الحق في جبر الأضرار: التطبيقات في جنوب أفريقيا وأولويات إعمال الحق في فلسطين

 بقلم: نضال العزة*

تؤكد مفوضية الامم المتحدة لشوؤن اللاجئين ان عودة اللاجئين والمهجرين الى ديارهم الاصلية واستعادتهم لممتلكاتهم هي الحل الأمثل، خصوصا في حالات اللجوء الجماعي. هذا التأكيد نابع من ثلاثة أسباب رئيسة هي:
الاول: عدم قدرة او عدم رغبة الدول المستضيفة على استيعاب ودمج الاعداد الكبيرة من اللاجئين،
الثاني: تحقيق أقصى العدالة الممكنة بما يسهل عملية إنهاء اسباب الصراع المنشئ للتهجير ابتداء، ويشكل بالتالي اساسا للمصالحة المجتمعية والسلام الدائم.
الثالث: الأقل كلفة بالقياس الى خيارات التعويض والدمج في مجتمعات أخرى.

ومن الثابت ايضا، ان عمليات عودة اللاجئين والمهجرين واستعادتهم لممتلكاتهم، ناهيك عن تطبيقات المصالحة ضمن آليات العدالة الانتقالية، او اجراءات اعادة التأهيل اللازمة، تبقى واحدة من اعقد عمليات انهاء اسباب الصراع و بناء السلام. تزداد هذه العملية تعقيدا كلما اتسع نطاق التهجير الاصلي، وكلما ازداد عدد المهجرين، وكلما امتد عمر التهجير. ان امكانية وآليات التوصل الى اتفاق لانهاء الصراع وحالة المواجهة غالبا ما تكون ايسر من معالجة التهجير واسع النطاق وطويل الامد؛ ذلك ان مصير اتفاق إنهاء الصراع، مهما صدقت النوايا، سيكون رهنا بنجاح عملية معالجة التهجير أي جبر الاضرار التي لحقت باللاجئين والمهجرين طيلة فترة التهجير. 

في مقال “تعزيز الظروف المواتية لإنفاذ آليات قابلة للتطبيق ودائمة لجبر الضرر الواقع على الشعب الفلسطيني” في هذا العدد، بينت الكاتبة لبنى الشوملي، ان وقف التهجير القائم، وتفكيك نظام الاستعمار والابرتهايد الاسرائيلي بمكوناته المؤسسية، (السياسية والقانونية، والايدولوجية)، هي شروط لازمة لتطبيق مبدأ جبر الضرر (العودة الى الديار الاصلية، واستعادة الممتلكات، والتعويض، وعدم تكرار الانتهاكات). في هذا المقال الذي يعتبر مكملا للاول، سيتم تناول الاطار العام الناظم لإعمال جبر الضرر في الحالة الفلسطينية. في جزئه الاول، يلقي هذا المقال الضوء على تجربة العودة واستعادة الممتلكات في حالة جنوب افريقيا، حيث يتناول المعيقات وسبل المعالجة. اما في جزئه الثاني، فيتناول المقال أبرز القضايا المتصلة بعودة اللاجئين واستعادتهم لممتلكاتهم بنظرة مقارنة الى ما خلصت اليه تجربة جنوب افريقيا وما قد ينشأ في في سياق جبر اضرار اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين. ضمن هذا الجزء، يعرض المقال أبرز المعيقات ويرسم الاطار الناظم لعملية جبر الضرر المتصورة في سياق معالجة التهجير الفلسطيني واسع النطاق وطويل الامد.  
 
