الاعتراف الرسمي بحقيقة الاستعمار الاستيطاني: خطوة أولى من أجل عدالة انتقالية

الاعتراف الرسمي بحقيقة الاستعمار الاستيطاني: خطوة أولى من أجل عدالة انتقالية
بقلم: خليل اللحام*
 
يرتبط الحديث عن العدالة الانتقالية تاريخياً بسياق انتهاكات جسيمة للحقوق، حيث تخلو نصوص القانون الدولي من تعريف محدد لمفهوم العدالة الانتقالية، لكن من الممكن مقاربة هذا المفهوم من حيث الغرض المرجو منه. فالغرض من الانتقال يكمن في وضع حد للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من جهة، وتأسيس نظام ديمقراطي يضمن حقوق الإفراد وكرامتهم من جهة أخرى.[1] في السياق الفلسطيني، لا شك أنه من المبكر الحديث الآن عن تأسيس نظام ديمقراطي في ظل استمرار نظام الاستعمار الاستيطاني الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين.
 

ويترتب على العدالة الانتقالية استحقاقات مهمة تجاه المجتمع والضحايا، كالحق في الاعتراف بحقيقة ما حدث، والحق في الإنصاف والمحاكمة العادلة، والحق في الحصول على تعويضات، والحصول على ضمانات لعدم تكرار ما حدث.[2] إنه لمن المبكر أيضا الحديث عن هذه الاستحقاقات الآن لا سيما وأن جريمة الاستعمار الاستيطاني والانتهاكات الجسيمة لحقوق الفلسطينيين ما زالت مستمرة، ولكن من الممكن بداية الحديث عن حق الفلسطينيين بالاعتراف الرسمي لما حدث لهم وما يستمر حدوثه من انتهاكات لحقوقهم، والاعتراف بوضعيتهم كضحايا.

لا شك بأن مطالبة منظمة التحرير بدولة فلسطينية على حدود الأرض المحتلة عام 1967، قد ساهم بشكل كبير بالإضرار بحقوق الفلسطينيين، خاصة تلك المرتبطة بالمأساة الفلسطينية عام 1948 ونتائجها. كذلك ساهمت هذه المطالبات بتشويه الوقائع التاريخية والإضرار بحق الفلسطينيين في الاعتراف الرسمي لما حدث بحقهم، وما يستمر حدوثه من ممارسات الاضطهاد والتهجير.

سيقودنا هذا في البداية للحديث عن المرتكزات القانونية لحل الدولتين والتي يستند عليها الخطاب الرسمي الفلسطيني، ومن ثم سنتحدث عن المرتكزات القانونية لخطاب قانوني بديل، يأخذ بعين الاعتبار حقيقة نظام الاستعمار الاستيطاني الذي تمارسه إسرائيل وتجلياته كجرائم ضد الإنسانية.

إن علاقات القوى التي تفرضها السياسة قادرة على إنتاج المفاهيم التي تنسجم معها، وبذلك لا يهم كثيراً قبول أو عدم قبول الطرف الأضعف بقواعد اللعبة المفروضة، أمام هذا الطمس للوقائع التاريخية والاعتداء على ابسط حقوق الضحايا. السؤال الان: هل من الممكن للخطاب القانوني أن يقدم خطابا بديلاً يستوعب الوقائع التاريخي ويصون حق الضحايا الأساسي بالاعتراف بالاضطهاد الممارس بحقهم منذ عقود؟

الاحتلال الإسرائيلي لأرض الفلسطينيين عام 1967 : وصف  مجتزأ للأعراض دون تشخيص العلة؟

جرت العادة في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية على استخدام مصطلح "النزاع الإسرائيلي الفلسطيني"، أو "الاحتلال الإسرائيلي"، وذلك عند الحديث عن الاستعمار الاستيطاني الذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين. وفيما يبعث المصطلح الأول على وجود نزاع بين دولتين سياديتين يمكن حله بالطرق التقليدية لحل النزاعات بين الدول، فإن مصطلح "الاحتلال" يحيل على فرض السيطرة العسكرية على أراضي معينة.[3] تعتبر نصوص القانون الدولي الإنساني (أو ما يعرف بقانون النزاعات المسلحة) المرجعية القانونية لتنظيم هذه الأوضاع وتحديد ماهية التصرفات المسموح بها أو الممنوعة.

