كيف يمكن حماية الأونروا كجزء من مشروع صون حقوق اللاجئين الفلسطينيين؟

كيف يمكن حماية الأونروا كجزء من مشروع صون حقوق اللاجئين الفلسطينيين؟
بقلم: نضال العزة*

ليست المرة الاولى التي تُطالب فيها اسرائيل بحل الأونروا، وبدمجها في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وليست المرة الاولى التي تمارس فيها الادارة الامريكية التهديد والضغط المالي على القيادات الفلسطينية المنخرطة فيما يسمى عملية السلام لابتزاز موقف سياسي. أكثر من ذلك، يمكن القول أن المطلب الاسرائيلي والسلوك الامريكي قد تبلورا منذ توقيع اتفاقيات اوسلو ضمن استراتيجية ممنهجة متدرجة هادفة الى تصفية القضية الفلسطينية عموماً، وقضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين على وجه الخصوص.
 
وبالتأكيد، هي ليست المرة الاولى التي يتناهى الى مسامع القيادة الفلسطينية أن الأونروا تتعرض إلى استنزاف ممنهج يراد به انهاء وجود هذه المنظمة الدولية. وعليه، يكون من المنطقي التساؤل عن استراتيجية القيادة الفلسطينية في مقاومة مشروع التصفية هذا. وللأسف، فإن أقل ما يمكن قوله ضمن هذا السياق هو أن القيادة الفلسطينية بكل مزاعم الابداع الدبلوماسي، باستثناء تصريحات فضفاضة لا تقدم ولا تؤخر تناثرت هنا وهناك في مناسبات متباعدة كردات فعل، لم تبذل قيد أنملة على صعيد تثبيت الأونروا، وتطوير أدائها، وتوسيع صلاحياتها.

إن تتبع مسار الهجمة على الأونروا وما تمثله، منذ أوسلو، يكشف بوضوح عن السياسات والآليات التالية:
 أولاً: تراجع حجم التمويل الطوعي المقدم من الدول للأونروا؛
 ثانياً: ربط تراجع تمويل الأونروا بحجة تمويل الدول للسلطة الفلسطينية؛
 ثالثاً: فرض قيود من قبل الدول المانحة الأساسية على وجهة صرف المنح المقدمة للأونروا؛ هذه القيود التي ترقى الى درجة الاشتراطات؛
رابعاً: تزايد اعتماد الأونروا على التبرعات الطارئة من جهة، وتزايد سعي الاونروا للبحث عن منح لمشاريع معينة وليس برامج أساسية من جهة ثانية؛
خامساً: تزايد حجم تبرعات الدول العربية وبالاخص الخليجية سواء على شكل منح لمشاريع او منح طارئة؛
سادساً: شيطنة الأونروا من قبل اسرائيل بالترافق مع التشكيك الامريكي في جدوى برامج الأونروا، وصلاحية تعريفها للفلسطيني اللاجئ؛
سابعاً: تنامي دعوات النقل الجزئي والتدريجي لمهمات الأونروا إلى الدول المضيفة.
ثامناً: ربط مبدأ حيادية الأونروا بامتناعها عن المطالبة بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948.  

في مقابل ذلك تسارعت وتيرة الاستنزاف الهادف الى تصفية الاونروا والذي بدا جليا في الغاء برامج، وتقليص خدمات كماً ونوعاً، وتناقص عدد المنتفعين من بعض البرامج، واتساع الفجوة ما بين التزايد الطبيعي لأعداد اللاجئين وحاجاتهم الاساسية. النتيجة الأبرز في كل ذلك هو تحوّل الأونروا (المنظمة الدولية) إلى منظمة أهلية تسعى إلى تجنيد الاموال لضمان بقائها. وليس من قبل المبالغة القول أن الجهد الاداري الأعظم لرأس الهرم في الأونروا ينصب على تجنيد الاموال، لا على ادارة البرامج او تحسينها.

على المستوى الفلسطيني الصورة قاتمة أكثر. فأولوية القيادة والعمل الدبلوماسي تنصب على ما يسمى بمشروع إقامة الدولة وما يتصل بذلك من تعزيز لأركان السلطة. ودور منظمة التحرير منعدم أمام صلاحيات السفارات والسفراء وما يتسدعيه ذلك من بروتوكولات والتزامات دولية لا تتسع لتدخل جدي في مجال حماية اللاجئين. وهذا العجز او العزوف عن التدخل لحماية حقوق اللاجئين في الدول المضيفة يتبدى في منح الاولوية لحسن العلاقة مع تلك الدول مراعاة للاصول الدبلوماسية وفي ترك متابعة القضايا ذات الصلة إلى الدول، أو اللجان الشعبية والمنظمات الأهلية.

أما اللجان الشعبية أو لجان الخدمات فهي إما رهن بما تقدمه السلطة الفلسطينية لها من دعم، أو بما تنجزه كل لجنة منفردة على نمط عمل المؤسسات الاهلية في استجلاب تمويل لمشاريع معينة. ولا تعدو مناوشات اللجان والاتحادات النقابية والهيئات والمنظمات الأهلية مع الأونروا عن كونها ردات فعل منعزلة تخضع لمنطق التسويات المحكومة لا بالمرجعيات الاساسية والحقوق المقررة كالتزامات، بل بما هو متوافر في ميزانية الأونروا والظروف المحيطة. وفي المحصلة، القيادة الفلسطينية غارقة في نهج تسيير احوال المسائل الجانبية؛ مثل موضوع الاونروا، بانتظار الدولة العتيدة والحل النهائي الذي سيحل كل المسائل الجانبية تلقائياً، بحسب اعتقاد القيادة المغلوط.  