نظرة على برنامج اعادة االممتلكات في جنوب افريقيا

في مطلع القرن العشرين بلغ الاستعمار الاوروبي والذي بدأ في منتصف القرن السابع عشر لجنوب افريقيا ذروته. وفي منتصف القرن العشرين تم مأسسة الفصل العنصري (الابرتهايد)؛ حيث سيطر المستعمرون الاوروبيون (20% من السكان) على 87% من الاراضي، بينما تم حصر الافارقة السود (80% أصحاب الارض الاصليين) في معازل غير متصلة على مساحة بلغت 13% من الارض. ترافقت عملية الحصر في المعازل مع حملات تجريد من الملكية، وخصوصا ملكية الارض، وحملات ترحيل جماعي، وانتهاكات جسيمة ممنهجة لحقوق الانسان. ولادامة وشرعنة السيطرة والهيمنة والفصل العنصري قامت حكومة نظام الفصل العنصري بابتداع نظام السلطات المحلية المشكلة من المتعاونين السود لادارة شؤون المعازل. كانت مقاومة هذه السلطات جزءا من حركة النضال ضد نظام الفصل العنصري.

بحلول عام 1994 الذي شهد انتصار حركة التحرر الجنوب الافريقية وتنظيم انتخابات عامة انتجت فوز حزب المؤتمر الوطني، كان على النظام الجديد الناشئ معالجة ما انتجته حقبة الابرتهايد. هذه المعالجات كانت تستلزم بالضرورة اعادة بناء مؤسسات الدولة سياسيا، وقانونيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا. ضمن هذا السياق، كان جبر الاضرار التي لحقت بالضحايا، خصوصا إعادة الممتلكات للضحايا وتعويضهم، من اكثر المسائل تعقيدا على مختلف المستويات. لذلك كان على الحكومة ان تؤسس لعملية استعادة الممتلكات قانونيا ومجتميعا وسياساتيا. هذا التأطير كان يجب ان يضمن تحقيق اقصى درجات العدالة للضحايا (عبر اعادة الحقوق والممتلكات وتحقق الرضا)، ضمان الاستقرار المجتمعي (عبر اجراءات المساءلة والمحاسبة والمصالحة)، وضمان شروط التنمية العامة (الموازنة ما بين قدرات الدولة وضرورات التنمية من جهة والمصالح والحقوق الفردية من جهة ثانية). وقد كان من الضرورة بمكان تطبيق المعالجات فعليا ضمن اطار زمني معقول.

يتضح ان المطلوب كان اكثر من مجرد تنظيم انتخابات عامة تضمن للافارقة السود حق الترشح والاقتراع؛ لقد كان المطلوب ابداع حلول خلاقة لاجتثات مكونات الاستعمار الاوروبي الذي امتد لاكثر من ثلاثة قرون، ولتفكيك منظومة الفصل والتمييز العنصريين. ولقد ابدع الجنوب افريقيون في وضع ذلك الاطار، رغم ما يعتري التجربة من أخطاء ومعيقات؛ بل وعيوب تكاد تودي بنتائج حركة التحرر والنضالات الطويلة، والتضحيات الكبيرة. ان ارتفاع مستويات الفقر، والبطالة، والتمييز، وتركز الثروات، وانخفاض مستويات التنمية العامة والدور التدخلي للدولة دفعت ببعض الباحثين الى وصف واقع الحال بعد اكثر من ربع قرن بانه اعادة انتاج لنظام استعماري عنصري جديد تديره وتنتفع به طبقة سياسية - اقتصادية من السود والبيض. بصرف النظر عن التقييم النهائي او التوصيف الادق لتجربة جنوب افريقيا، تبقى هناك حاجة كبيرة، نظرية وعملية، للتعلم من التجربة الافريقية في سياق رسم الاطار الناظم للحق في جبر الاضرار في السياق الفلسطيني.  

