياً وفعلياً لأن تكون ضمن مؤسسات تمثيلية فلسطينية. عدم السعي لنيل التمثيل والمشاركة في صنع القرار الوطني الفلسطيني، مع ملاحظة ان الحركة الاسلامية الشمالية لا تفصح عن موقفها بوضوح، بينما تطالب صراحة حركة ابناء البلد بالمشاركة في انتخاب ودوائر م ت ف، يعكس عناية الاحزاب العربية في ال 48 المشاركة في الانتخابات عن خشيتها من مواجهة التناقض الكامن وراء وجوب إظهار الولاء “للدولة”. يقابل ذلك، أن موضوع مشاركة فلسيطينيي ال48 في دوائر م ت ف وصناعة القرار الوطني مرفوض رسمياً من قبل منظمة التحرير قبل أن يكون مرفوضاً من قبل إسرائيل. يُعتبر تمثيل قلسطينيي 48 في المؤسسات التمثيلية للشعب الفلسطيني ضروري جداً من أجل يكونوا شركاء في إتخاذ القرار الفلسطيني وتنفيذه وفي مقدمة ذلك المشاركة الفاعلة كفاحياً في مواجهة المشروع الصهيوني وانهائه في فلسطين على قاعدة إقامة دولة فلسطين الديومقراطية لكل مواطنيها وعلى كل ارض فلسطين.

بعيداً عن الإنقطاع والفصل التنظيمي الرسمي بين مؤسسات تمثيل الشعب الفلسطيني وقيادات ال48، إلا أن هناك تواصلا دائما في القضايا والمعاناة المشتركة. فقد ساهم فلسطينيو ال48 بشكل بارز في الإنتفاضة الاولى بشكل خاص، وفي الثانية بشكل أقل بسبب الفارق بين الانتفاضتين. ويظهر هذا الدعم في حملات مساندة الحركة الاسيرة الفلسطينية، والتعاون في قضية إحياء ذكرى النكبة بشكل مشترك. أما على صعيد التواصل النضالي، فيتم ذلك يومياً في باحات المسجد الاقصى ودعم أهل القدس إقتصادياً.

في هذا السياق، لا بد من الاشارة الى أن هناك تجانس فكري وربما تنسيقات شعبية وليس تنظيمية بين معظم تنظيمات الداخل الفلسطيني مع تنظيمات الضفة الغربية والقطاع. وهناك مئات الكوادر من داخل ال48 التحقت بالكفاح المسلح والعمل السري الفلسطيني الذي تقوده فصائل الشعب الفلسطيني المتمركزة في الضفة والقطاع منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فسجناء ال48 هم جزء لا يتجزأ من الحركة الفلسطينية الاسيرة.

إن إقامة إطار فلسطيني جامع وعابر للحدود الاستعمارية التي فرضها الكيان الصهيوني هو الحل للإنتقال من حالة التشرذم إلى حالة تكامل نضالي وإنهاء الإحتلال الصهيوني في فلسطين التاريخية وبناء دولة فلسطين الديمقراطية لكل مواطنيها بغض النظر عن الجنس واللون والدين والعرق واللغة.
 
------------------------
* رجا إغبارية: عضو مكتب سياسي في حركة أبناء البلد.