المطلوب شعبياً لاعادة قضية اللاجئين على اجندة القيادة الفلسطينية

بقلم: مراد عودة*
 
شكلت مسألة اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين منذ البداية جوهر القضية الفلسطينية، وركيزة أساسية في نضال الفلسطينيين لنيل حقوقهم وحريتهم. اليوم، وبعد مرور سبعين عاماً على النكبة وتشريد الفلسطينيين، وفي ظل احتدام الصراعات الدائرة في المنطقة العربية وتعميم حالة اللجوء، تشهد قضية اللاجئين الفلسطينيين تراجعاً كبيراً لا سيما على الصعيد الفلسطيني، ما يفرض تطوير مجموعة من الاليات التي من شأنها أن تُعيد للقضية مكانتها وضمان وقف استمرار معاناة اللاجئين الفلسطينيين.
 
فبعد مرور سبعين عاماً على النكبة، تمر قضية اللاجئين الفلسطينيين باحلك الظروف في تاريخها، حيث لا يزال اللاجئين الفلسطينيين يشكلون اكبر عدد لاجئين في العالم واطول فترة لجوء، اذ وصل عدد اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين لغاية عام 2015 نحو 7.98 لاجئ ومهجر، اي 66٪ من مجموع الشعب الفلسطيني. ويعيش اللاجئون اليوم في ظروف قاسية تفتقر الى ابسط مقومات الحياة نتيجة لحرمانهم من حقوقهم الانسانية وكرامتهم.
 
ومن الممكن تلخيص أبرز العوامل التي أدت الى تراجع قضية اللاجئين الفلسطينيين في عدة نقاط أبرزها؛
 
أولاً، النظام الاستعماري الاسرائيلي: منذ بداية استعمارها لفلسطين، استباحت الحركة الصهيونية ولاحقاً اسرائيل الحقوق الفلسطينية، وذلك ضمن استراتيجية "الاستيلاء على اكبر مساحة من الارض باقل عدد ممكن من السكان"؛ مستخدمة كافة الطرق والوسائل في افراغ الارض الفلسطينية من سكانها الاصليين واحلالهم بمستعمرين يهود جدد، ضاربة القوانين والمواثيق الدولية بعرض الحائط.
 
ثانياً: غياب البرنامج السياسي الفلسطيني الوطني وتغير أولويات حركات المقاومة والتحرر وتشتت الجهود بدون احداث أي تراكم، علماً بان غياب البرنامج السياسي الوطني لدى القيادة الفلسطينية لا ينفي وجود برنامج آخر، الا انه لا يحقق الحد الأدنى من تطلعات وطموحات اللاجئين.
 
ثالثا: فترة اللجوء الطويلة.  يصادف هذا العام مرور مائة عام على وعد بلفور، وسبعين عاماً على النكبة المستمرة وخمسين عاماً على الاحتلال. وبعيداً عن الخطابات الحماسية والشعارات الرنانة، فان الوقت لا يسير في صالح القضية، وان تاجيل الحل الجذري والعادل للقضية يضاعف المعاناة والنكبات على الشعب الفلسطيني عموماً وعلى اللاجئين الفلسطينيين على وجه الخصوص.
 
يحاول هذا المقال أن يلقي الضوء على الاليات والتدابير التي من الممكن أن تعيد قضية اللاجئين الفلسطينيين على أجندة وأولويات القيادة الفلسطينية، وذلك في ظل استمرار حالة الانحدار والتراجع الذي تشهده الساحة الفلسطينية على مختلف المستويات والأصعدة.
 
اللاجئون الفلسطينيون في اجندة القيادة الفلسطينية
 
ان ما آلت إليه قضية اللاجئين الفلسطينيين اليوم ينطلق من أساس التعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين كمسألة سياسية خلافية بحتة تخضع لتوازن القوى والتغيرات السياسية الدولية، وتجاهل البُعد القانوني والحقوقي الذي أكدت عليه المواثيق والقرارات الدولية، مثل القرار 194 الذي كان من المفترض أن يُشكل المرجعية الأساسية لمنظمة التحرير الفلسطينيين في أي خطوة. بناء على ذلك، ان عدم استناد المنظمة على هذا الاساس فتح المجال أمام اسرائيل وحلفائها لممارسة ديبلوماسيها في ترويج استحالة تحقيق العودة للاجئين الفلسطينيين.
 