التعلم من التجربة الجنوب افريقية لا يأتي من باب تطابقها مع الحالة الفلسطينية، فلكل قضية معطياتها وخصائصها وسياقها المنفرد؛ ولكن دائما هناك ما يمكن التعلم منه. فمثلا تتقاطع الحالتان الفلسطينية والجنوب افريقية في سيطرة المستعمر على معظم المساحة؛ 87% في جنوب افريقيا، و85% في فلسطين بحدودها الانتدابية. في كلا الحالتين التجريد من  الملكية والعزل وانتهاكات حقوق الانسان الجسيمة، والتي قد تصل الى مستوى الجرائم الدولية، كانت سياسات اساسية منظمة تهدف الى ادامة سيطرة وهيمنة المستعمر. وعند الحديث عن نمط تسجيل/اثبات الملكية العقارية، وخصوصا الاراضي، يلاحظ ان الاعتماد الأكبر على الحيازة الفعلية المتوارثة هي النمط السائد في الحالتين. يضاف الى ذلك ان طول فترة السيطرة والهمينة قد انتجت وقائع كبيرة على الارض لا يمكن إغفالها. في المقابل، تختلف الحالة الفلسطينية عن الجنوب افريقية في نمط التهجير ومداه، فبينما التهجير واسع النطاق الى خارج فلسطين هو النمط الغالب، نجد ان التهجير الداخلي في جنوب افريقيا والحصر في المعازل كان النمط السائد. فبينما تجاوز عدد المهجرين داخليا في جنوب افريقيا ثلاثة ملايين ونصف مقابل 150 الف لاجئ تقريبا، نرى ان اكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني يقيمون خارج فلسطين (هذا الرقم لا يشمل قرابة ٢ مليون من اللاجئين المسجلين داخل فلسطين) مقابل ما يقارب 750 الف مهجر داخلي على جانبي الخط الاخضر. من جهة ثانية، سيكون لاختلاف طبيعة المسكن ونظام الارث آثار ليس على عملية اعادة الاملاك الى اصحابها و/او ورثتهم  فقط، بل وعلى اولويات عملية اعادة الاملاك.

تم التعامل مع عملية جبر الضرر في جنوب افريقيا باعتبارها علاج منصف يسترد الشخص بموجبه مركزه القانوني الأصلي قبل وقوع الضرر. فهي عملية اعادة الحالة الى ما كانت عليه وكأن الضرر لم يحدث ما امكن ذلك، وعند التعذر يتم اللجوء الى التعويض بمقابل سواء كان التعويض ماليا او بالمثل، وعلى ان يراعى في تطبيق هذه العملية ضرورة تحقيق المصالحة والمنفعة العامة. بناء على ذلك، كان متصورا ان هذه العملية تشمل: (1) الاعتراف بالحق؛ (2) استعادة للأملاك المفقودة عينها، و/أو؛ (3) الحصول على تعويض مالي او مقابل المثل، (4) تحقيق المصالحة بين الضحايا ومقترفي الانتهاكات/المستفيدين من الملكية الأصلية؛ و (5) المساهمة بطريقة ما في التقدم الاقتصادي للبلاد. وعليه، كان من الواضح ان هذه العمية تتطلب ان يتم تثبيت اسسها في الدستور، وترجمتها في قوانين تشريعية، وتنفيذها باجراءات ادارية، وربط كل ذلك برقابة واحكام قضائية حيث يلزم.

