فــن الكاريكاتير...قبل إتقانــك الريشــة، عليــك إتقـــان أرضـــك

فــن الكاريكاتير...قبل إتقانــك الريشــة، عليــك إتقـــان أرضـــك

بقلم:الفنــان محمــد سباعنــــة

فكيف لنا أن لا نمارس أرضنا! نقيه طاهرة كما علمنا بأن خمرة الجنه لا تسكر، فإن السقوط من أجل فلسطين لا يميت، هكذا علمنا وهكذا آمنا، فعليك اليوم وبالأمس وغدا أن تمارس غنائك بفلسطينيته وعليك ان تغرس راية الأرض على قمم الروح.محمد سباعنه.. ولدت في الكويت، وأتذكر ما أتذكره من تعاليم أمي وأبي، وغذائنا الفلسطيني اليومي من أخبار الصحف اليومية عن فلسطين وأخبار انتفاضتها الأولى، ونقلت بمعظمها من خلال لوحات الشهيد الراحل الذي ما زال بيننا: ناجي العلي (أبو خالد) الخالد في واقعنا وتاريخنا ومستقبلنا، علمنا أن فلسطين ليست بالحياد، فلسطين هي اللوحه المرسومة باللونين الأبيض والأسود.. ولا حياد.. أتذكر كيف كنا وأخوتي نسجل أسماءنا على الكتب المدرسية.. محمد عبد الغني سباعنة... ونختمها بفلسطين... كأنه البحث الدائم عن عودة لأرض لا نملك من صورتها غير ما خط ناجي العلي ونقلته صور الأخبار، أو كأنا كنا نخاف أن نتوه أثناء عودتنا من مدرستنا فتكون الأمنيه بأن يعيدنا من يجدنا الى فلسطين.



عدنا وبعد عودتنا من الكويت وخروج معظم الفلسطينين من هناك بعد حرب الخليج الأولى الى الأردن وبعدها الى فلسطين... لاكمال دراستي الجامعية، حيث درست التصميم الداخلي في جامعة النجاح الوطنية. أعتبر أن فترة دراستي الجامعية هي الفتره التي وضعت خطواتي الأولى نحو أن أكون رسام كاريكاتور، الرغبة في ممارسة أرضي وقضيتي، إنتمائي للطبقة الفقيرة مما أوجب علي أن أعمل أثناء دراستي الجامعية في عدة مجالات، فعملت بمقاهي وفنادق، وعملت داخل الخط الأخضر، وعملت بالرسم البورتريه، والتصميم أيضا. وأتذكر أني بأحدى المرات وبخت أثناء عملي في فندق في مدينة نابلس لأني كنت أمارس رسم الكاريكاتور على الأوراق الرسمية للفندق، وأتذكر أثناء نشري بصحيفة "الرصيف" الاسبوعية التي ساعدني بالنشر بها صديقي حسين الخليلي، كيف كنت أذهب سيرا لمكتب الصحيفه بنابلس وكيف كنت أحمل أعداد الصحيفه للمساعدة بنشرها..  أتذكر كيف علقنا لوحات معرضي الأول على جدران جامعة النجاح الوطنية، وفي إصراري على أن أمارس فلسطينيتي كما تعلمت منذ طفولتي، وكما يجب على متعلمي فلسطين ومثقفيها وفنانيها أن يثبتو أن لنضالنا شكل إنساني من خلال ممارسة نضالنا من خلال اللوحة والكلمة، وليس بعيد هذا الأمس القريب عندما نقلت معرض "حالة شغب" الى مدينة نابلس، وواجهنا حواجز الاحتلال على مدخل المدينة فحملنا لوحات المعرض وعبرنا الحواجز سيرا على الاقدام، وأطلق علينا قنابل الغاز. ولكن تابعنا وأصدقائي  حتى وصلنا وأقمنا المعرض، أصدقائي يخبئوا نقودهم وأجهزتهم  الخليوية، وفي لحظات أثناء اجتياح مدينة نابلس أتذكر عندما كان... كنت أخبئ ما كنت ارسمه عن الاجتياح، خوفا من تمزيقها عند تفتيش المنزل الذي كنا نسكنه أثناء دراستنا الجامعية. وأتذكر أيضا خوف معلمي علي ونصحه الدائم لي اثناء دراستي في قوله: "إبعد عن السياسة يا ابني". أستاذي الاستاذ كامل المغني... وأتذكر كم احتضن رئيس الجامعه استاذي الدكتور رامي الحمد الله معارضي في جامعة النجاح.. لقد مارست  شكل النضال الذي استطعت، وتعودت أن أبحث عن حقائق حزننا اليومي وأملنا اليومي بأن نكون جميعا وطن، بحثت عن خط واحد في لوحاتي يحمل همنا جميعا على اختلاف انتماءاتنا السياسية وحاولت أن أحمل بلوحتي انتماء واحد للأرض، قرأت في وجوه الناس أو بالأحرى حاولت أن اقرأ حلم واحد أكرسه انا، أن أجد رابط مشترك بين الجميع نتفق عليه، ولم ولن أجد سوى فلسطين.  