ولا بد من التأكيد هنا على ان تطبيق حق العودة يتعارض مع استمرار وجود اسرائيل بشكلها الكولونيالي الحالي، لان اسرائيل بجوهرها مبنية على نظام استعماري كولونيالي يدعو الى دولة يهودية نقية (كما اسلف رئيس وزرائها نتنياهو في الانتخابات الاخيرة عام ٢٠١٤)، ومن الطبيعي في هذه الحالة ان تبذل اسرائيل كافة الجهود لحرمان اللاجئين من العودة.
 
منظمة التحرير الفلسطينية
 
تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) عام 1964 ونجحت بالاستمرار في رفع الصوت الفلسطيني واستقلاله عن الحكومات العربية. يقدم هذا الجزء من المقال مراجعة نقدية للتحولات التي طرأت على (م.ت.ف) منذ نشأتها ولغاية اتفاقية أوسلو. ومن الجدير ذكره هنا بان هذه المحاولة النقدية ليست انتقاصاً من الدور الذي لعبته منظمة التحرير، ولا انتقاصاً من حجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في تلك الفترة.
 
1. منظمة التحرير الفلسطينية (1964 - 1974)
استمدت م.ت.ف شرعيتها وحالة الالتفاف الجماهيري حولها على الصعيد الداخلي الفلسطيني وعلى الصعيد الاقليمي والدولي من خلال مجموعة من العوامل، اهمها كما ذكر­­­ هلال؛[1] اعتماد الكفاح المسلح في مواجهة الاستعمار الاسرائيلي، صبغتها الائتلافية المنظمة في تشكيل هيئاتها القيادية الوطنية، كونها برنامج تحرري يطرح الاستقلال السياسي ورفعها وتمسكها في حق العودة للاجئين، ووجود ثنائية قطبية في النظام الدولي مما اتاح لها التحالف مع الاتحاد السوفيتي ضد القطب الامريكي الاسرائيلي.
 
وقد ازداد التشبث الفلسطيني بمنظمة التحرير وفي استمراريتها بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران عام 1967، ويعود السبب في هذا التحول الى فقدان الثقة بالجيوش العربية بانها ستحرر فلسطين، وكما قال ابراهيم ابو لغد "استفاق العرب على حقيقة ناصعة، وهي ان العدو، القليل العدة والعدد، اقدر من الجيوش العربية متفرقة ومتجمعة."[2] اما على الصعيد العربي، شكل هذا التحول فرصة للتنصل من المسؤولية التاريخية ومن الحمل الثقيل في تحرير الارض المغتصبة وترك المسؤولية للفلسطينيين وحدهم، واقتصار الدور العربي على المساهمة كطرف ثالث.

بالاضافة الى ذلك، ظهرت موجة من التوجه الى القطرية وظهور نزعة الهوية المستقلة في الدول العربية وتراجع التوجه القومي، ما دفع منظمة التحرير الى التساوق مع هذه الحالة واجراء تحولات عديدة تُعبر عن الحالة العربية. وتم استبدال الشعار "وحدة، تعبئة قومية، تحرير"، وأصبح "حق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الوطني الفلسطيني"، وأصبحت منظمة التحرير تتطلع الى بناء الدولة وليس الى عملية التحرير.
 
2. منظمة التحرير الفلسطينية (1974 – 1988)
خلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، شهدت منظمة التحرير تغيرات جذرية مهدت الطريق للوصول الى اتفاقية اوسلو، وقد شكلت موافقة المنظمة على برنامج النقاط العشر عام 1974 بداية الانحدار من جهة، وبداية الصدع الفلسطيني – الفلسطيني من جهة اخرى. وساهمت ايضاً في احداث تغيرات على الصعيد البنيوي للمنظمة، وايضاً على صعيد العلاقات الاقليمية والدولية.

وبالامكان ملاحظة هذا التحول في التغيرات التي طرأت على استراتيجية منظمة التحرير في العمل الوطني التحرري، واستناداً على ما كتبه هلال[3] حول تراجع م.ت.ف الإستراتيجية: "من هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني الى بناء الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل ارض فلسطين في اواخر الستينيات، الى الموافقة عام ١٩٧٤ على اقامة سلطة وطنية على اية اراض يتم تحريرها، الى شعار الدولتين لشعبين عام ١٩٨٨، الى الموافقة اخيراً في ايلول عام ١٩٩٣ على اتفاق اوسلو”.
 