بينما تم تضمين اسس عملية جبر الاضرار في دستور البلاد، وتم وضعها في قوانين وانطمة تنفيذية؛ الا ان حكومات جنوب افريقيا المتعاقبة منذ انتخابات عام 1994 واجهت في التطبيق العملي معيقات وعقبات جمة. هذه ابرزها:
  • بطء الانجاز نتيجة التعقيدات اللوجستية والعملية: رغم الاقرار بان عملية جبر الاضرار عملية متدرجة، الا ان بطء الانجاز في ظل ضخامة عدد الضحايا خلق حالة من عدم اليقينية او الثقة في العملية برمتها. يعزى السبب الاساس في ذلك الى تعقيدات لوجستية وعملية. لقد كان الافتقار الى قاعدة بيانات موثوقة بشأن الاراضي، احد اهم المعيقات، الامر الذي تسبب في نشوء وتسجيل منازعات ودعاوى لا حصر لها.
  • تعثر وتضارب المعالجات الادارية والقضائية: الاجراءات القضائية اكثر عدالة وامانا بالقياس الى الاجراءات الادارية الا انها تستغرق وقتا. وفي الوقت الذي تم فيه في جنوب افريقا اللجوء الى تشديد معايير اللجوء الى القضاء لتسوية المنازعات ما بين المالكين الاصليين انفسهم و/او ما بينهم وبين الحائزين الحاليين، لم يكن اللجوء الى الاجراءات الادارية لتسريع العملية محل رضا الاطراف المتنازعة. انعكس ذلك بالتالي على جهود المصالحة والاستقرار المجتمعي المطلوب تحقيقهما بالترافق مع عملية إعادة الاملاك. وناهيك عما يمكن ان يتخلل العملية من خلل ينشأ عنه منازعات متفرعة، كان حجم القضايا المنظورة يفوق التصور والقدرات وما تتطلبه من متابعة لازمة لغايات الاطمئنان الى قانونية وعدالة الاحكام.
  • عدم الموازنة ما بين المصلحة العامة والمصالح/الحقوق الفردية: رغم إن العملية كانت تشترط مراعاة المصلحة العامة عند انفاذ الحقوق الفردية، الا ان الاعتراف بالحق الفردي للضحايا حظي باولوية في التطبيق، الامر الذي اعاق اولويات التنمية للبلاد. فناهيك عن كلفة العملية نفسها والتي تحتاج الى دولة قادرة، وإسناد دولي كبير، الا ان تغليب الحقوق الفردية على اولويات التخطيط والتنمية المستدامة اعجز الحكومات المتعاقبة عن الايفاء بمتطلبات التقدم الاقتصادي. لقد ادى هذا بدوره الى تعطيل قدرة الدولة على التدخل لحماية الفئات الضعيفة في مجالات توفير السكن، والتعليم، والصحة، والعمل، وغيرها من الحقوق الاساسية. كما انه ادى من جهة ثانية الى تمكين طبقة متنفذة قديمة وناشئة من اعادة انتاج استغلالها للفئات الضعيفة. فاستعادة الافراد لممتلكاتهم في ظل عوزهم وعدم كفاءتهم و/او عدم قدرتهم على استثمار ممتلكاتهم، تركهم عرضة لاستغلال فئة القادرين من الافراد والشركات. وربما هذا المعطى يشكل الاساس لما تشهده جنوب افريقيا من اعادة لإنتاج الاستغلال والعنصرية والتهميش بصورة الاستعمار الجديد (نيو - كولونيالية).
 
حق جبر الاضرار في السياق الفلسطيني

كما سبق الاشارة، جبر الاضرار (العودة، استعادة الممتلكات، التعويض باشكاله، وضمان عدم تكرار الانتهاكات المسببة للصراع والتهجير) لا يمكن إعماله الا في سياق عملية تجمع ما بين ركنين يتكاملان/ او قل يجب ان يتكاملا في سياق عملية التحرر هما: تفكيك منظومة الاستعمار والابرتهايد الاسرائيلية مؤسسيا (سياسيا وقانونيا، وايديولوجيا)، وبناء منظومة بديلة تكفل حقوق الانسان لجميع مواطني الدولة. ولعله من الضروري هنا التأكيد على ان هذا الجمع ما بين الركنين ليس تتابعيا في الزمن، بمعنى ترك مرحلة البناء لما بعد مرحلة التفكيك؛ بل ترافقيا تراعى فيه اولويات التركيز. اكثر من ذلك يمكن القول انه كلما ابدعت حركة التحرر في رسم ماهية الدولة ومؤسساتها ودورها والحقوق الفردية والجماعية، كلما اسهم ذلك في انجاح عملية تفكيك منظومة الاستعمار والابرتهايد وفي تسريعها. وفي المقابل، كلما كانت عملية التفكيك تلك مضبوطة بالقياس الى تصورات ما بعد التفكيك، كلما كانت عملية البناء امتن وايسر. بكلمات اخرى، عملية البناء يجب ان تترافق مع عملية الهدم، اذ لا يتصور النجاح في اي منهما في حال الفصل ما بين شقي العملية التحررية.