 تنبؤنا الوقائع التاريخية بأنه لم يكن هناك وجود لنزاع مسلح حقيقي أو حرب بالمفهوم المتعارف عليه بين الفلسطينيين وإسرائيل. إن ما يستدعي تطبيق قانون النزاعات المسلحة هو حماية المدنيين الناتجة عن احتلال جزء من أراضي الفلسطينيين عام 1967. بذلك، تسري نصوص القانون الدولي الإنساني على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 باعتبارها أرض محتلة بحسب ما ينص عليه قرار مجلس الأمن رقم 242، كذلك تنطبق معاهدات جنيف الأربع لعام 1949 على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 بمقتضى المادة 2 المشتركة، وبخاصة معاهدة جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب والبروتوكول الخاص بحماية المدنيين لعام 1977.

إن قواعد القانون الدولي الإنساني لا تحظر الحرب أو الاحتلال، وإنما تعمل على تنظيمهما بفرض قواعد تدون أعراف وتقاليد الحرب، وذلك تلبية للحاجة من تخفيف وطأة الحروب التي تخوضها الجيوش النظامية بشكل أساسي. كذلك لا تمنع القواعد المتعلقة بحماية المدنيين الانتهاكات لحقوق المدنيين إذا كانت انطلاقاً الضرورات العسكرية، وإذا تم ممارستها بشكل تناسبي مع الأسباب الأمنية التي تدّعيها القوة المحتلة. 

يشير المدير السابق لمنظمة الصليب الأحمر الدولي السيد بول غروسريديه بأن مهمة الصليب الأحمر في الأرض الفلسطينية، تنحصر باستعراض الانتهاكات التي يتم توثيقها دون إمكانية توصيفها بجرائم حرب، بحيث يعود للجهات القضائية الدولية والمحلية توصيف هذه الانتهاكات بجرائم حرب.[4]

في الحقيقة، فإنه ليس من المستغرب أن يصدر مثل هذا التصريح عن مسؤول في منظمة الصليب الأحمر، فمبادئ الحياد والاستقلالية تعتبر من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها عمل منظمة الصليب الأحمر، لكن يبدو أن هذه المبادئ تجاوزت عمل الصليب الأحمر لتوجه عمل غيرها من الفاعلين في الساحة الفلسطينية.  

إن المتتبع لأدبيات المنظمات الحقوقية التي تعمل في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، يرى بأن مهمتها تنحصر بتوثيق الانتهاكات بالإحالة إلى نصوص قانون النزاعات المسلحة. وتتمحور هذه الانتهاكات حول رصد هدم المنازل، والترحيل القسري، واستمرار الاستيطان في الضفة الغربية، وإغلاق المعابر في قطاع غزة، والاعتقالات، واستمرار الاعتقال الإداري لعدد من النشطاء السياسيين، ومنع وصول المواطنين إلى أراضيهم الزراعية، واستغلال مصادر المياه لصالح المستوطنين، وأضرار جدار الفصل العنصري.

وبالرغم من أهمية هذا التوثيق بالإحالة إلى نصوص القانون الدولي الإنساني، إلا إنه يفتقد لنظرة شاملة تعبر عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني وحقيقة نظام الهيمنة والاضطهاد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين. 

كما وتسود هذه المقاربة المجتزئة أيضاً في تقارير أجهزة المنظمات الدولية لحقوق الإنسان. فبالرغم من أهمية التقارير التي أصدرها المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان جون دو غارد عام 2008[5] وتقرير ريتشارد فالك عام 2014[6] عن الأوضاع في الارض الفلسطينية، إلا إنهما يقتصران على رصد الانتهاكات. ويشير التقريران الى وجود سياسة تمييز واضطهاد ممنهجة، إلا إنهما لم يذكرا وجود نظام ابارتهايد بصورة صريحة.