وبالرغم من أن بناء دولتين على ارض فلسطين لم تكن فكرة فلسطينية على الاطلاق، الا أن فكرة الحكم الذاتي بدأت تستهوي القيادة الفلسطينية آنذاك. وكما اشار عبد الستار قاسم،[4] "الدولة الفلسطينية والحكم الذاتي مشروع اسرائيلي محض، بحيث ظهرت الفكرة عام 1968 وتبلورت في مقترح مناحيم بيجن عام 1978، حيث تطور الموقف الفلسطيني الرسمي بعدها ليصبح بحثاً عن دولة في ظل الاحتلال الصهيوني. ومن ثم تبنت وسائل الاعلام الفلسطينية فكرة اقامة هذه الدولة لتكون ثابتاً من الثوابت الفلسطينية، في حين انها اقرب الى الثوابت الاسرائيلية بسبب سبق اسرائيل في طرح الفكرة".
 
ان مجموع تلك التغيرات في المواقف الفلسطينية الرسمية، وتغيير الاستراتيجية من تحرير كامل التراب الفلسطيني الى "حلم الدولة المستقلة"، ادخل منظمة التحرير في مأزق الدبلوماسية والعلاقات الدولية، فتحولت المنظمة من حركة تحرر وطني الى حركة استقلال وطني، تلتزم بالقرارات الدولية للضغط على اسرائيل مرة، ومرة اخرى لكسب التعاطف الدولي لتيسير اقامة الدولة. وبالطبع، لم يعد قرار 194 مرجعية قانونية، وتم وضع القضية في اطار سياسي لا تملك المنظمة مفاتيحه.
 
اتفاقية اوسلو
 
بناءً على ما تم ذكره سابقاً، فان وصول القيادة الفلسطينية الى هذا التنازل الصارخ المتمثل في التوقيع على اوسلو، كان نتيجة انحدار تدريجي في المطالب والاهداف لدى القيادة الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير. بالاضافة الى ان الوصول الى اوسلو كان نتيجة لمباحثات كثيرة ابرزها كامب ديفيد عام 1979 ومؤتمر مدريد عام 1991 والتي اعتمدت قرارا مجلس الامن 242 و338 كمرجعية عند طرح قضية اللاجئين الفلسطينيين.
 
لقد قضت اوسلو على حركة التحرير الوطنية الفلسطينية والبستها حلتها الجديدة البعيدة كل البعد عن الثوابت الوطنية الفلسطينية؛ وما زال الشعب الفلسطيني يتأثر بتداعياتها حتى اللحظة. على الصعيد الشعبي، لم يكن الشعب الفلسطيني (في فلسطين او في الشتات) على دراية بهذه المباحثات ولا بتفاصيلها، بل كان خطاب القيادة الفلسطينية اليه على وتيرة مختلفة كلياً. واخذت منظمة التحرير (بتفرد من فتح) على عاتقها التحدث باسم الشعب في المباحثات وتغيير مسلك القضية. ولعل خطورة اوسلو كما وضحها الشوملي[5] تكمن في:
 
اولاً: الاعتراف باسرائيل؛ وبحقها في اقامة دولة على ارض فلسطين، وذلك ضمن نطاق جغرافي "محدد". وبالتالي دخول عالم موازين القوى الذي يرجح كفة الميزان لصالح اسرائيل ويعطيها السيطرة والحسم.
 
ثانياُ: ترحيل قضية اللاجئين الى مرحلة التسوية النهائية؛ وبذلك تم وضع حق العودة وحق تقرير المصير على المائدة السياسية، واخضاعها للمشاورة وللرفض في نهاية الامر، بمبرر الواقعية، ووجود حقائق جديدة على الارض يصعب تخطيها.
 
بذلك رُفعت صفة التقديس (او الحرمة) عن حق العودة وحق تقرير المصير واصبح موضوع خلافي مثله مثل اي قضية اخرى (ليس تصغيراُ للقضايا الاخرى بل لان قضية اللاجئين هي القضية الاساسية). وتم استبدال قرار 194 كمرجعية قانونية وحقوقية بقرار 242 الذي يخلو من اي تعريف واضح للحل العادل لقضية اللاجئين. وكما لخصها الشوملي[6]، "اصبحت قراءة حق العودة في الخطاب الرسمي الفلسطيني في اطار اتفاقية اوسلو.
 