بالنظر الى حالة جنوب افريقيا، يمكن القول ان مسألة اعادة الممتلكات (الاعتراف بالحق، واعادة الملكية عينها و/او التعويض بمقابل) الى اصحابها كانت اولوية الاولويات بالقياس الى التنمية المستدامة (تمكين الدولة والمجتمع) والمصالحة (الاستقرار المجتمعي). تعتبر تجربة جنوب افريقيا في مجال البناء ما بعد انهاء نظام الابرتهايد مميزة رغم الاخفاقات، ويمكن الاسترشاد بها في ترسيم الاولويات ما بعد تفكيك منظومة الاستعمار والابرتهايد في الحالة الفلسطينية.

ضمن هذا السياق، يلزم الانتباه الى ان مسألة عودة اللاجئين والنازحين وما يتصل بها من عمليات اسكان وتأهيل، لم تكن في جنوب افريقيا اولوية بالقياس الى بقية الاشكالات، ذلك ان عدد اللاجئين (المهجرين خارج البلاد) لم يكن بالملايين كما هو حال اللاجئين الفلسطينيين. وبالتالي، سيكون لزاما في الحالة الفلسطينية التعامل مع عودة اللاجئين والمهجرين وما يتصل بها من حقوق مدنية واقتصادية واجتماعية كاولوية تسبق مسألة اعادة الاملاك. وبالتركيز على موضوعنا (جبر الاضرار)، فانه من المتصور ان ابرز التحديات الراهنة (التي يجب المباشرة في معالجتها ضمن استراتيجية التحرر) وتلك المتصورة (التي ستنشأ في مراحل لاحقة خصوصا خلال تعاظم اولويات بناء المنظومة البديلة) ستتمثل في: الاسكان، التشغيل، إعادة الممتلكات ونظام التعويض، التنمية الاقتصادية المستدامة، المساءلة والمحاسبة والمصالحة، ارساء الاسس الناظمة لمجتمع ديموقراطي قائم على ثقافة المساواة وعدم التمييز واحترام التنوع والتعددية. هذه الاولويات ليست حصرية، ولكن كما سبق التوضيح يلزم المباشرة في تأطيرها وترويجها كجزء لا يتجزأ من عملية التحرر.

لن يتم تناول جميع التحديات الواردة اعلاه، ولكن سيتم القاء الضوء على ما يمكن ان نسميه اولويات ملحة في حال الوصول الى وضع يسمح بإنفاذ الحق في جبر الاضرار.

الاعتراف بالحق في جبر الضرر لكل لاجئ/مهجر: هذا الاعتراف القانوني هو اعتراف بتحمل الدولة المسؤولية الآنية والمستقبلية. من المفهوم هنا ان الاعتراف بالحق قانونيا لا يعدل تطبيقه، ولكنه يضفي عليه حماية آنية ومستقبلية بصرف النظر عن المدة التي قد يستغرقها وضع الحق موضع التطبيق، وبصرف النظر عن عودة او عدم عودة الشخص صاحب الحق. بمعنى، ان الاشخاص الذين يختارون عدم العودة، اي الاندماج في مجتمعات اللجوء او اعادة التوطين في بلد آخر لن تسقط حقوقهم الاخرى مثل التعويض والحق في الجبر المعنوي (نيل الاعتذار) او محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.