ويُعزى ذلك لعدة أسباب أهمها؛ أولاً، طبيعة التفويض الموكل لمقرر حقوق الإنسان والمحصور برصد الانتهاكات الواقعة في الارض الفلسطينية المحتلة عام 1967. ثانياً، ممارسة الاكراهات السياسية والدبلوماسية على مجلس حقوق الإنسان والتي لعبت دوراً في فرض التردد بعدم وصف الممارسات الإسرائيلية بالابارتهايد، وما يترتب على ذلك من مسؤوليتها بارتكابها جريمة ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني. وتجدر الإشارة بأن كلاهما يخلصان الى ممارسة إسرائيل للابارتهايد في كتاباتهما الأكاديمية.[7]

لقد ساهمت المطالب الرسمية الفلسطينية والمتلخصة بإقامة دولة على حدود عام 1967، مقابل الاعتراف بإسرائيل إلى تعزيز البحث عن حل "إنساني" قائم على علاقات القوى أكثر منه حل عادل قائم على الحقوق، لتزداد بذلك أهمية القانون الدولي الإنساني، ليس فقط بوصفه مرجعاً قانونياً لحماية المدنيين الفلسطينيين تحت "الاحتلال" في الضفة وغزة فحسب، وإنما اكتسب دوراً رئيسياً في الخطاب السياسي والدبلوماسي للسلطة الفلسطينية.  

كذلك لم تعد احكام القانون الدولي الإنساني مرجعاً قانونياً للمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية فحسب، بل أصبحت الإطار القانوني الأساسي للمطالب الفلسطينية التي تمثلها السلطة الفلسطينية. إن هذا المرتكز القانوني يتناسب بشكل أساسي مع الهامش الذي تسمح به "الشرعية الدولية"، والقرارات المختلفة لأجهزة الأمم المتحدة. إذا كان الحال كذلك، هل بالإمكان الاعتقاد بان الخطاب الفلسطيني الحقوقي والرسمي يمثل خطاباً أقرب لسياسة ومبادئ منظمة الصليب الأحمر الدولي منه لخطاب شعب يعاني الهيمنة والاضطهاد ويتوق للحرية؟

إن موقف المجتمع الدولي في التعامل مع القضية الفلسطينية قائم على تقسيم الفلسطينيين جغرافياً بحسب مناطق تواجدهم، حيث يتم اعتبار الفلسطينيين في الارض المحتلة عام 1948 كمواطنين إسرائيليين، وبالتالي فصلهم عن فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة. أيضاً، يتم التعامل مع فلسطينيي الشتات كمشكلة لاجئين منفصلة عن باقي الفلسطينيين في المناطق الأخرى. ويشير تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي أسيا التابعة للأمم المتحدة ESCWA، بأن تعامل المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية على أساس هذا التقسيم، أدى إلى تعاونه بدون قصد على إقامة نظام الابارتهايد الإسرائيلي.[8]

إن مثل هذا التقسيم والتجزئة للفلسطينيين، وتصوير معاناتهم على أنها نتيجة للفصل العنصري، تهدف إلى اخفاء حقيقة التطهير العرقي (الإبعاد القسري) الجماعي الذي تعرض له الفلسطينيين عام 1948 والذي ما زال مستمرا ويشكل بذاته جريمة ضد الإنسانية.

إن مقاربة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي كونه "احتلال" لأراضي 1967 فقط، يعني إنكار حقيقة نظام "الهيمنة" و"الاضطهاد" الذي تقيمه إسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، وتواصل ممارسته بحق الفلسطينيين في فلسطين المحتلة وفي الشتات بمنعهم من العودة إلى أراضيهم.

الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي وتجلياته كجرائم ضد الإنسانية

سنشير فيما يلي إلى بعض مقتضيات نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية لتبيان بعض الخصائص العامة للجرائم ضد الإنسانية، وليس بقصد البحث عن إعمال مسؤولية الأفراد عن هذه الجرائم، فمن المعروف أن نظام روما مكرس لمحاكمة الأفراد المسئولين جنائياً عن جرائم دولية، غير انه جرت العادة في الأدبيات القانونية بالإحالة إلى هذه المقتضيات للحديث أيضاً عن خصائص هذه الجرائم دون البحث عن إعمال المسؤولية الجنائية للأفراد.

بحسب المادة 7 الفقرة (1) من نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية "يشكل أي فعل من الأفعال التالية" جريمة ضد الإنسانية " متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم:

القتل العمل، الإبادة، الاسترقاق، إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، التعذيب، الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي [...]، اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرفية أو قومية أو أثنية أو ثقافية أو دينية، الاختفاء القسري، جريمة الفصل العنصري، الأفعال اللإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا بمعاناة شديدة أو بأذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

على الرغم من أن بعض هذه الأفعال المذكورة لا يتم ممارستها من قبل الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بشكل ممنهج كالاغتصاب، إلا أن عدداً منها كالتهجير القسري، أو السجن، الاضطهاد وغيرها يتم ممارسته منذ عقود طويلة. يضاف إلى هذه الممارسات جريمة الابارتهايد "الفصل العنصري"[9] والتي أعلن تقرير ESCWA ممارستها من قبل إسرائيل بحق الفلسطينيين.[10]

تُعرف الجرائم ضد الإنسانية تاريخياً بكونها "جريمة منظمة" أو "جريمة دولة"، بحيث تشارك كافة مؤسسات الدولة على استدامتها وإبقاءها. وقد تقوم الدول أيضاً في بعض الحالات الأكثر تطرفاً بسن قوانين تحض صراحة على التمييز العنصري وعدم المساواة في الحقوق بين المجموعات الاثنية والدينية المختلفة.

لقد سبق وأشرنا أعلاه بأن تطبيق القانون الدولي الإنساني مرتبط بوجود حالة "نزاع مسلح" أو "احتلال". على خلاف ذلك، استقرت قواعد وفقه القانون الدولي على إمكانية ممارسة الجرائم ضد الإنسانية في وقت السلم كما في وقت الحرب، فلا يشترط وجود احتلال أو نزاع مسلح للحديث عن ممارسة هذه الجرائم، بل يمكن ممارستها في سياقات مختلفة كما هو حال الأنظمة الديكتاتورية أو الاستعمارية، وذلك دون إنكار إمكانية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في أوقات النزاعات المسلحة.

ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان، أصبحت الدول العنصرية والاستعمارية أكثر حذراً في سن قوانين عنصرية. وبالتالي أصبح من الصعب الحديث عن سياسة رسمية للتمييز العنصري تُحفز ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على نطاق واسع، إلا أن العكس أصبح ممكناً، بمعنى أن انتهاك حقوق الإنسان بشكل جسيم يبعث ضمنياً على وجود ممارسات عنصرية تشكل ما يعرف بجريمة الدولة. لقد حفزت مثل هذه الممارسات على التأكيد على مفهوم "الهجوم ضد السكان المدنيين" في ميثاق روما واقترانها بوجود جرائم ضد الإنسانية.
تحدد المادة 7 فقرة 2 المقصود بكلمة هجوم في الفقرة السابقة: تعني عبارة هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين نهجاً سلوكياً يتضمن الارتكاب المتكرر للأفعال المشار إليها في الفقرة 1 ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، عملاً بسياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم، أو تعزيزاً لهذه السياسة.