بعد تصريحات دونالد ترامب الاخيرة، كثر الحديث عن غياب الرؤية الفلسطينية وانعدام الاستراتيجية. وبرغم أهمية ذلك، إلا أن تناول هذا الغياب الممتد منذ أكثر من عقدين يكاد ينحصر تناوله في بحث آفاق المفاوضات، والبحث عن وسيط أممي جديد، وتوسل ابداعات الدبلوماسية الفلسطينية، واعادة النظر في أوسلو. وبالتدقيق، وبدون انكار لأهمية هذه المراجعات، يظل هذا المنهج قاصراً عن رؤية الصورة الكلية لحالة العجز والفشل على المستوى الفلسطيني. فمعالجة هذه الحالة لا تكون بالمطالبة بوقف التنسيق الامني، أو بوقف المفاوضات، أو المناداة بإعادة النظر في أوسلو، أو التحسّر على عشرات القرارت الدولية التي لم ينفذ أياً منها، أو المطالبة بالمقاومة، أو بتبني المقاطعة أو بوقف التقليص في خدمات الأونروا، وغيرها من المطالبات العامة الفضفاضة. هذه معالجات فجة، تبني وهناً على وهن وتقود إلى فشل محتم.

وعليه، فإن الاكتفاء بتشخيص أن الأونروا مستهدفة، وأن ميزانيتها قاصرة عن الوفاء بالالتزامات، وأن الضغوطات ترمي إلى تصفية حق العودة للاجئين وحقوقهم، والانتهاء إلى مطالبة المجتمع الدولي بالوقوف عند التزاماته، أو الركون الى صمود الشعب المعطاء، أو التذرع بأولويات أخرى من قبيل الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية العتيدة، هو استمرار في التخبط والتعلق بأوهام التسوية والحل السلمي العادل. فبدل السعي إلى تحقيق انجازات رمزية عبر آليات الامم المتحدة والدبلوماسية الفلسطينية، والتي ندرك جميعاً أنها لن تتجسد فعلياً في ظل موازين القوى القائمة إلا بموافقة حكام البيت الابيض واسرائيل وهو المستحيل بعينه، يمكن توظيف آليات الامم المتحدة والدبلوماسية الفلسطينية للوقوف أمام مشروع تصفية قضية اللاجئين والأونروا. وببساطة أكثر، يمكن العمل على تشكيل درع حصانة وحماية للأونروا من خلال استصدار قرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لا يحتاج الا الاغلبية العادية. وليس هذا وحسب، بل يجب العمل على استصدار قرار يواجه هجمة اسرائيل والولايات المتحدة على الأونروا على أن يتضمن:
1-    توسيع صلاحية الأونروا لتشمل نصاً صريحاً ينيط بالأونروا مسؤولية الاطلاع بتوفير الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين بأركانها الثلاث المتمثلة في الحماية القانونية (ضمان تمتع اللاجئين بحقوق الانسان الأساسية بموجب القانوني الدولي)، والحماية الفيزيائية لتجمعات اللاجئين (توفير الامن والامان)، والحماية الانساينة (توفير الاغاثة والخدمات الاساسية)؛
2-    توسيع ولاية الأونروا الجغرافية لتمتد إلى كل المواقع التي يتواجد فيها لاجئون فلسطينيون، وتحرير الأونروا من العمل حصراً في المناطق الخمس (الضفة، قطاع غزة، لبنان، سوريا والاردن) خصوصاً في ظل التهجير الثانوي (اللاحق للتهجير الاول والمتكرر) الذي يطال أبناء شعبنا في مختلف دول اللجوء وخصوصاً في الدول العربية؛
3-    توسيع ولاية الأونروا الشخصية من خلال تعديل تعريفها للاجئ الفلسطيني ليشمل كل فلسطيني تنطبق عليه صفة لاجئ بموجب القانون الدولي وغير مسجل لدى الأونروا؛
4-    تحويل مساهمات الدول في موازنة الأونروا من مساهمات طوعية إلى مساهمات أساسية تقررها الجميعة العمومية ضمن موازنتها السنوية، بما يضمن توافر الحد الادنى من الموازنة السنوية اللازمة للأونروا للاضطلاع بمهماتها.
5-    مطالبة مفوضية الامم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بتضمين الفلسطينيين المهجرين داخلياً ضمن نطاق عملها، بما في ذلك الفلسطينيون المهجرون في داخل الخط الاخضر (قرابة ٣٨٠ ألف فلسطيني)، والأرض المحتلة في العام 1967 (قرابة ٣٣٠ ألف فلسطيني).
يبقى أن نشير هنا أن مشروع هذا القرار قد تمت المطالبة به منذ أكثر من خمس سنوات من قبل مؤسسات حقوقية وقاعدية فلسطينية وعدد كبير من الخبراء الدوليين، ولكنه بقي نداءً ضائعاً في خضم سعي القيادة إلى تحقيق اعتراف بدولة فلسطينية تحت الاحتلال. فهل بلغت القيادة مبلغها من عقم الاعتقاد بأن نيل الاعتراف بالدولة سيحل باقي القضايا؟    
 
*نضال العزة: مدير مركز بديل،