العودة جماعية وتدريجية: بصرف النظر عن الاعداد، ستكون عودة اللاجئين والمهجرين جماعية، ولكنها غير قابلة للتطبيق دفعة واحدة، بل ستكون تدريجية. هذا التدرج في التطبيق مطلوب، ليس لان فلسطين بحدودها الانتدابية لا تتسع للعائدين حتى وان كانوا بالملايين كما تدعي اسرائيل، ولكن لضمان توفر شروط الاستيعاب بمعناه الشامل. فالعودة هنا لا تعني مجرد الوصول/الدخول الى المكان (البلاد)، بل كي تكون عودة كريمة فانها تتطلب توفر المسكن، والمستوى اللائق من المعيشة، والعمل، والرعاية الصحية والاجتماعية وما يتصل بذلك من تكييف للبنى التحتية القائمة او استحداث بنى جديدة.

الاعتراف بالحق في ممارسة إجراءات تقرير المصير للشعب الفلسطيني: وهذا الاعتراف سيشمل كل شخص تمكن من ممارسة العودة فعليا الى البلاد، واولئك الذين ينتظرون في بلدان اللجوء تمكينهم من ممارسة العودة. ان أي عملية استفتاء، او اقتراع ضمن سياق تقرير المصير يجب ان تضمن حق العائدين فعليا وأولئك الذين سيعودون في المستقبل.    

تمكين الدولة والتنمية المستدامة: لتجنب العثرات، ولضمان ان التطبيق التدريجي لن يكون بلا سقف زمني معقول، يجب ان تكون اعادة اللاجئين واسكانهم وتأهيلهم اقتصاديا واجتماعيا مسؤولية الدولة وليس من مسؤولية جهات اخرى محلية او دولية. ان دعم واسناد عملية جبر الاضرار من قبل المجتمع الدولي، والقطاع الاهلي المحلي والعالمي، وربما القطاع الخاص والافراد مطلوب، ولكن ليس كبديل عن مسؤولية الدولة. الدولة تتحمل مسؤولية توفير المصادر واحداث التنمية. هذا الدور سيمكنها ليس فقط من تضمين حقوق الافراد، وخصوصا العائدين، في برنامج عام يحظى بأولوية قصوى، بل ويمكنها من مباشرة مسألة إعادة الممتلكات الى اصحابها الاصليين. وبلا شك، فان هكذا برنامج سيكون مستندا الى قدرة الدولة على تأمين تلك الحقوق، بمعنى ان برنامج التنمية المستدامة اولوية تسبق مسألة إعادة الممتلكات. ليس المطلوب ان تتم العودة الى مكان لا تتوفر فيه شروط الكرامة الانسانية، او الى دولة عاجزة عن الوفاء بالحقوق الاساسية.

إعادة الممتلكات: في جنوب افريقيا حظيت إعادة الممتلكات لاصحابها الافراد على تركيز عال استنادا الى الاعتراف بالحق الفردي. من حيث المبدأ هذا الاعتراف لا تشوبه شائبة، ولكن في التطبيق العملي انتج كما سبق القول اكثر من اشكالية جوهرية، لا زالت تعاني منها البلاد حتى اليوم. من تلك الاشكاليات، كثرة المنازعات ما بين المالك الاصلي والحائز الحالي او ما بين الورثة المتعاقبين انفسهم، انشغال الدولة عن ضرورات التنمية، تعثر الافراد الذين استعادوا املاكهم وعجزهم عن ادارة املاكم وبالتالي اعادة انتاج منظومة الاستغلال والهيمنة والعنصرية على نحو جديد ضمن نظام الدولة الناشئة. والسؤال هنا كيف يمكن في الحالة الفلسطينية اعادة الممتلكات دون الوقوع في نفس الاشكاليات او مثيلاتها؟