الدولة على حساب العودة

لم تكن المعطيات التي ترتبت على اتفاقية اوسلو، أو "الامتيازات" التي مُنحت للسلطة الفلسطينية الناشئة مجانية أو دون مقابل، وانما كانت على حساب اللاجئين الفلسطينين وقضية العودة، وتجريد حق العودة من صفته الحقوقية الى قضية سياسية لا مانع في مناقشتها فيما بعد، بالاضافة الى تطبيع وجود اسرائيل.
 
يقول ممدوح نوفل (المستشار الأمني للرئيس السابق ياسر عرفات) في كتابه "الانتفاضة، انفجار عملية السلام": "لقد وافق باراك من حيث المبدأ على قيام دولة فلسطينية على قرابة 90% من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، ورفض الاعتراف بمسؤولية اسرائيل عن النكبة التي حلت باللاجئين عام 1947 – 1948، ورفض حق عودة اللاجئين الى أراضيهم حسب قرار 194، وحدد مسؤولية اسرائيل في حل قضية اللاجئين بالمشاركة في إطار صندوق دولي، وتكون مساهمتها كأي عضو في المجتمع الدولي وليس أكثر، ورفض إدراج عائدات أملاك الغائب، وطلب استبدال تعبير حق العودة بتعبير ينفي هذا الحق واقترح تعبير قضايا العودة.[7]"
 
ما زالت القيادة الفلسطينية المتمثلة في السلطة الفلسطينية تمارس الدور المنوط بها على اكمل وجه، فبعد كل ما شهدناه من تعنت إسرائيلي في المفاوضات، واستشراء اسرائيل في السيطرة على الارض الفلسطينية واستحالة اقامة اي شكل من اشكالة الدولة الفلسطينية المستقلة، والمهانة اليومية "للسيادة" الفلسطينية في مناطق سيطرتها، واستمرار اسرائيل في جرائمها، الا ان السلطة الفلسطينية متمسكة وبشدة باتفاقية اوسلو، وتعتبر الاعتراف باسرائيل كدولة خطوة ثورية تكتيكية ستقودنا الى النصر.
 
ولم يقتصر تأثير الأداء السياسي الباهت للقيادة الفلسطينية على القضايا السياسية فحسب، بل كان له اثراً كبيراً على شكل وانسجام المجتمع الفلسطيني، إذ ان السياسة الداخلية للسلطة الفلسطينية ادت وما زالت تؤدي الى تعزيز حالة الاغتراب الداخلي والانفصام السياسي والصدع الاجتماعي.
 
ما هو المطلوب
 
من المؤكد ان حصر ما هو مطلوب لن يكون سهلاً، وذلك في خضم قضية بحجم القضية الفلسطينية. وفي ظل استدراك الحلول بعد ارهاصات قرن من الزمن، لا تزال مسألة تقديم الحلول متشابكة ومتقاطعة بين الهم العام والمسؤولية الشعبية وبين التمثيل الرسمي. ومما لا شك فيه، فان استنباط الحكم والعبر من تجارب حركات التحرير الاخرى (ليس بدعوى التقليد بل باخذ العبر) سيثري مسيرتنا الوطنية نحو التحرر وتقرير المصير.
 
وبناء على ما سبق، فان وقف حالة الانحدار المستمر يتطلب استراتيجية وطنية يشترك فيها الكل الفلسطيني ضمن برنامج وطني شامل. ومن جانب آخر، تعمل هذه الاستراتيجية على المستوى الشعبي والرسمي. ويمكن شمل تلك الاستراتيجيات في محورين اساسيين:
 
المحور الأول: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية
 
التهمت السلطة الفلسطينية منظمة التحرير منذ استلامها زمام الامور في اوسلو، وقامت بتهميش دورها حتى كاد يقتصر على خدمة السلطة في علاقاتها الخارجية. ولهذا، فان اعادة بناء منظمة التحرير ضرورة حتمية وذلك لصفتها الناظمة والجامعة للشعب الفلسطيني وحقوقه، وهذا يتطلب:
اولاً: اعادة هيكلة منظمة التحرير على اسس ديمقراطية لا تخضع للتقسيمات الحزبية وتترك للانتخاب الحر والمباشر.
ثانياً: فصل السلطة عن منظمة التحرير الفلسطينية، وضمان استقلالية قرار المنظمة.
ثالثاً: بناء برنامج وطني يعالج جذور الصراع ويسعى الى تحقيق الحقوق الوطنية وعلى راسها حق العودة وحق تقرير المصير بالشكل العادل الضامن للحقوق.
رابعاً: وضع استراتيجية للعلاقات الخارجية ضمن المعايير الوطنية العامة واعادة احياء العلاقات الثورية.
 