الكاريكاتير بما يحمله من صفه نضالية وما أطفاه عليه الشهيد ناجي العلي من قدسيه أيضا، أعرفه بأنه فن الرسم بالبارود، فعلى من يمارس هذا الشكل من النضال أن يعلم ان عليه الانخراط بجرح ارضه، وممارسة حزنها بشكل شخصي داخل حدود روحه ونفسه، فالأرض المغتصبة جزء من جسده، النزف الحاصل في أبناء شعبه شئ من نبضه، دموع الأمهات وبكائهن يسمعه في صدى نفسه، على من يمارس هذا الفن ان يتقن اولا قبل اتقانه للقلم او اللون علية ان يتقن جيدا أرضه.

بعد تخرجي من الجامعة، عملت في الجامعة العربية الأمريكيه في دائرة العلاقات العامه كمصمم جرافيكي، وأقمت معرضي الثاني في الجامعه عام 2002 وقام بافتتاحه الاستاذ نبيل عمرو والدكتور وليد ديب. ومنذ ذلك المعرض حيث تبنى رسمي الأستاذ نبيل عمرو بدأت النشر في صحيفة "الحياة الجديدة" اليومية حيث احتضني ايضا أستاذي الأستاذ حافظ البرغوثي، ونشرت في الصحيفه مع ظروفها الاقتصادية الصعبة مما اضطرني للعمل معهم مجانا، وحيث كان هدفي نشر ما أقوم برسمه ومخاطبتي لأهلي وشعبي ما زلت اعمل معهم بشكل شبه مجاني، وكما أسلفت فإن هذا العمل عمل نضالي فعلى من يمارسه ان يعرف بأن طريقه طويلة، كما أن طريق هذه الارض طويلة.

أذكر أيضا في معرضي الأخير "حالة شغب" الذي ابتدئ من المدينة المحاصرة نابلس في عودتي لجامعتي الحبيبة واحتضان رئيسها الاستاذ الدكتور رامي الحمد الله له واقامته أيضا في الجامعة العربية الامريكية، واصطدام المعرض بالرفض من معظم المؤسسات الثقافية في مدينة رام الله واختلاق أعذار لرفض المعرض تحت شعارات عدة، يؤكد أن هذا الفن فن شائك ويؤكد أيضا على حاجة رسام الكاريكاتير للصبر والجلد، فلا يتخيل أن الصحف أو المؤسسات ستلاقيه بأذرع مفتوح للوحاته، أو أن عملية نشر أعماله عملية بسيطة أو سهلة، وليعلم رسام الكاريكاتير ان عليه أن يبدأ بنفسه ليخرج بصبره وقراره بأن يشكل حالة نضال لوطنه وقضاياه.

وها قد حققت أمنية متواضعة، بنقل معرض "حالة شغب" الى مخيم عين الحلوة باستضافة المرصد الفلسطيني لحقوق الانسان. ومخيم عين الحلوة، له دلالته الخاصة في قلبي، ليس لأنه أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان فحسب، بل هو المكان الذي كبر فيه ناجي العلي، وكبر به ومعه.

كانت لي عدة مشاركات في مسابقات في فنون أخرى كالتصميم الجرافيكي، فزت بمسابقة نظمتها اللجنة الاجتماعية الفلسطينيه تحت عنوان "اسمك يا بلدي" حيث فزت بالمركز الاول على المستوى العربي، وفزت بالمرتبة الثانية في تصميم افضل بوستر للنكبة في جائزة العودة للعام 2007، ولي الفخر أن أحقق هذه المراكز في مسابقات تحكي وتبحث في قضايا وطني.

ولكن الكاريكاتير حالة نضالية، أكدها الشهيد ناجي العلي ووضع الحد الأقصى لما ممكن ان تدفعه ثمنا للوحتك، وارائك وعليه فمن اختار ان يسلك اي طريق يؤدي الى وطن فعليه ان يعلم ان طريقه مرصفة بالشوك، وعليه أن يختار...

___________________

الفنان محمد سباعنة هو رسام كاريكاتير، درس التصميم والديكور في كلية الفنون الجميلة بجامعة النجاح الوطنية. ينشر سباعنة رسوماته في عدد من الصحف الفلسطينية والعربية، وله عدد من المعارض الفنية. للمزيد حول الفنان سباعنة: www.jffra.com