 إجابة ذلك تتمثل عموما في وجوب الموازنة ما بين الحق الفردي وضرورات التنمية المستدامة. اسباب عدم نجاح جنوب افريقيا في ضبط هذه الموازنة عديدة، ولكن باعتقادنا ان اهم تلك الاسباب هو التعامل مع الحق في جبر الاضرار، وخصوصا استعادة الممتلكات، وكأنه استعادة لما كان عليه الوضع قبل الاستعمار واستشراء نظام الابرتهايد. ترتب على هذا الامر ضبابية ناشئة بدورها عن عدم القدرة على الفصل ما بين صحة الاعتراف بالحق المطلق في جبر الضرر وضرورة الانفاذ النسبي للحق في التطبيق. يظهر هذا الخلل اكثر ما يظهر في عجز الدولة عن توسيع دورها التدخلي وفاء لمسؤولياتها حيال الحقوق الانساينة الاساسية والذي لم يكن ممكنا دون تمكين الدولة؛ اي من دون دولة تلعب دورا تدخليا واسعا. وللتوضيح يمكن القول ان الدولة الناشئة ما كان بامكانها ان تحقق مستوى معيشة لائق، وتضمن حقوق السكن، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية لكافة افراد المجتمع بالاعتماد على مصادر الدعم الخارجي، او بالاعتماد على مصادرها المحدودة، او على قوانين السوق الحرة واحتمالات التنمية المستدامة التي تستند الى مبادرات فردية او استثمارات خاصة محلية او خارجية. وعليه، ما هية الدولة ودورها التدخلي الواسع يجب ان يكون مرسوما خلال مرحلة التفكيك، واحد الاولويات التي تسبق العودة واستعادة الاملاك خلال مرحلة البناء. 