المحور الثاني: الأحزاب السياسية
 
لخص غسان كنفاني استراتيجية عمل الفصائل والاحزاب الفلسطينية بطريقة مختصرة وصريحة، حيث قال في احدى مقالاته في جريدة الهدف عام 1967:
 
"ان سلاحنا الوحيد الذي نستطيع به خوض المعركة، ليس هو الكلاشينكوف او الدوشكا، فذلك سيجعل منا جيشاً عربياً خامس عشر، لا يختلف عن الجيوش ال ١٤ الا بانه اضعف من اكثرها ضعفاً. ان سلاحنا امام العدو الهائل والقوي المطلق التفوق، هو الجماهير، وبالطبع فان الجماهير ليست كلمة سحرية، وقوتها ليست في تراكمها الكمي، ولكن في التنظيم، اي الحزب والحزب الجماهيري المقاتل، وهذه ليست جمعية خيرية ولا نادي شعراء حماسيين، ولكنه الحزب المحكوم بفكر وبرنامج وقيادة القوة الاطول نفساً في المعركة، والاقل احتمالاً للسقوط من التعب عند الضربة الأولى او الثانية، والمنظم تنظيماً حديدياً على ضوء ذلك البرنامج"[8]
 
ان المطلوب شعبياً في هذه المرحلة المترهلة بناء ثقافة ثورية ترتبط بالوطن والقضية، وتركيز الجهود في بناء جيل مثقف ووطني وواع، وتطوير البنية الفوقية في المجتمع وتعزيز الهوية الفلسطينية الجامعة في ظل الهدف الواحد نحو التحرر، وتصفية الاحتلال المعرفي وترسبات الاستعمار الثقافية والمادية والمعنوية التي علقت في نفوسنا.
 
وتتمثل الخطوات الاولى للحراك الشعبي في، اولاً: رفض التعاطي مع النظام الاستعماري، ومقاطعته الشاملة، وذلك ضمن وضع برنامج عمل يضم كل الفلسطينيين في كافة اماكن تواجدهم ويشمل مناصري القضية في جميع انحاء العالم، وان لا يقتصر على نخبة سياسية معينة. ثانياً: اعادة احياء العمل التطوعي كونه تعبيراً وطنياً عن الثقافة الجمعية، والاستعداد للعطاء والتضحية، وبالتالي اعادة الترابط الاجتماعي والسياسي ورأب الصدع الفلسطيني الفلسطيني. ثالثاً: صهر كل التوجهات الحزبية تحت راية واحدة تشير بوصلتها الى التحرير، وتشكيل احزاب سياسية جديدة. قال "هو شي منه" واصفاً الحزب الناجح": "ان كل من يتجاوب ومطامع الشعب وآماله سوف يلقى الدعم من الجماهير التي ستناضل من كل قلوبها في سبيله، وهكذا تكون حركة الجماهير حقيقية … وان نتجنب مهما كلف الامر النظرة الضيقة والنظرة الذاتية اللاموضوعية."[9]
 
الخلاصة

ما زالت اسرائيل تُمعن في تكريس سياساتها الاستعمارية التي تؤدي الى تهجير الفلسطينيين قسرياً، والى الاستمرار بالتنكر لحقوقهم المنصوص عليها على مراى ومسمع من العالم. وكما في العديد من الاحداث التاريخية، ما زال اللاجئون الفلسطينيون يشكلون الفئة الاكثر تضرراً و تأثراً بالأحداث السياسية والامنية في كافة اماكن تواجدهم. وبسبب غياب الحماية الدولية الواجبة للاجئين الفلسطينيين (الفيزيائية والقانونية والانسانية)، امسى اللاجئ الفلسطيني الاكثر عرضة للتهجير جرّاء الصراعات الدائرة في المنطقة. ولعل ما يجري اليوم يذكرنا، من بين حوادث اخرى، بتهجير نحو 400 الف فلسطيني من الكويت إبان حرب الخليج، وبتهجير وقتل الاف الفلسطينيين في الاحداث التي جرت في الاردن في مطلع السبعينات، بالاضافة الى تهجير الفلسطينيين من ليبيا إثر الخلافات السياسية التي نشبت بين القيادة الفلسطينية والليبية بسبب توقيع اتفاق اوسلو مع اسرائيل، وما يجري الآن من عملية قتل وتشريد عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
 