نستخلص هنا انه ليس من الضروري أن يتم تبني سياسية رسمية من قبل الدولة المعنية لكي يتم اعتبارها تمارس جرائم ضد الإنسانية، بل يكفي وجود "نهجاً سلوكياً". ومفهوم الهجوم هنا لا يعني هجوم عسكري بل الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها المدنيين بشكل متكرر، والتي تعزى إلى دولة أو كيان منظم يمثل هذا النهج.[11]

وبالرغم من حرص إسرائيل على عدم سن تشريعات عنصرية بشكل واضح، إلا انه يوجد عناصر قانونية وسياسية رسمية يمكن إن تبعث بشكل رسمي على وجود سياسة عنصرية تحفز ارتكاب "هجمات" ضد المدنيين الفلسطينيين بحسب تعريف ميثاق روما للجرائم ضد الإنسانية.[12] ولو افترضنا عدم وجود هذه العناصر صراحة في النظام السياسي والقانوني الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، فانه بالإمكان استخلاص وجود "نهج سلوكي" يعمل على حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، ويعزز حقوق المستوطنين واليهود الإسرائيليين على حساب المدنيين الفلسطينيين.

إن عدداً من الجرائم ضد الإنسانية يجري ممارستها بحق الفلسطينيين "كالابارتهايد" و"التهجير القسري"، والاضطهاد والأفعال اللانسانية، والسجن، والحرمان الجماعي من الحرية بوضع الحواجز على الطرقات وفرض الحصار على أهالي قطاع غزة، وغيرها من الجرائم. تُعتبر هذه السلوكيات المنظمة التجسيد الحقيقي "لجريمة الدولة"، والتي يضطلع بها كافة أجهزة المستعمر التشريعية والقضائية والتنفيذية. إن هذه السلوكيات يشكل بذاته جريمة ضد الإنسانية، كونها تعبر عن ممارسات منظمة للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. 

أصدرت لجنة (ESCWA) في شهر آذار من هذا العام تقريراً يوضح قيام إسرائيل بتأسيس نظام ابارتهايد. ويكتسي هذا التقرير بأهمية كبيرة كونه يتعامل مع الشعب الفلسطيني كوحدة شاملة في كل مناطق تواجده، بما في ذلك فلسطينيي القدس والفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية من داخل الخط الأخضر، وفلسطينيي الشتات. ويستند التقرير في تحليله هذا إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والذي أكدت عليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الجدار لعام 2004.[13]

ولا ينكر تقرير (ESCWA) تغاير ظروف معيشة الفلسطينيين بحسب اختلاف أماكن إقامتهم، وبالتالي اختلاف حدة انتهاك حقوقهم واضطهادهم بالنظر لاماكن تواجدهم، لكن هذا لا ينفي بالمجمل وجود سياسة "اضطهاد" و"هيمنة" ممنهجة يمارسها المستعمر الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني ككل،[14] وهما العنصريين الأساسيين لوجود سياسة ابارتهايد بحسب ما يخلص إليه التقرير.

نستنتج في دراسة أعددناها بالفرنسية في عام 2015 عن "مفهوم الابارتهايد في القانون الدولي" بأن هدف الابارتهايد هو "هيمنة" الفئة المستعمرة، وضمان مستوى رفاهية معينة لها. وبأن "اضطهاد" الفئة المستضعفة هو وسيلة ضمان هذه الهيمنة واستمرارها؛[15] فمصادرة أراضي الفلسطينيين مثلاً يسمح بتوسيع المستوطنات ورفاه المستعمرين. كذلك، فإن استمرار الاضطهاد والهيمنة على هذه النهج منذ عقود طويلة أدى إلى سلوكيات فردية وجماعية تبعث على وجود حالة نفسية تعكس اللاشعور الجمعي وتتبلور في السلوكيات الفردية للضحايا وللمستعمرين.

وتخلص الدكتورة النفسية سماح جابر والدكتورة اليزابيت بيرجيه في مقالة منشورة مؤخرا الى أن الاهانة التي يعانيها الضحايا والشعور بالعار الذي يصاحبها، قد يصفا ما يشعر به الأفراد الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نظام الاضطهاد الذي يفرضه المستعمر، يقابله رغبة المستعمرين، كأفراد منتمين للبنية الاستعمارية، بالسيطرة على أجساد وعقول الضحايا، ويتم التعبير عن رغبة السيطرة هذه بسلوكيات الجنود والمستوطنين السادية والتي يرجع مصدرها أساسا إلى الشعور بالخوف.[16]