الحالة الفلسطينية ستشهد نفس التعقيدات العملية واللوجسيتة: الادارية والقضائية، بل وستكون اكثر تعقيدا من حالة جنوب افريقيا. فبينما تتشابه الحالتان في سعة التجريد من الملكية، طول فترة الهيمنة الاستعمارية والعنصرية، عدم وجود نظام لتسجيل الاملاك موثوق (خصوصا سجل الاراضي)، تختلف جوهريا الحالتان في اكثر من مسألة ستكون لها اثر على مفهوم وآليات انفاذ اعادة الممتلكات أهمها (وليس جميعها):
  • صغر مساحة فلسطين بالنسبة للسكان (هذا بافتراض بقاء سكانها من الفلسطينيين واليهود وعودة غالبية اللاجئين والمهجرين). سيكون من المتعذر اعادة الاملاك كاملة، او تعويض اصحابها عنها جزئيا او كليا بشكل كامل. كما سيكون ضربا من الانتحار بالنسبة للدولة الناشئة اذا ما تنازلت عن المصادر- والتي منها الارض وما عليها وما فيها- وما يمكنها من ان تكون قادرة على لعب دورها التدخلي كما سبق توضحيه.
  •   ضخامة عدد اللاجئين/العائدين، والذين ستكون الاولوية بالنسبة لهم الاسكان والتأهيل وضمان باقي الحقوق الاساسية.
  • طبيعة نظام الارث والذي سيكون اسلاميا في الغالب، اي توزيع الممتلكات على المستحقين من الاجيال المتعاقبة. وضوح النصوص الاسلامية هنا لن تكفي لتجنب ضخامة المنازعات التي ستنشأ ما بين الورثة أنفسهم، ناهيك عن الورثة والحائزين الحاليين (افرادا كانوا ام دولة).  
  • ضخامة التغييرات الجوهرية المحدثة على الاملاك الاصلية: وعنصر الضخامة هنا لا يقاس بمستوى ما احدثه كل نظام استعماري في البلد التي هيمن عليه فقط، بل يقاس بالنسبة الى مساحة البلاد وعدد المتأثرين ودرجة تأثر الملكية الخاصة. فاثر التغييرات في جنوب افريقيا ضمن المساحات الشاسعة كان محدودا على عدد الافراد المالكين الاصليين والمساحة المتأثرة، بينما في الحالة الفلسطينية، من المتصور ان يكون لاستحداث شارع يمتد لبضع كيلومترات مثلا اثر اكبر على عدد المالكين الاصليين ودرجة تأثر ملكية كل واحد. كما ان الضخامة هنا وهذا لا يشمل فقط الاملاك الخاصة المشغولة من قبل حائزين افراد باعتبارها املاكا خاصة، بل الاهم الاملاك الخاصة أصلا والمشغولة الان من قبل نظام الاستعمار والابرتهايد الاسرائيلي او المحدث فيها مرافق عامة وما شابه.
  • الاعتراف بالحقوق المكتسبة المشروعة للحائزين الحاليين وتمكينهم منها: ان مجرد العمل على انفاذ مبدأ منح الاولوية للمالك الاصلي في استعادة الممتلكات الخاصة المشغولة قد يكفي لمعالجة مطالبات المالكين الاصليين ويحقق لهم العدالة، ولكنه ليس بالضرورة الحل الامثل. فاذا كان المطلوب ضمان الاستقرار المجتمعي، والمساواة، وتحقيق المصالحة، وعدم ارهاق الدولة في استحداث برامج خاصة مكلفة ومرهقة تستنزف قدراتها المادية والبشرية، فانه من الحكمة القول ان هذا المبدأ يحتاج الى معالجة خاصة. ربما يكون من الانسب الاعتراف باحقية اللاجئ في استعادة املاكه الاصلية، وذلك بصرف النظر عن حسن او سوء نية الحائز، ولكن في التطبيق العملي يجب تقييد هذا المبدأ بقدرة الدولة على ضمان حقوق الانسان للحائز الحالي (المخلى)، وبعدم جوزا التسبب في تكبيد الحائز الجديد معاناة يمكن تجنبها، وبحظر تجريد الحائز الجديد من حقه في الملكية وبقية حقوق الاستعمال والانتفاع لمجرد انه حائز لاحق ينتمي الى نظام الاستعمار الاسرائيلي او الى فئة اجتماعية او دينية معينة. اذا ما ترك المبدأ على اطلاقه للتطبيق، فسنكون امام عملية اعادة انتاج لنظام قمعي وعنصري. يجب تناول كل حالة على حدة، والموازنة ما بين الحق الاصلي وما يمكن ان يترتب على اعادته عينا (الملكية الاصلية نفسها كما ونوعا) الى مالكه الاصلي من آثار على الدولة والحائز اللاحق.    
الدروس المستقاة من تجربة جنوب افريقيا في مجال اعادة الاراضي، والاختلافات ما بين الحالتين، والصعوبات المترافقة معها او الاشكالات المحتمل ان تترتب عليها تؤكد ضرورة تقييد مبدأ الحق باستعادة الاملاك، وخصوصا الاراضي. في هذه الحالة يجب التأكيد ان الاعتراف المطلق بالحق لا يعني التنفيذ المطلق للحق، لان التطلع يجب ان يكون لا الى الوراء/ او ما كان، بل الى المستقبل، الى ما يجب ان تكون عليه الدولة والمجتمع وحقوق الانسان للجميع. وعليه، سيكون حق استعادة الممتلكات في التطبيق العملي اقرب الى برنامج اعادة توزيع الممتلكات من قبل الدولة. واعادة التوزيع هنا تشترط سبق حيازة الدولة لسائر الاملاك العقارية المشغولة او المتروكة لضمان ضبط الموازنة ما بين المصلحة العامة والمصالح/الحقوق الفردية. بالتأكيد عبر اعادة التوزيع لن يتحقق للبعض من اصحاب الحقوق كامل حقوقهم (كما ونوعا)، ولكن هذه الموازنة ستضمن اقصى العدالة، والاستقرار المجتمعي، والحقوق الاساسية المكفولة للجميع في مجتمع ديمقراطي؛ اذ عبر ذلك يمكن ضمان تمكّن الدولة، وتمكين العائدين بما في ذلك الذين لم يكونوا مالكين ونسلهم، وحفظ حقوق الحائزين الجدد.        
 
-------------
  • نضال العزة: مدير مركز بديل.