ان معركة التحرر وتفكيك المنظومة الاستعمارية لا تزال طويلة، ولا يبدو بأن اسرائيل في المنظور القريب ستقدم اي تنازل يمس بنظامها الاستعماري والعنصري، او تقبل - مهما انخفض مستوى المطالب - بعودة اللاجئين. وفي نفس الوقت، لن تكفل اسرائيل المساواة والعدل والكرامة لاي فلسطيني على جانبي الاخضر، ولن تستبدل اي من الارض المحتلة ذات الاهمية، وذلك استنتاجاً مباشراً لادبيات الحركة الصهيونية وجوهر وجودها الاستعماري. وبذلك فان اي توجه للتحرير يجب ان يمر من خلال حقيقة لا مناص من مواجهتها وهي "تفكيك النظام الاستعماري بمكوناته السياسية والايديولوجية والقانونية"[10] بشكل كامل. وهذا يحتم ضرورة تواصل كل الفعاليات على الصعيد الفردي والمؤسساتي والجماعي، وعمل المجتمع كوحدة واحدة لرفع الوعي حول ثقافة العودة وتخطيط ورسم المستقبل مع الاجيال القادمة.
 
ان تردي الحال وتراجع الحالة الوطنية العامة، يُحتم على الشعب بجميع اطيافه الوقوف والتصدي لحماية ما تبقى من كرامة والدفاع عن القضية العادلة؛ "ان المستعمر (الشيء) يصبح انساناً بمقدار ما يحققه من عمل" بحسب فرانز فانون.[11] وبذلك فان التحريض ضد الوقع السياسي المأزوم هو ضرورة لتجاوز حالة اللاأمل واعادة الامور الى نصابها الصحيح، فحق العودة غير قابل للنقاش او التفاوض. واسرائيل هي دولة استعمار لا تعفى من المسؤولية التاريخية للجرائم التي ارتكبتها ولا زالت بحق الشعب الفلسطيني. ولنتيقن بان حق العودة "مقدس لدى كل فلسطيني، وقانوني حسب الشرائع الدولية، لكن الإحباط الذي اصاب الناس بعد اتفاقية – أو قل خدعة اوسلو - أدى الى شك الكثيرين في انه ممكن"،[12] وان الحل الدائم والعادل لا يمكن تحقيقه الا من خلال تنفيذ قرار 194.
 
-----------------
*مراد عودة: مركّز التفعيل المجتمعي في مركز بديل.
 

[1] جميل هلال، النظام السياسي الفلسطيني بعد اوسلو، دراسة تحليلية، دراسة نقدية. مواطن، (ط١)، ١٩٩٨.
[3] جميل هلال، المرجع السابق
[4] عبد الستار قاسم، مقالة بعنوان تغييب قضية اللاجئين عن الخطاب الفلسطيني، ٢٠١٤ ماخوذة من موقع الجزيرة.
[5] جبرا الشوملي، حق العودة في خطاب منظمة التحرير في حقبة اوسلو، جريدة حق العودة، العدد ٢٥، مركز بديل.
[6] جبرا الشوملي، المرجع السابق
[7] جبرا الشوملي، المرجع السابق
[8] لتعذر الوصول الى جريدة المقالة في جريدة الهدف، تم اخذ الاقتباس من: محمد صالح، غسان كنفاني - عندما يكون للمقاومة ادب. ماخوذة من: http://www.huffpostarabi.com/mohammed-saleh/post_12521_b_10903010.html
[9] منير شفيق، تجارب ست ثورات عالمية، بيسان للنشر والتوزيع، (ط١) ٢٠١٤.
[10] نضال العزة، الحق في جبر الاضرار: التطبيقات في جنوب افريقيا واولويات إعمال الحق في فلسطين، جريدة حق العودة - العدد ٦٩. مركز بديل.
[11] فرانز فانون، معذبو الارض، جرووف بريس، 1968.
[12] سلمان ابو ستة، حق العودة مقدس وقانوني وممكن. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، (ط١)  ٢٠٠١.