تتجلى سادية المستعمر بعدد من المشاهد اليومية التي يعيشها الفلسطينيين في الأرض المحتلة، فهذا ما يشرح مثلا صورة الطفل ذو الأربعة عشر عاما معصوب العينيين ومحاط بأكثر من عشرين جندي، وهذا ما يشرح الإفراط في استخدام القوة والترهيب، وتحريك عشرات المركبات العسكرية لاعتقال طفل بعمر 15 عام لأنه قام بإلقاء حجارة على جنود الاحتلال. إن شعور المستعمرين كأفراد بالخوف قد يشرح ساديتهم، لكن الخطورة تكمن فعلاً عندما تتبلور هذه المشاعر على الصعيد الجماعي وتأخذ شكل سياسة عامة يتبناها المستعمر رسمياً، فهذا ما يشرح بناء الجدار مثلاً، ووضع الحواجز واهانة الفلسطينيين.

من الممكن الاعتقاد بأن شعور المستعمرين الإسرائيليين بالخوف أساساً هو ما حفز تبني الاضطهاد رسمياً كسياسية دولة. في المقابل، ورغم الاهانة التي يعيشها الفلسطينيين حتى اللحظة، إلا أن صانعي القرار الفلسطينيين لم يستطيعوا تقديم خطاب قانوني أقرب إلى الواقع ويعبر عما يعيشه الفلسطينيين بشكل يومي ويعترف بوضعيتهم. 

إن عدم شعور صانعو القرار في السلطة الفلسطينية بالعار نتيجة للاهانة التي يعيشها شعبهم باصرارهم على إيجاد حل على طريقة "الصفقة السياسية"، يضعهم في خانة النكران وبالتالي ارتباطهم لا شعورياً بشخصية المستعمر وما يمثله، وتنكرهم للضحايا الذين يمثلونهم.

ومن أجل الإجابة على السؤال الذي طرحناه في بداية هذه المقال: هل من الممكن للخطاب القانوني أن يقدم خطاب بديلاً يستوعب الوقائع التاريخية ويصون حق الضحايا الأساسي في الاعتراف بالاضطهاد الذي يعيشونه منذ عقود؟ نعم، فالخطاب القانوني لا يختلف عن أي خطاب لغوي آخر سوى انه يترتب عليه التزامات وواجبات قانونية. إن غياب مقاربة شاملة للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي قائمة على مسؤوليته بممارسة منظمة لجرائم ضد الإنسانية، سيؤدي حتما إلى انتهاك صارخ لحقوق الضحايا وإنكار لصفتهم الإنسانية.
 
------------------------------------------------------
 * طالب باحث في القانون الدولي
 
------------------------------------------------------
 الهوامش:

[1] Noémie Turgis, La justice transitionnelle en droit internationale, Bruylant, Bruxelles, 2014, p. 21.
[2] Ibid, pp. 23-24.
[3] انظر المادة 42 من معاهدة لاهاي لعام 1907.
[4] Paul Grossrieder, «Le droit international humanitaire et la question israélo-palestinienne », in Critique Internationale, 2002/3 (n°16), Presses de Science Po, URL : [https://www.cairn.info/revue-critique-internationale-2002-3-page-49.htm]  par. 35.
[5] Conseil des droits de l’Homme, rapport du rapporteur spécial sur la situation des droits de l’homme dans les territoires palestiniens occupés depuis 1967, [Rapport du professeur John DUGARD], Document des Nations Unies,  A/HRC/7/17, du 21 janvier 2008.
[6] Conseil des droits de l’Homme, rapport du rapporteur spécial sur la situation des droits de l’homme dans les territoires palestiniens occupés depuis 1967, [Rapport du professeur Richard FALK],  document des Nations Unies A/HRC/25/67, du 13 janvier 2014.
[7] انظر مثلا:
DUGARD (J.) et Reynolds (J.), « Apartheid, International Law, and the Occupied Palestinian Territory », in EJIL, Vol.24, no.3, 2013, 867-913.
[8] « The international community has unwittingly collaborated with this manoeuvre by drawing a strict distinction between Palestinian citizens of Israel and Palestinians in the occupied Palestinian territory, and treating Palestinians outside the country as “the refugee problem”. The Israeli apartheid regime is built on this geographic fragmentation, which has come to be accepted as normative. The method of fragmentation serves also to obscure this regime’svery existence. That system, thus, lies at the heart ofwhatis to beaddressed in this report » ESCWA, Israeli Partices towards the Palestinian People and the Question of Apartheid, E/ESCWA/ECRI/2017/1, Beirut, 2017, p. 37.
[9] نرى بأن ترجمة مصطلح ابارتهايد بمصطلح "الفصل العنصري" بالنسخة العربية من ميثاق روما وغيرها من النصوص الدولية هي ترجمة غير دقيقة، نعتقد بأنه من الأصح إبقاء مصطلح الابارتهايد للدلالة القانونية المحددة التي يحملها هذا المصطلح. أيضا، إن ترجمة الابارتهايد بالعربية بكلمة "الفصل العنصري" يعمل على خلطها ب"التمييز العنصري" وهي جريمة مستقلة بذاتها.
[10] ESCWA, Israeli Partices towards the Palestinian People and the Question of Apartheid, E/ESCWA/ECRI/2017/1, Beirut, 2017.
[11] “Attack directed against a civilian population” in these context elements is understood to mean a course of conduct involving the multiple commission of acts referred to in article 7, paragraph 1, of the Statute against any civilian population, pursuant to or in furtherance of a State or organizational policy to commit such attack. The acts need not constitute a military attack. It isunderstood that “policy to commit such attack” requiresthat the State or organization actively promote or encourage such an attack against a civilian population; ICC, Elements of Crime, Official Records of the Assembly of States Parties to the Rome Statute of the International Criminal Court, First session, New York, 3-10 September 2002, URL: [https://www.icc-cpi.int/NR/rdonlyres/336923D8-A6AD-40EC-AD7B-45BF9DE73D56/0/ElementsOfCrimesEng.pdf]
[12] يخلص تقرير الاسكوا المشار له إلى وجود عناصر قانونية في النظام السياسي والقانوني الإسرائيلي تبعث على التمييز العنصري بين العرب الفلسطينيين واليهود الاسرائيلين.
[13] This report examines the practices and policies of Israel with regard to the Palestinian people in its entirety. This is not an arbitrary choice. The legal existence of the “Palestinian people” and its right, as a whole people, to self-determination were confirmed by the International Court of Justice (ICJ)[…], ESCWA, Israeli Partices towards the Palestinian People and the Question of Apartheid, Idem.,  p. 9
[14] «It would be an error to assume that, although comprising one regime, apartheid is effected through a single monolithic body of laws, applied everywhere to everyone without variation. The South African case is relevant here: even within the comprehensive body of law that defined life chances for everyone in the country, apartheid included important variations: for instance, different laws for black South Africans living in townships and in the Bantustans and different privileges for Indians and Coloureds. Similarly, the apartheid regime of Israel operates by splintering the Palestinian people geographically and politically into different legal categories. The international community has unwittingly collaborated with this manoeuvre by drawing a strict distinction between Palestinian citizens of Israel and Palestinians in the occupied Palestinian territory, and treating Palestinians outside the country as “the refugee problem”. The Israeli apartheid regime is built on this geographic fragmentation, which has come to be accepted as normative. The method of fragmentation serves also to obscure this regime’s very existence. That system, thus, lies at the heart of what is to be addressed in this report» ESCWA, Israeli Partices towards the Palestinian People and the Question of Apartheid, Idem, p. 37.
[15] Allahham Khalil, La notion d’apartheid en droit international public, mémoire soutenu pour l’obtention du Master II «recherche», Université Paris XI, septembre 2015, 114 p.
[16] Samah Jabr and Elizabeth Berger, «The Trauma of Humiliation in the Occupied Palestinian Territory», in The Arab Journal of Psychiatry (2017) Vol. 28 No.2 p. 156.